بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الجمعة، 22 يناير، 2010

الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الكتاب الأول) (الفصل الأول)

الفصل الأول
التكوين الإيديولوجي تغليب مصلحة النخب الرأسمالية
أولاً:الجريمة الأميركية مثال للاستعمار الاستيطاني
تدل طبيعة التكوين الإيديولوجي الأميركي على جملة من الحقائق لا يمكن إغفالها في كل دراسة تتناول هذه القضية أو تلك، هذا الجانب أو ذاك، من جوانب السلوكات الأميركية ضد الخارج الأميركي. ولأن كتابنا يتناول جانب الجريمة الأميركية في العراق، نرى من المناسب أن ننظر إلى طبيعة تكوين منهج الجريمة في النظام الأميركي.
قام النظام الأميركي، منذ تأسيسه، على قاعدة تفوُّق العرق الأبيض. ويمتد خيط من مفاهيم الرجل الأبيض في التعامل مع الأعراق الأخرى عبر التاريخ إلى الوقت الحاضر، هو خيط مفهوم نظرية التميز والتفوق العرقي للرجل الأبيض. وقد انبثق عن ثنائية (العرق الأبيض في مواجهة الأعراق الأخرى)، ثنائية أخرى (السيد والعبد)، فالسيد هو الأميركي الأبيض أما العبد فهو كل شعوب العالم الأخرى. ولأن نظرية السيد تعني «الإنسان المتحضر»، ونظرية العبد تعني «الإنسان المتوحش»، يحق في أعراف «السيد» أن يتخلَّص من «العبد» بأية وسيلة. ولهذا انغرست في الإيديولوجيا الأميركية مفاهيم «إبادة الوحوش» لتخليص البشرية من شرورها، ودافعهم هو وضع ثروات العالم في خدمة «الرجل الأبيض المتحضر». فكانت الولايات المتحدة الأميركية، ومازالت، الدولة «الأشد دموية وعدوانية عبر التاريخ الإنساني كله ،منذ أن بدأت تتشكل وحتى الآن، أي منذ إبادة الهنود الحمر إلى العدوان على العراق». وامتلأ تاريخها «بالجرائم المروعة التي لا تريد لها تاريخاً وتوثيقاً بما يكشف للعالم، وللأمريكيين أنفسهم، أن تاريخهم ليس إلا تاريخ إبادة للشعوب والحضارات الأخرى، وكيف أن تقدمهم العلمي والاقتصادي قام على سلب الأمم ثرواتها العلمية والبحثية والاقتصادية».
تواصلت الإيديولوجيا الأميركية ، منذ ما يُعرَف بالاستقلال حتى اللحظة الراهنة، بتحديد سياسة الولايات المتحدة الأميركية على النسق ذاته، استناداً إلى ثنائيات (العرق الأبيض والأعراق الأخرى، و(السيد والعبد)، و(الإنسان المتحضر والإنسان المتوحش). واستمرت أيضاً آليات الصراع بين تلك الثنائيات على قاعدة تشريع مبادئ: «إبادة الأعراق الأخرى: العبيد والمتوحشين، رسالة إنسانية وإلهية»، بحيث ارتقى مفهوم الإبادة إلى مفهوم «الاستعباد»، ويعني أنه لأجل تأمين اليد العاملة التي تخدم «الإنسان المتحضر» تسمح الإيديولوجيا الأميركية باسترقاق الأعراق الأخرى لوضعهم في خدمة الأسياد البيض. وتستند تلك المفاهيم إلى عمق تاريخي سادت فيه «نظرية ترويض العبيد» التي احتلَّت حيزاً واسعاً من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وتعود أصولها إلى بداية (النهضة الأمريكية) التي قامت «على جثث ودماء وجهود الأفارقة الذين تم اصطيادهم مثل الحيوانات من الغابات والمنازل، أو تمَّ شراؤهم من الأسواق». وهي بالإجمال «قضية وجود مفهوم نظري، يرى فيه الأمريكي أن من حقه إبادة الشعوب الأخرى، واسترقاقها وتخويفها وإرهابها ،باعتباره (رجل ابيض) متفوق حضارياً على الآخرين». ليست تلك الإيديولوجيا إلاَّ مثار فخر وتباهي، عند الأميركيين، بالوحشية والدموية( ).
وتذكر بعض التقارير على أن «أبوات الرأسمالية الأميركية» قد جنوا ثرواتهم على جماجم الشعوب، وعلى أنهار من الدماء( ). وان القيام بارتكاب أعتى الجرائم، وأشدها دموية في تاريخ البشرية ،لا يعنى أبداً التبجح بها، وإنما يعنى بالقدرة ذاتها على ارتكابها، وتتوفر آلة إعلامية كاذبة ومخادعة للتغطية عليها ،وتصويرها على أنها «أعمال إنسانية متحضرة» ضد بدائيين، كما كان الحال في الزمن القديم، أو ضد أناس يقفون ضد المبادئ الإنسانية، من إرهابيين وديكتاتوريين أو حتى معادين لحقوق المرأة والطفل. فهو يُغلِّف جرائمه بعُدَّة عمل إعلامية تظهرها بأنها شرعية وأخلاقية، بل واجب إنساني، وإلهي أحياناً. وهناك مبادئ إعلامية عشر يطبقها الإعلام الأميركي( ).
لم تقتصر الإيديولوجيا الأميركية على تُراث تاريخي طويل، وإنما عقد تحالفات مع ما يسميه (فرانك براوننغ) في كتابه (الجريمة على الطريقة الأمريكية) بـ«السلطة السادسة». وهي ليست إلاَّ تلك التي يمارسها عالم محترفي إجرام يعملون في خدمة الصناعيين والسياسيين من غير الشرفاء. وإن الأفراد الذين ينتهكون القانون، يعرفون أن باستطاعتهم الاعتماد على حماية (المنظمة)، وعلى ضمان أموالها. إن (السلطة السادسة) تستعلي على تحالفات الطبقات وعلى الصداقات السياسية التقليدية... وهي تلك الجريمة المتمأسسة. ووظيفتها ليست إفساد القوى الاجتماعية الأخرى وحسب. بل إنها تؤلف سلطة مستقلة تقاوم السلطات الأخرى أيضاً.
ولكل هذه الأسباب لا يمكن لتاريخ الجريمة في الولايات المتحدة إلاّ أن يكون تاريخ الولايات المتحدة الذي تنتشر فيه مغامرات الخارج على القانون، وقاطع الطريق والمتمرد والمبتز. وقد وظّف الساسة الأميركيون كل النظريات التي يطلقها الموتورون في العالم، بعد أن أسبغوا عليها مسحة أمريكية ووضعوها في قوالب مقننة أنتجت سيلاً من الجرائم. وليست تلك السلطة إلاَّ سلطة عصابات المافيا في نيويورك( ).
ثانياً: العالم يواجه الجريمة الأميركية المنظمة بتأسيس «المحكمة الجنائية الدولية»
شهد القرن العشرون أفظع الأحداث التي ارتكبتها السلطات الأميركية في تاريخ الإنسانية. وفي العديد منها ارتكبت جرائم تحت غطاء الحصانة. الأمر الذي شجع الآخرين على السخرية من القوانين الإنسانية. فهنالك حاجة ملحة لمحكمة مثل المحكمة الجنائية الدولية للتخلص من الانتهاكات الفظة للقانون الإنساني الدولي تحت غطاء تلك الحصانة. وتأسست بناء على تشريع روما حيث تبنته 120 دولة في 17 تموز/يوليو من العام 1988. إنها أول محكمة جنائية دولية دائمة تقوم على أساس ميثاق موقع تكون مهمتها إعلاء سلطة القانون والتأكد من أن الجرائم الدولية البشعة لن تمر من دون عقاب. وتمت المصادقة عليها، في الحادي عشر من نيسان/أبريل 2002. ووفقاً لذلك أصبح ساري المفعول منذ 1/ 7/ 2002. وأي شخص يقوم بارتكاب أي من الجرائم المدرجة في لائحة التشريع، بعد هذا التاريخ، سيكون عرضة للوقوف أمام هذه المحكمة(*).
شعرت الدول الأعضاء بأهمية إدراج جرائم العنف في تشريع المحكمة الجنائية الدولية, إلا أنها لم تتمكن من الاتفاق على وضع تعريف لها. ولا يزال قيد المحادثات بإشراف اللجنة الابتدائية للمحكمة. ومع أنها كانت صعبة, إلا أن تقدما ملحوظاً بدأ يبدو عليها. وعند الوصول إلى اتفاق بشأن تعريف جرائم العنف, سيتم إدراجه في تشريع المحكمة, عند تعديل التشريع بعد سبع سنوات.
فالمحكمة الجنائية الدولية محكمة مكملة للمحاكم الوطنية, لتتمكن هذه المحاكم من التحقيق في جرائم القتل الجماعي وجرائم الحرب. لكنه عندما تتولى حكومة ما التحقيق في قضية كهذه, لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تتدخل إلا عندما ترفض الحكومة التحقيق، أو عندما لا تملك القدرة عليه.
هناك فروق بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية: فمحكمة العدل الدولية لا تملك سلطة قضائية جنائية يمكنها بواسطتها مقاضاة الأفراد. لأنها محكمة مدنية مهمتها الأساسية حل النزاعات بين الدول. وهي الجهاز القضائي الرئيسي في الأمم المتحدة بينما تعمل المحكمة الجنائية الدولية بشكل مستقل عن الأمم المتحدة.
ويمكن لمجلس الأمن إحالة قضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية بغض النظر عما إذا كانت الدولة المعنية عضواً من أعضاء الدول الموقعة على تشريع روما، أم لم تكن. وتشمل سلطة المحكمة الجنائية الدولية جرائم القتل الجماعي, والجرائم بحق الإنسانية، وجرائم الحرب. وتستطيع مقاضاة الأعمال الإرهابية إذا كانت تدخل ضمن هذه الجرائم. ويتوجب على الدول القيام بواجباتها في وجه الإرهاب وإحضار المتهمين به إلى العدالة( ).

ثالثاً: الولايات المتحدة الأميركية توقِّع ثم تلغي توقيعها على المعاهدة، والكيان الصهيوني يرفض التوقيع عليها
وقَّع الرئيس الأميركي بيل كلينتون على معاهدة «المحكمة الجنائية الدولية»، بتاريخ 31 كانون الأول / ديسمبر من العام 2000، لكنه لم يقدمها لمجلس الشيوخ للتصديق عليها. إلاَّ أن لتوقيعه أهداف لا تمت بصلة إلى فرض العدالة الدولية، بل هي أهداف لم يخفها، وعبَّر عنها، في 31/ 12/ 2000، قائلاً: «إن التوقيع الأميركي يسمح البقاء في (اللعبة) للتأثير على طريقة عمل المحكمة المقبلة، وإن هذا لا يعني التخلي عن تحفظات واشنطن». فأهداف الولايات المتحدة الأميركية هي المحافظة على القيادة المعنوية للعالم( ).
حاولت الولايات المتحدة الأميركية أن تخفف من أضرار «المحكمة الجنائية الدولية» على رعاياها، وعندما وجدت أن التعديلات لن تمنع محاكمة قادتها أمام المحكمة، أعلنت انسحابها من معاهدة تشكيلها، وأبلغت الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بأن واشنطن لن تعتبر نفسها ملزمة بالمعاهدة، ثم استصدرت، من المنظمة الدولية، قرارًا باستثناء ملاحقة جنودها بواسطة هذه المحكمة لمدة عام، وجدد في العام من يوليو 2003 إلى يوليه 2004. كما برر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الانسحاب في ذلك الحين بادعاء أن المحكمة «ستقلل من شأن السلطات القضائية الأمريكية وسيكون بمقدورها مراجعة الأحكام التي تصدرها المحاكم الأمريكية ضد أشخاص مثلوا أمامها»، معتبرًا أن ذلك يضر بالقوات والدبلوماسيين والقادة السياسيين الأمريكان( ).
ولذلك، عندما أنشئت محكمة الجرائم الدولية، رفض الأمريكيون الاعتراف بسلطتها بدعوى أن منح سلطة لمحكمة دولية لا يضمن أن القرارات في القضايا الدولية ستتخذ من قبل قضاة مستقلين عن التأثير السياسي، مما قد يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة( ). وهددت واشنطن باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار تجديد مجلس الأمن الدولي لعمل قوات حفظ السلام بالبوسنة إذا لم يتم استثناء قواتها العاملة في مهمات حفظ السلام والمسؤولين الأميركيين من سلطة المحكمة الدولية( ).
واستنكرت منظمات لحقوق الإنسان منع المحكمة الجنائية الدولية من ملاحقة المواطنين الأميركيين. وقالت ايفون تيرلنغن من منظمة العفو الدولية إن إعفاءهم غير مقبول أبداً، ويجب استبعاده من كل قرارات مجلس الأمن. فالإعفاء يخلق معايير مزدوجة للعدالة ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية روما والقوانين الدولية الأخرى. ومن جانبها قالت هيذر هاملتون، نائب رئيس «منظمة مواطنون من أجل حقوق عالمية» إن الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة تقييم سياستها نحو المحكمة الجنائية الدولية لضمان إعطاء الحياة الإنسانية أولوية على الاعتراضات السياسية. وانتقدت منظمة هيومان رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، الإعفاء الذي يمنع المحكمة الجنائية الدولية من ملاحقة المواطنين الأمريكيين والرعايا الأجانب في السودان الذين ينتمون إلى دول لا تعد طرفاً في المحكمة( ).

والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة يمتنع عن توقيع المعاهدة:
قال المستشار القانوني لحكومة العدو الصهيوني، إلياكيم روبنشتاين، «إن إسرائيل لا يمكنها التصديق على المعاهدة التي أقيمت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية بسبب إمكانية (تسييس) هذه المحكمة». وعبَّر عن خشيته من ملاحقة الدولة العبرية بتهمة ارتكاب «جريمة حرب» بسبب استمرار سياسة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. كما أن «السلطات «الإسرائيلية» تخشى أن يتم اعتقال ضباط ومسوؤلين في أجهزة الأمن، أو مسؤولين سياسيين «إسرائيليين» وملاحقتهم في الخارج بأمر من هذه المحكمة»( ).

رابعاً: جريمة الحرب نهج إيديولوجي قبل أن تكون مسؤولية فردية
1-الجريمة نهج لرأس الهرم السياسي:
لما تسلَّم بوش الإبن الرئاسة ألغى التوقيع على المعاهدة. وأعلن المبعوث الأمريكي الخاص بجرائم الحرب، بيير ريتشارد بروسبر: «إن الولايات المتحدة لا تعتزم أن تصبح عضواً في معاهدة المحكمة الجنائية الدولية، وعلى هذا فلا يوجد أي التزامات قانونية لها ناتجة عن توقيعها في 31 ديسمبر في العام 2000». وسبب الإلغاء يعود إلى أن إدارة بوش تعتبر المعاهدة «وثيقة معيبة. وهذا إخطار رسمي بأننا لا نريد أن تكون لنا أية صلة بها».
وتقول إدارة بوش إن المحكمة يمكن أن تثير الفوضى للولايات المتحدة وتعرض الجنود والمسئولين الأمريكيين لمحاكمات ناتجة عن دعاوى تستند إلى أهواء ونوايا شريرة. بحيث فسَّر وزير الخارجية الأميركية، في الولاية الأولى لجورج بوش، في برنامج (ذيس ويك) على شبكة (إيه.بى.سى. إن)، قائلاً: « إن الولايات المتحدة وجدت أن المعاهدة ليست مناسبة لرجالنا ونسائنا في القوات المسلحة أو دبلوماسيينا أو قادتنا السياسيين»( ).
وإذا كانت الأهداف واضحة من وراء إلغاء إدارة بوش الإبن للتوقيع على المعاهدة، إضافة إلى تصريحات بعض المسؤولين فيها، إلاَّ أننا للمزيد من الإضاءة على الأسباب والأهداف، نضيف أن الدول العظمى تبعث الحياة في محاكمة «مجرمي الحرب» عندما تقتضي مصالحها ذلك، وتلغيها عندما تتعارض مع تلك المصالح. ولهذا السبب شكَّلت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية محكمتين دوليتين لمحاكمة ما يسمي بـ (مجرمي الحرب) في نورمبرغ والشرق الأقصى، لتكريس هيمنة القوى الغاشمة التي تريد استثمار مكتسبات الحرب الثانية ونتائجها لتمرير أهدافها والانتقام من القوى المضادة المنهزمة بالحرب، وتحديداً اليابان وألمانيا، متناسية ومتغافلة عمداً ما ارتكبه الحلفاء أنفسهم من جرائم ضد البشرية وضد القانون الدولي أبان الحرب الثانية، وبخاصة جرائم إلقاء القنبلة الذرية على الأبرياء في هيروشيما وناغازاكي وإبادة أسرى الحرب الألمان وقصف المدن الألمانية الآهلة والمكتظَّة بالسكان أبان الحرب. ولهذا نرى أن «الولايات المتحدة مازالت تصر على استصدار قرار لحماية قادتها وجنودها من الإحالة (كمجرمي حرب) أمام المحكمة الجنائية الدولية لأنها تعرف مسبقاً أنهم مجرمون وأدلة إدانتهم متوفرة»( ).
وتشير أصابع الاتهام طبقا للوثائق، التي حصل عليها الاتحاد، إلى الرئيس بوش كونه أصدر أمراً تنفيذياً أجاز فيه اللجوء إلى أساليب معينة غير إنسانية في استجواب المعتقلين العراقيين. ويقول أنثوني روميرو المدير التنفيذي لاتحاد الحريات المدنية إن الوثائق الجديدة تعني أن مسؤولين كباراً لن يكون بإمكانهم بعد الآن أن يتواروا من المسؤولية ومن تساؤلات الرأي العام بإلقاء اللائمة على جنود من ذوي الرتب الصغيرة( ).
وعلى الرغم من تعنتها حول حماية جنودها من ملاحقات «المحكمة الجنائية الدولية» فقد سخَّرت مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار، بتاريخ 30 حزيران/ يونيو من العام 2002م، يعفي جنودها من تلك الملاحقات، وذلك بمنحهم حصانة لمدة سنتين. وقبل انتهائها في 30/ 6/ 2004م، وقبل مناقشة طلب تجديد الحصانة في مجلس الأمن، سُرِّبت فضائح التعذيب في سجن أبو غريب في العراق، السبب الذي أجبر الإدارة الأميركية إلى سحب مشروع قرار تمديد الحصانة لعام آخر، خوفاً من رفض المجلس الذي كان يعيش تحت وطأة الرهبة مما حدث من فضائح( ).
وتصف منظمة (هيومن رايتس وتش) انعكاسات خرق الولايات المتحدة الأميركية لحقوق الإنسان على إمكانية تشجيع دول العالم الأخرى على خرقها، قائلة: «إنه عندما تنتهك دولة كالولايات المتحدة حقوق الإنسان علناً، فهي تدعو غيرها لذلك، وإن اعتداءاتها أضعفت قدرة العالم على حماية هذه الحقوق... فأمريكا لا يمكنها الدفاع عن مبادئ تخرقها بنفسها»( ).
2-رأس الهرم في وزارة العدل الأميركية:
لعلَّ ما ورد على لسان رئيس المحكمة الأميركية المكلَّفة بالنظر في قضية معتقلي (غوانتامو) يعطي دليلاً واضحاً على الرفض الأميركي للقوانين الدولية. وهو إن دلَّ على شيء، وهي الدلالة الأخطر، فهو يدل على أن القضاء الأميركي، كمؤسسة للعدالة، يتجاوز القوانين الدولية، ويضرب بها عرض الحائط. وعن ذلك أجاب رئيس المحكمة المذكورة عندما طالب أحد المعتقلين بحقه في الكلام والدفاع عن نفسه: «أنا لا أهتم بالقانون الدولي، ولا أريد أن أسمع عبارة القانون الدولي ثانية،نحن هنا لا نكترث به»( ).
تؤيد وثائق نشرها البيت الأبيض في 22/ 6/ 2004م، ما ذهب إليه رئيس المحكمة. وفيها جاء قول جورج بوش: «أقبل استنتاج وزير العدل والوزارة بأنني أملك وفقاً للدستور الحق في عدم الالتزام باتفاقيات جنيف في أفغانستان». فكان كلامه مستنداً إلى ما جاء في مذكرة صدرت عن وزارة العدل الأميركية في العام 2002م: «إن أوامر الرئيس الأمريكي وفقاً للدستور تتقدم على القوانين والمعاهدات الدولية المناهضة للتعذيب»( ).
ليس تعيين مدع عام لدولة كبرى، كمثل الولايات المتحدة الأميركية، يعمل من أجل تبرير جرائم التعذيب في سجون العراق وأفغانستان وغوانتانامو، هو من صلاحية أفراد الشرطة، أو حتى من الضباط الكبار، بل هو من صنع الإدارة كلها بالتكافل والتضامن. فبعد نجاح ألبرتو جونزاليز (49 عاماً)، المدعي العام الأميركي، في مهمة استنباط الخدع القانونية، رشَّحه جورج بوش لفترة ثانية في منصبه. ومن أهم إبداعاته القانونية كان تورطه في صياغة السياسات المسئولة عن تفشي إساءة معاملة الأسرى سواءٌ أكان بسجن أبو غريب بالعراق أو في قاعدة جوانتنامو بكوبا أو في أفغانستان. وبوصفه مستشاراً للبيت الأبيض، منذ العام 2001، كان مسئولاً عن تسهيل مهمة المحققين في الجيش الأميركي والمخابرات المركزية الأميركية المتعلقة بالحصول على معلومات من المساجين. ومن خدعه القانونية أنه قال: «إن نشطاء القاعدة لا يقعون تحت حماية معاهدة جنيف». وهو المسؤول عن تمرير مذكرة التعذيب التي سُمِّيَت باسم مذكرة بيبي نسبة لجاي بيبي الذي رأس مكتب المستشار القانوني لوزارة العدل، التي جرى تمريرها في آب/أغسطس من عام 2002. وبموجبها فإن ما يعرف بأنه تعذيب ينبغي أن يندرج تحت تصنيف أفعال «ذات طبيعة شديدة التطرف». وهي «أفعال معينة ربما تكون قاسية أو غير إنسانية ... لكنها مع ذلك لم ينتج عنها ألم أو معاناة شديدة». فالتعذيب يتضمن «ألماً جسدياً يضاهي الألم الذي ينتج عن إصابة خطيرة أو تعطل عمل أحد أعضاء الجسد أو الموت». وتختتم المذكرة بالنتيجة التالية: «نخلص إلى أن هناك أساليب فنية متنوعة ... لا يمكن باستخدامها الوصول إلى مستوى التعذيب»، خاصة في «الحرب الحالية ضد تنظيم القاعدة وحلفائها»( ).
3-رأس الهرم في وزارة الدفاع وقاعدتها:
وخلافاً لكل الادعاءات التي روَّجت لها وسائل إعلام الإدارة الأميركية، التي حمَّلت الأفراد مسؤولية جرائم التعذيب في المعتقلات الأميركية في العراق، فقد أثبتت الوثائق الأميركية المنشورة أن الإدارة تتحمَّل تلك المسؤولية. فالوثائق تشير، بشكل واضح، إلى مسؤولية دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي، حيث إنه المرجعية المخوَّلة بتحديد وسائل التحقيق، ومن ضمنها أنواع وسائل التعذيب المسموح للمحققين بأن يستخدموها( ). وعن ذلك اعترف أحد ضباط المخابرات المركزية الأميركية بأن الإدارة، بما فيها رئيسها جورج بوش، يتحملون المسؤولية عن جرائم التعذيب التي يمارسها المحققون في المعتقلات( ).
وأقام عدد من المحامين الأميركيين دعوى ضد دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي، وجورج تينيت مدير الاستخبارات الأمريكية السابق والجنرال ريكاردو سانشيز(*) القائد السابق للقوات الأمريكية في العراق. ولأن محاكمة مجرمي الحرب ممنوعة في أميركا للأسباب التي أشرنا إليها أعلاه، رفع المحامون دعوتهم في ألمانيا قائلين إنهم اختاروا ذلك البلد لأن به تشريع يسمح بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان من خارجها( ).
واتَّهم «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية» الجنرال سانشيز، قائد القوات الأميركية السابق، بناء على تقريره، بتاريخ 14 أيلول/ سبتمبر 2003، كان قد وقَّعه الأخير سمح باستخدام 29 تقنية استجواب «منها 12 تتجاوز بشكل كبير الحدود الواردة في دليل الجيش للعمل الميداني»، وتنتهك بوضوح اتفاقيات جنيف التي توفر الحماية لأسرى الحرب. و يسمح خصوصاً باستخدام كلاب عسكرية لبث الذعر لدى المعتقلين عبر «استغلال خوف العربي من الكلاب» والعزل وتسليط الضوء الساطع والموسيقى الصاخبة وجعل المعتقلين يتخذون وضعيات مؤلمة. كما تقدم الاتحاد المذكور بشكوى ضد الجنرال سانشيز مؤكداً أنه يتحمل مسؤولية مباشرة في عمليات التعذيب وسوء المعاملة التي ارتكبها عسكريون أميركيون ضد معتقلين عراقيين في سجن أبو غريب( ).
وقال أمريت سينج المحامي باتحاد الحريات المدنية في تصريح للاتحاد: «خُوِّل الجنرال سانشيز بأساليب للاستجواب تنتهك بشكل واضح معاهدات جنيف ومعايير الجيش نفسه». وأضاف: «يتعين أن يتحمل هو وغيره من المسؤولين الكبار المسؤولية عن الانتهاكات الواسعة للمحتجزين»( ).
كما قدَّم الاتحاد نفسه دعوى قضائية، أمام المحكمة الفدرالية في ولاية إيلينوي، بحق وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة في قضية تعذيب المعتقلين في أفغانستان والعراق، وفشله في اتخاذ أي تدابير لوقفها بعد أن تداولتها وسائل الإعلام في العام 2004. ويقول المدعون إن رامسفيلد خالف التعديلين الخامس والثامن من الدستور الأمريكي وجملة من الاتفاقيات الدولية التي تحرّم التعذيب والمعاملة القاسية للسجناء. وأضاف المدعون أن رامسفيلد شخصياً وافق على استخدام تقنيات جديدة قاسية لاستجواب المعتقلين في أفغانستان وفي معتقل غوانتنامو في كانون الأول (ديسمبر) 2002. وكان الجيش الأمريكي قبل ذلك التاريخ ممنوعاً عليه بشكل صارم استعمال التعذيب أو غيره من وسائل الإهانات الإنسانية. والتقنيات التي وافق عليها رامسفيلد والتي جاءت في الدعوي المقامة ضده مشابهة لتلك التي انتقدها بيان الخارجية الأمريكية عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها حكومات مختلفة حول العالم التي وردت في التقرير الذي أصدرته الخارجية قبل عدة أيام من إقامة الدعوى ضده( ).
وتدليلاً على تحميل المسؤولية للنهج الذي اختطته الإدارة الأميركية في التشجيع على جرائم الحرب وحماية مرتكبيها، قدَّم وزير الدفاع الأميركي استقالته، ولكن رئيسه، جورج بوش، رفضها حماية له( ). وادَّعى بأن ما حصل في سجن أبو غريب كانت «تصرفات فردية». وهو السبب الذي دفع بإحدى منظمات حقوق الإنسان في أميركا إلى تكذيبه ودحض ادَّعاءاته. وقد جاء في تقرير لمنظمة (هيومان رايتس وتش) أن «التعذيب والإساءة اللذين تعرض لهما أسرى عراقيون بسجن أبو غريب على أيدي جنود أمريكيين مورسا بناء على قرار بالتحايل على القانون الدولي... وكانت إفرازاً لسياسة ترمي إلى الضرب باتفاقيات جنيف عرض الحائط»( ).
والدلائل الأخرى حول تحميل القيادات العليا مسؤولية الجريمة تتمثَّل بنصوص إدارية تحويها لوائح التعليمات التي يستند إليها مديرو السجون. أي بما له علاقة بـ«الاستجواب الاستراتيجي للمحتجزين والمعتقلين في العراق». وحول ذلك صرَّح الميجور جنرال جيفري ميلر: «إن وسائل حرمان السجناء من حواسهم لن تستخدم إلا بعد تصديق جنرال من القوات العراقية عليها». وركَّز تقرير، أعدَّه الميجور جنرال انطونيو تاجوبا بشأن الانتهاكات في سجن أبو غريب، على ثلاثة محاور هي «التكامل» و«التزامن» و«الاندماج» بين أجهزة المخابرات وعمليات الاستجواب وعمليات الاحتجاز، على أن تكون عمليات الاحتجاز «عاملاً مساعداً في عملية الاستجواب». وتعني أنه يتعين على الضباط إعداد السجناء للاستجواب بإخضاعهم لأساليب تحطيم المعنويات. وللحراس دور في الإعداد، نصَّ عليه التقرير ذاكراً أنه «من الضروري أن تنخرط قوة الحراسة في توفير ظروف تضمن نجاح عملية استغلال المعتقلين»( ).
وتؤكد بعض المعلومات على أن ما جري في أبو غريب لم يكن من فعل حفنة من الجنود غير المنضبطين، ولكن كان سياسة واسعة، ولعل الإطاحة بريكاردو سانشيز، أكبر جنرال أمريكي في العراق محاولة لطي الملف( ). وبالفعل صدر تقرير عن البنتاغون، بتاريخ 24/ 4/ 2005م، تمت فيه تبرئة جميع القيادات العسكرية وكبار الضباط من القيام بأخطاء أو المسؤولية عن قضايا التعذيب للمعتقلين في العراق وأماكن أخرى. ولم يحمل تقرير البنتاجون الجنرال ريكاردو سانشيز و4 قيادات غيره أي مسؤولية( ).
وانتقد الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، الأدميرال ستانفيلد تيرنر، سوء معاملة السجناء في العراق، مشيراً إلى أن الانتهاكات تعكس سياسة الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة جورج بوش وهي تجاهل معاملة الآخرين بشكل لائق( ).
وجه الجيش الأمريكي توبيخاً لستة من كبار الضباط وضباط الصف فيما يتعلق بانتهاك حقوق السجناء في سجن أبو غريب خارج بغداد( ).
وتتكرر الشهادات لتثبت أن ما يجري في السجون الأميركية ليست أعمالاً فردية، بل هي نهج تأمر به أعلى القيادات في البيت الأبيض. ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن الجندية سابرينا هارمان(*)، من العسكريين الأميركيين المتهمين بالإساءة للأسرى العراقيين صرحت أنها تصرفت بهذه الطريقة بأوامر مباشرة من الاستخبارات العسكرية التي تريد زعزعة معنويات المعتقلين قبل استجوابهم. ولما ندبت للعمل في سجن أبو غريب قالت إنها كلفت بكسر معنوياتهم قبل استجوابهم. و«إن مهمتها كانت تحويل السجن لجحيم» بالنسبة لهم كي يتكلموا. وأوضحت أن «مهمة الشرطة العسكرية كانت الإبقاء عليهم متيقظين وجعل حياتهم لا تطاق ليدلوا باعترافاتهم». وأكدت أن وحدة الشرطة العسكرية كانت تتلقى أوامرها من ضباط الاستخبارات العسكرية الذين يديرون السجن ومن المدنيين الذين يجرون عمليات التحقيق( ).
وتظهر الشهادات واضحة في أثناء محاكمة الجندي الأمريكي تشارلز جرينر المتهم بتزعم تعذيب سجناء معتقل أبو غريب العراقي، وهو الذي ظهر بشكل متكرر في الصور التي نُشرت حول القضية. وقد نفى مسئوليته الفردية، وقال إنه «كان فقط ينفذ أوامر تلقاها من قادته في معاملته للسجناء»، وأيَّده ضابط الاستخبارات روجر بروكاو، شاهداً: «إنه تم ممارسة أساليب تعذيب جسدية على المسجونين من أجل الحصول على معلومات، بعد ضغوط من مسؤولين بارزين»( ). وأيدَّه محاميه مدافعاً: « إن الجنود كانوا يواجهون ضغوطاً لاستخدام العنف الجسدي من أجل تجهيز المعتقلين لجلسات الاستجواب. وقد وصف العريف جرانر وزميليه الآخرين بأنهم كانوا كباش فداء قُدمت للمحاكمة لحماية ضباط كبار بالجيش الأمريكي». بينما راحت الإدارة تأتي بشهود، ربما جنَّدتهم، لحصر جريمة التعذيب بالأفراد. فأصدرت المحكمة حكماً حصرت المسؤولية بالمتهم. وكان حكماً لحماية كبار الضباط في جيش الاحتلال، والمسؤولين السياسيين في الإدارة الأميركية( ).
4-الجريمة وظيفة من أهم وظائف المخابرات المركزية الأميركية:
وهل السجون السرية التي تديرها المخابرات الأميركية المركزية (سي آي إيه) هي قرارات فردية لحراس أو حتى لضباط كبار؟
أكدت مصادر صحفية أمريكية, أنه لم يتم بعد مواجهة أخطر انتهاكات ترتكبها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش ضد حقوق الإنسان وأكثرها منهجية, التي ارتكبت، ولا تزال، داخل ما وصفتها بشبكة المعتقلات العالمية السرية التي تديرها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. فهي تحتجز في أفغانستان، وفى غيرها في كثير من الدول، العشرات من المعتقلين دون إخضاعهم لأي عملية قانونية, ودون علم أسرهم أو حتى مراقبة الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان الأخرى( ).
ليست وسائل «الإذلال الجنسي» أفعالاً فردية منعزلة خلال فترة تبديل النوبة الليلية. بل هي أمر مركزي يستند إلى دراسات نفسية اجتماعية ترشد ضباط المخابرات لوضع قواعد للتحقيق تسهِّل تطويع المعتقل للتجاوب مع المحقق والاعتراف أمامه. أما الأسس النفسية الاجتماعية فتعود إلى أن التعري يعتبر ممارسة مخزية تماماً في الثقافة الإسلامية، وانتهاكاً للمبادئ الدينية. وكانت كراسات التدريب للمخابرات المركزية من الستينيات حتى الثمانينيات تُعلِّم تعرية السجناء كوسيلة في التحقيق. كما كانت هناك تقارير عن التعري والإذلال الجنسي في سجون أميركية حيث كان يعمل بعض من حراس سجن أبو غريب. وظهرت شكاوى حول الإذلال الجنسي في أفغانستان أيضا. فقد قال سبعة من الرجال السجناء في مركز الاعتقال الرئيسي في باغرام، حيث يجري التحقيق في موت اثنين من السجناء واتهامات بممارسة انتهاكات، قالوا في مقابلات أجريت معهم إنه خلال فترات مختلفة من ديسمبر 2002 إلى أبريل 2004 أخضعوا إلى فحص أعضائهم التناسلية وأرغموا على تغيير ملابسهم والاستحمام أمام مجندات( ).
كما أن وضع الشرطة العسكرية الأميركية، المكلَّفة بحراسة السجون، تحت سيطرة المخابرات العسكرية، ليست أعمالاً فردية. بل هي مسؤولية القيادات العليا. ولهذا صرَّحت النائبة الجمهورية (هيثر ويسلون) في جلسة الاستماع، التي جرت في مجلسي الشيوخ والنواب، أنها تعتقد أن وضع الشرطة العسكرية تحت سيطرة المخابرات العسكرية يتعارض مع نظم الجيش( ).
وقد ألقت جانيس كاربينسكي، القائدة السابقة لسجن أبو غريب، اللوم على جيفري ميلر الضابط الأعلى في إجبار السجناء على تشكيل شكل هرمي بأجسادهم، ووضع أطواق كلاب حول رقابهم. إن الجنرال ميلر أعطاهم الأفكار وأعطاهم التعليمات بشأن التقنيات التي تستخدم. وأجابت على سؤال: «أقول لك بثقة أن الشرطة العسكرية لم تصمم تلك الأساليب وأنها لم تذهب إلى أبو غريب أو إلى العراق بأطواق كلاب»( ). ولكن هل تُعفى جانيس كاربنسكي من المسؤولية؟
إن من واجبات أي قائد معسكر للأسرى واجب أن يعرف حدود مسؤولياته، ومنها تعريف الأسرى بحقوقهم، ومنها نصوص اتفاقية جنيف الثالثة. فمن واجبات كاربنيسكي، كقائدة لمعسكر أسرى حرب، أن تعرف نصوص الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بمهمتها. وتأتي اتفاقية جنيف الثالثة من أهم تلك الاتفاقيات. فهي تنص في المــادة (39) على ما يلي: «يوضع كل معسكر لأسرى الحرب تحت السلطة المباشرة لضابط مسئول يتبع القوات المسلحة النظامية للدولة الحاجزة. ويحتفظ هذا الضابط بنسخة من هذه الاتفاقية، وعليه أن يتأكد من أن أحكامها معروفة لموظفي المعسكر والحراس، ويكون مسئولاً عن تطبيقها تحت إشراف حكومته». وعليها أن تُعرِّف الأسرى على حقوقهم كما تنص المــادة (41) على ما يلي: «يعلن في كل معسكر نص هذه الاتفاقية وملاحقها وأي اتفاق خاص مما تنص عليه المادة 6، بلغة أسرى الحرب، في أماكن يمكن فيها لجميع الأسرى الرجوع إليها. وتسلم نسخ منها للأسرى الذين لا يستطيعون الوصول إلى النسخة المعلنة، بناءً على طلبهم.
تبلغ جميع أنواع اللوائح والأوامر والإعلانات والنشرات المتعلقة بسلوك أسرى الحرب بلغة يفهمونها، وتسلم نسخ منها لمندوب الأسرى. وكل أمر أو طلب يوجه بصورة فردية لأسرى الحرب يجب كذلك أن يصدر إليهم بلغة يفهمونها».
وتأتي شهادة المكلفين مباشرة بالتحقيق والتعذيب لتحمِّل الإدارات العليا مسؤولية ارتكاب الجرائم التي حصلت في سجن أبو غريب. وتحديداً وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.اي.ايه) التي أشرفت أحيانا على الانتهاكات( ).
5-تلزيم الشركات الخاصة مهمة تنظيم الجرائم وارتكابها:
ولا يفوتنا، هنا، أن نذكر دور الشركات الأمنية الخاصة التي تعاقدت مع البنتاغون للمشاركة في التحقيق والاعتقال. ولأن التقارير الرسمية الأميركية تشير إلى تورط بعض موظفي الشركات الأمنية الخاصة في التعذيب، لا يسعنا إلاَّ أن نضيف دليلاً آخر لتورط القيادات العليا في ارتكاب جرائم لا علاقة لها بالتصرفات الفردية. لأنه ليس من صلاحيات عناصر الشرطة العسكرية، أو حتى قياداتها، بالتعاقد مع تلك الشركات. وحول دورها أشارت تقارير إلى تورط بعض الموظفين الأمنيين المتعاقدين من شركة سي أي سي آي انترنشونال انك من ارلينغتون في فيرجينيا في هذه الممارسات وسوء إدارة التحقيقات. وتتولى الشركات الخاصة معظم الوظائف الأمنية للجيش الأمريكي في العراق، ومن ضمنها العديد من العمليات الأمنية والاستخباراتية( ).
إن استقدام محققين متعددي الجنسية، لم يكن قراراً أو تصرفاً فردياًً. بل يتحمل مسؤوليتها أعلى رأس سياسي في الإدارة الأميركية. «إنه كان معروفًا أن هناك محققين غامضين لا يستطيع أحد الوصول إلى حقيقتهم ومنهم من يحمل أكثر من جواز سفر»( ).
إن المتهمين بعمليات التعذيب لا ينتمي معظمهم إلى الجيش النظامي الأمريكي، بل هم عناصر مرتزقة ينتمون إلى ما يعرف بـ(شركات الأمن الخاصة) التي من ضمن مهامها انتزاع الاعترافات والمعلومات من المعتقلين بوسائل تعذيب مختلفة لصالح قوات الاحتلال. ونلاحظ في كل أحاديث مسؤولي الإدارة الأميركية أنهم لم يلمحوا مطلقاً للدور الذي لعبه المرتزقة التابعون لشركات الأمن الخاصة الأمريكية في هذه القضية، لأنها لا تريد أن تكشف للعلن موقعها المتنامي أمنياً وعسكرياً في مختلف المجالات إلى جانب تشكيلات الجيش الأمريكي النظامية.
ولا يشكل تعاون الشركات الأمنية الخاصة، التي تستخدم المرتزقة المسلحين المأجورين، مع القوات النظامية أمراً جديداً بالنسبة للإدارة الأمريكية، فقد بدأ هذا التعاون منذ حرب فيتنام في الستينيات، لا سيما من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وذلك ضمن برنامج سري عرف باسم (العمليات السوداء). وكان المرتزقة يرسلون لتنفيذ عمليات اغتيال وتخريب ضد مواقع معادية لا تريد واشنطن التورط فيها بشكل مباشر، فهي لم تعترف بأي من المرتزقة ممن اعتقلوا أو قتلوا في تلك العمليات. وتعتبر الولايات المتحدة وبريطانيا وجنوب أفريقيا مراكز عالمية لتلك الشركات التي تنفذ سياسة (خصخصة الحروب)، والتي يرجع ازدهارها إلى النظام العالمي الجديد الذي أرسى دعائمه الرئيس الأمريكي بوش (الأب) في أوائل التسعينيات.
نتج استخدام المرتزقة عن خفض حجم الجيوش النظامية في الولايات المتحدة وغيرها وتخفيض ميزانياتها العسكرية، ومن تفاقم حجم الفراغ في الأمن الدولي مع ظهور المنظمات الإرهابية وعصابات المافيا على مستوى العالم. ولقد كان هذا الفراغ فرصة سانحة لشركات الخدمات العسكرية لكي تملأه، فقد بدأت بتجنيد جنود وعملاء وقوات خاصة من بين ملايين الجنود الذين أصبحوا عاطلين عن العمل بعد تقليص الجيوش النظامية، كما قامت بتجنيد جواسيس سابقين من جنسيات مختلفة، شملت بالإضافة للعناصر الغربية، عناصر من البلقان ونيبال وجنوب أفريقيا، ومن الشركس، ومن وكالة المخابرات السوفيتية السابقة (كي. جي. بي). وكان رائد عمليات خصخصة الحروب، وداعيها وراعيها في الولايات المتحدة، دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي، وكذلك نائب الرئيس ديك تشيني، ففي ظلهما وتحت رعايتهما جرى التوسع في بناء وتطوير شركات الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة، ففي منتصف العام 1992 أثناء إدارة بوش الأب، تم تكليف شركة Services Root Brown بوضع خطة لتنفيذ خصخصة الخدمات العسكرية في مناطق الحرب، وحصلت على خمسة ملايين دولار أخرى لتحديث خطة الخصخصة، وتعتبر هذه الشركة إحدى الشركات الفرعية التابعة للشركة الأم الكبرى هاليبورتون Halliburton التي كان يرأسها ديك تشيني منذ العام 1994.
وكانت شركة Login Foreign رائدة في سد الفجوة بين احتياجات السياسة ومطالب تخفيض الجيش بما قدمته من متعهدين مرتزقة، فقد انتقل مئات من العسكريين المتقاعدين إلى العمل فيها. وطبقاً لمركز الإحصاء العام في الولايات المتحدة، أنفق البنتاجون 300 مليار دولار في تعاقدات بلغ عددها 3016 عقداً لشراء خدمات عسكرية من 12 شركة خاصة، وذلك خلال الفترة ما بين العامين 1994 و2002. (أكثر من ثلث ميزانية الجيش المخصصة لأفغانستان والعراق) تذهب إلى تلك الشركات.
مؤكداً أن استراتيجية «الصدمة والرعب» التي ترتكز على فكرة استخدام كم هائل من الأسلحة دقيقة التوجيه للقضاء على أهداف محددة وبارزة بشكل حاسم وسريع، تحتاج أيضاً القوات البرية من عناصر مقاتلة لتوفير الخدمات اللوجيستية والإمداد الإداري، وفرض السيطرة الأمنية على المناطق التي يتم الاستيلاء عليها. وتلك الخدمات تؤديها عناصر من شركات الخدمات العسكرية الخاصة.
والعراق هو مثال واحد بين خمسين دولة تعمل فيها هذه الجيوش الخاصة التي تنظمها وتديرها مئات من الشركات العاملة في مجال الخدمات العسكرية. وتعتبر الولايات المتحدة من أكبر الدول اعتماداً عليها، بعد أن قلصت إنفاقها العسكري إلى 30% مما كان أثناء فترة الحرب الباردة. وكانت هذه الشركات حتى بداية الحرب في العراق تعمل بحذر شديد، فيما كانت المعلومات عنها نادرة. ولكن مع بداية الحرب في العراق أخذ دورها يتضح ويتضخم شيئاً فشيئاً، لا سيما أنها تتقاضى مبالغ مالية هائلة، يؤكد المطلعون على كواليسها أنها قد تتعدى 100 مليار دولار سنوياً. وأنها أصبحت تشكل المساهم الثاني لقوات التحالف في العراق بعد القوات الأمريكية النظامية. وإن بريطانيا تحتفظ في العراق بحوالي 9900 جندي، بينما عناصر شركات الخدمات العسكرية الخاصة تفوقها عدداً. وأنه من بين 87 مليار دولار المخصصة في العام 2005 لتمويل الحملة العسكرية، التي تشمل العراق وأفغانستان وآسيا الوسطى، يُصرف ثلثها (حوالي 30 مليار دولار) تقريباً على عقود مع الشركات الخدمات العسكرية الخاصة.
يؤكد (بيتر سنجر) محلل الشئون الأمنية في معهد بروكنجز بواشنطن أن: «خصخصة الحرب، آخذ في النمو، وقد بلغ في حرب العراق أعلى نقطة له». ويقول: عندما شنت الولايات المتحدة حربها ضد العراق، كانت السفن الحربية في الخليج تحمل بجانب جنود البحرية الأمريكية عناصر من المدنيين تابعين لأربع شركات خاصة. ولدى أكبرها DynCorp عقود مع البنتاجون قيمتها أكثر من بليوني دولار لتدريب وحدات الشرطة، وكسبت عقداً آخر قيمته 505 ملايين دولار لمدة خمس سنوات لبناء قوة بوليس خاص في عراق ما بعد صدام حسين.
وفي بريطانيا أصبح الجدل حول الخصخصة العسكرية أمراً شائعاً وحساساً، منذ أحرجت شركات الخدمات العسكرية الخاصة الحكومة البريطانية في أواخر التسعينيات نتيجة أنشطتها غير المشروعة. ولقد ثبت أنه لا توجد دولة لديها سياسة واضحة المعالم لتنظيم عمل هذه الشركات والإشراف والسيطرة على ممارستها. وفي الولايات المتحدة غالباً ما يخفون ملاحظات هذه المراقبة، إلا إذا تعرض أحد موظفي هذه الشركات العاملة في المناطق الساخنة في العالم إلى الخطف أو القتل.
إن شركات الخدمات العسكرية الخاصة أصبحت مساعداً فاعلاً لأجهزة صنع السياسة الخارجية الأمريكية على نطاق واسع، لتجنب فحص وتدقيق من جانب الكونجرس، إلا أن الخطورة تتمثل في تسرب متعلقات الأمن القومي الأمريكي والدفاعي على أيدي متعهدي الشركات لجهات معادية لأميركا. فهي تشكل في جوهرها صفقات تجارية مزدهرة تتضمن أن يُستبدل بالجنود النظاميين مدنيون ذوو أجور عالية وأسلحة مؤجرة، لا تخضع لإجراءات المعايير القياسية العسكرية النظامية كلما كان ذلك ممكناً. وقد صار معلوماً أن آلاف المرتزقة العاملين في العراق وغيره من مناطق العالم يحظون بتغطية من البنتاجون الذي تعاقد معهم من خلال عشرات الشركات العاملة في مجال الارتزاق( ).

6-أدلجة الجريمة الأميركية تتعرض إلى انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان:
وحيث إن الأوامر بالتعذيب، كجريمة حرب، تؤكد دور القيادة العليا، والضباط الكبار، وصولاً إلى الحراس، منصوص عليها، يصبح حصر التهمة بالأفراد أمراً غير صحيح. لذا تتحمَّل المؤسسة السياسية العليا في الولايات المتحدة الأميركية، مجتمعة أو منفردة، مسؤولية كل خرق لحقوق الإنسان يرتكبه أي أميركي سواءٌ أكان واضعاً للتشريعات، أم آمراً بتطبيقها، أم منفِّذاً لمضامينها.
أكَّدت منظمة «هيومان رايتس وتش» أن الإساءة التي تعرض لها المعتقلون في سجن أبو غريب هي إفراز لسياسة أمريكية تتحايل على القوانين الدولية. وأوضحت أن «مظاهر الرعب» التي صورت في السجن كانت ترمي إلى الضرب باتفاقيات جنيف عرض الحائط. وقال ريد برودي أحد محاميها: «كان الفكر السائد هو أن أي شيء يمكن عمله». كما أن هذا القرار دفع الولايات المتحدة لتشييد سجون خارج البلاد تخرج عن حدود المعقول بما فيها معتقل جوانتانامو وإرسال المعتقلين إلى دول أخرى حيث تنتزع منهم المعلومات بالقوة. وإن الإدارة قررت تجاهل القوانين الأمريكية ذاتها وقوانين حقوق الإنسان وذلك من خلال ممارسة التعذيب والإذلال على المعتقلين للحصول منهم على معلومات( ).
إنه بحسب القوانين الدولية، كما قال فادي القاضي المسؤول في المنظمة الحقوقية «هيومن رايتس ووتش»: إن المسؤول يُحاسب عن أي جرائم يرتكبها آخرون تحت إمرته، ولا تجوز هنا حجة أو مبرر أنه كان لا يعلم، لذا فالمسؤولية عن التعذيب مسؤولية قيادية تتحملها القيادات، وبالتحديد وزير الحرب دونالد رامسفيلد ورئيس الاستخبارات الأسبق جورج تينيت والجنرال ريكاردو سانشيز والجنرال جيفري ميللر( ).
كما أشارت منظمة «هيومان رايتس» إلى أنه من الواضح أن القرارات والسياسة التي انتهجها رامسفيلد وغيره من المسؤولين الكبار شجعت عمليات التعذيب بحق المعتقلين في انتهاك فاضح لاتفاقية جنيف، وذكرت عدداً من العناصر التي تظهر أن هؤلاء المسئولين الكبار كانوا يعرفون أو كان يجدر بهم أن يعرفوا أن تلك الانتهاكات كانت تحصل ولم يتخذوا أي إجراء لمنعها( ).
في مقابلة صحفية نشرتها صحيفة (لفت هووك الأمريكية)، يقول نعوم شومسكي: «طبقاً لمبادئ محكمة نورمبرغ، التي أطلقتها الولايات المتحدة، لم يُحاكموا الجنود، ولم يحاكموا قادة الفصائل والسرايا العسكرية، أنهم حاكموا وأعدموا من كانوا في أعلى هرم القيادة. مثل وزير الخارجية الألماني الذي تم إعدامه. بسبب المشاركة في الجريمة الدولية الكبرى التي تشمل كافة الفظاعات التي تعقب الغزو»( ).

خامساً: التهمة جنائية بحق المجرم، وأخلاقية بحق محامي الدفاع، وإنسانية بحق الجهاز الطبي وتشريعات وزارة العدل الأميركية:
1-محامي الدفاع مشارك في أدلجة الجريمة:
إذا كان من واجبات الدفاع عن المتهم أن يُظهر كل الأسباب التي تثبت براءته، وهي واجبات مشروعة، فهل من العدالة أن يشرِّع محامي الدفاع التهم التي تتنافى مع الذوق والأخلاق والكرامة الإنسانية وشرائع حقوق الإنسان يبررها ويدافع عنها، على الرغم من أن المتهم اعترف بها، وهي مثبتة بحقه بالدليل غير المرتد، ويعتبرها إنسانية ومشروعة؟
تلك الإشكالية فرضتها وقائع محاكمة: تشارلز جرينر،المتهم بالإساءة للمعتقلين العراقيين، والمجندة ليندي إنجلاند، التي أنجبت طفلاً منه. والمستغرَب فيها أنه بينما الادعاء الأميركي اعتبر أن أفعالهما مشينة وتخضع لقانون العقوبات الأميركي، يبادر محامي الدفاع ليس إلى نفي أن تشكِّل تلك الأفعال جريمة فحسب، ولكن إلى اعتبارها «أداة مشروعة» أيضاً. فيصبح «الهرم البشري لمعتقلين عراة»، وجر معتقل آخر بـ«حبل مربوط حول عنقه»، أعمالاً مشروعة لمجرد أن الجنود التقطوا صوراً لبعضهم البعض، ولمجرد «أن أحداً منهم لم يفعل شيئاً يعتقد أنه خطأ». أو لمجرد أنه «تلقى المديح عن تنفيذه لها». وفي إشارة إلى الصور التي تظهر جرانر وهو يقف بجوار مجموعة من السجناء العراقيين العراة، وقد ألقوا فوق بعضهم البعض على شكل كومة، قال محاميه إن الأهرامات يمكن استخدامها بشكل مشروع «كأساليب للسيطرة». وقال إن القيود حول العنق «أداة مشروعة» في التعامل، ليس فقط مع السجناء، بل مع الأطفال أيضاً. وأضاف: «ربما أمكنكم رؤية أطفال مربوطين بالقيود في المطارات أو المجمعات التجارية»( ).
تلك مسألة تمس أخلاقية المهنة، وبها يتساوى كل من المجرم والمدافع عنه. فإذا كان المحامي عن حقوق الإنسان قد انحطَّ إلى مستوى تبرير الجرائم، ليس بتبيان ما يبرئ المتهم، بوسائل الدفاع المشروعة، بل بتشريع الجريمة ذاتها لإثبات براءة موكله؛ فهذا منهج جديد ومستغرب ومستهجن، وصلت إليه أطراف العدالة في الولايات المتحدة الأميركية.
وإذا كان تشريع محامي الدفاع للجريمة، واعتبارها حق من حقوق المجرم، من أجل إثبات براءة موكِّله. فإن الوجه الآخر للنهج الذي تتبعه الإدارة الأميركية هو العمل على تجريم الصغار وتحميلهم المسؤولية من أجل تبرئة الكبار منها.
وتشارك وزارة العدل الأميركية في تسويغ الجرائم من «مكتب التشريعات القانونية في وزارة العدل الأمريكية»، التي تنص على أن جميع الأساليب التي لا تسبب عجزاً دائماً أو تؤدي لاقتلاع أحد الأعضاء الجسدية مسموح بها( ).

2-وطبيب السجن مشارك في الجريمة:
هناك دلائل على أن الأطباء والممرضين والعاملين في المهن الصحية كانوا متواطئين في جريمة تعذيب السجناء، وغيرها من الأعمال غير الشرعية، في العراق وأفغانستان وغوانتنامو. وأنّ الموظفين الطبيين أخفقوا في إبلاغ السلطات الأعلى بالجروح التي حدثت بشكل واضح بسبب التعذيب، وبأنّهم أهملوا اتخاذ الخطوات لإيقاف التعذيب. بالإضافة إلى أنهم سلّموا سجلات السجناء الطبية إلى المستجوبين الذين استخدموها لاستغلال نقاط ضعف السجناء. ومع أن التدخّل الطبي، في تأخير وتزييف شهادات وفاة السجناء الذين قضوا أثناء التعذيب، أصبح واضحاً إلاَّ أنه لم يُعرف حجمه الحقيقي.
في 22 أيار نشرت النيويورك تايمز «أن معظم أدلة الانتهاكات في سجن أبو غريب جاءت من الوثائق الطبية». وأن تلك السجلات والبيانات «تبين أن الأطباء قدموا تقارير في منطقة السجن حيث حدث التعذيب بشأن خياطة الجروح، ومعالجة السجناء المنهارين أو زيارة المرضى الذين رضت أعضاؤهم التناسلية أو جرحت». وطبقا للصحيفة فإن الطبيبين اللذين أعطيا مضاد آلام إلى سجين خلع كتفه وأرسل إلى مستشفى خارجي أقرا بأنّ الجرح كان سببه تقيّيد ذراعيه من الخلف وتعليقه لفترة طويلة، ولكنهما لم يبلغا عن التعذيب. وقد رأت الممرضة، التي دعيت لمعالجة سجين من حالة رعب أصابته، عراقيين عراة مكومين في هرم إنساني ورؤوسهم مغطاة بالأكياس لكنها لم تبلغ عن ذلك إلا في تحقيق أجري بعد عدّة أشهر.
التقارير الأخرى تقول بأنّ شهادات وفيات السجناء بسبب التعذيب وسوء المعاملة لم تؤخّر فقط لكن لربما زيفت باعتبار أن سبب الوفيّات يرجع إلى مرض أوعية قلبية .
إن الاتفاقيات الطبية المختلفة، وبشكل خاص: إعلان الرابطة الطبية العالمية، في طوكيو في 1975، يمنع كلّ أشكال التواطؤ الطبي في التعذيب. علاوة على ذلك، فإن قَسَم أبقراط ينص على «سوف أستعمل العلاج لمساعدة المرضى طبقا لقدرتي وحكمي، لكن ليس بهدف التسبب بالإيذاء أو الضرر مطلقاً».
وبلا ريب كان الأطباء الأمريكان في أبو غريب وفي أماكن أخرى على وعي بمسئوليتهم الطبية لتوثيق الإصابات، وإثارة الأسئلة حول سبب الإصابات. لكن الأطباء والموظفين الطبيين كانوا جزءًا من تركيب القيادة الذي شجّع، ونظّم التعذيب أحياناً إلى درجة أن يكون التعذيب تقليداً عادياً في بيئة السجن .وبهذا يكون الأطباء قد وفروا مكوّناً طبياً نفسياً يضاف إلى «حالة الفظاعة في السجن». فحتى بدون مشاركة مباشرة في التعذيب اعتاد الأطباء بيئة التعذيب بل قد يكونون ساعدوا بخبراتهم الطبية على تحمّله.
وقد أثبتت دراسة تاريخية الموضوع أن الأطباء الأمريكان، قد يتعرضون إلى الضغوط المؤسساتية لانتهاك ضميرهم الطبي. وكانت أكثر الأمثلة المذكورة هي حالات أطباء السجون الذين أداروا، أو وجّهوا الآخرين في إعطاء الحقن القاتلة لتنفيذ عقوبة الموت، والأطباء العسكريون في فيتنام الذين ساعدوا الجنود على أن يصبحوا أقوياء بما فيه الكفاية لاستئناف مهامهم في الأوضاع التي تشجع على ارتكاب الفظاعات( ).
كتب البروفسور ستيفن مايلز، من جامعة مينسوتا، في دورية لانست الطبية، يقول إن بعض الأخصائيين الطبيين تواطأوا مع حراس السجن في ارتكاب انتهاكات. ودعا إلى فتح تحقيق في الدور الذي قامت به الطواقم الطبية في الانتهاكات. خاصة وأن ما يماثلها كان مطبقاً ضد السجناء في أفغانستان وفي جوانتانامو. وأضاف أن هناك أدلة على أن بعض الأخصائيين الطبيين شاركوا في الانتهاكات. وأوضح أن الوثائق الحكومية تظهر أن النظام الطبي العسكري الأمريكي فشل في حماية حقوق المعتقلين، وفي بعض الأحيان تواطأ مع المستجوبين أو الحراس المنتهكين لهذه الحقوق. وقال إنه في أحد الأمثلة قام جندي بربط معتقل بعد تعرضه للضرب، في أعلى باب الزنزانة وقام بسد فمه. وأضاف أن شهادة الوفاة أوضحت أنه مات لأسباب طبيعية خلال نومه، لكن بعد التغطية الإعلامية للحدث، قام البنتاجون بمراجعة الشهادة ليقول في النهاية إن وفاته كانت بسبب «القتل».
وقال مايلز إنه بالرغم من أن الخدمات الطبية بالقوات المسلحة الأمريكية تتشكل في الأساس من موظفين يتميزون بالإنسانية والمهارة، فإن هذه المخالفات لا تنتهك فقط المعايير الطبية، لكن بعضها يمثل أيضاً انتهاكاً خطيراً للقوانين الدولية والأمريكية( ).

سادساً: تزوير الوقائع وسيلة الإدارة الأميركية في حماية نفسها من جريمة الحرب؟

1-وسيلة تزوير النتائج في تقارير لجان التحقيق:
أظهر ما يُعرف بتقرير «الجنرال جورج فاي»، عن تحقيقات فضائح وانتهاكات معتقل أبو غريب، الذي لم يتم الإعلان عنه رسمياً، تورط الجنرال ريكاردو سانشيز، القائد الأمريكي السابق للقوات الأمريكية في العراق، بإصدار أوامر توافق على أساليب استجواب المعتقلين في أبو غريب تخرق بشكل واضح اتفاقية جنيف لمعاملة الأسرى. كما انتقد الجزء السري في التقرير الجنرال سانشيز الذي وافق على استخدام طرق تعذيب تعد انتهاكاً واضحاً وخرقاً لاتفاقية جنيف لمعاملة الأسرى والمعتقلين. وخلص إلى أن سانشيز والقوات الخاصة ومحققي وكالة الاستخبارات مسؤولون عما حدث. وأن سانشيز قام ثلاث مرات بإصدار أوامر خاصة بقواعد استجواب المعتقلين( ).
ولما كانت نتائج تقرير «الجنرال جورج فاي» تدين القيادات العليا في الإدارة، ومن أجل تأمين حماية استراتيجية لهؤلاء، كلَّف رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي، في أيار / مايو 2005م، لجنة، برئاسة وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس شليزينجر، للنظر في الانتهاكات التي وقعت في السجن ما بين أكتوبر/ تشرين أول وديسمبر/ كانون أول 2003. وكأن الغرض منها رفع المسؤولية العامة عن الإدارة. لذا جاء في تقريرها: «لم تكن الانتهاكات مجرد إخفاق من جانب بعض الأفراد في اتباع معايير معروفة، وهي تتجاوز مجرد إخفاق قلة من القادة في تطبيق الانضباط السليم... ثمة مسؤولية مؤسسية وشخصية على مستويات أعلى». ويتلطى التقرير تحت نتائج الإدانة العامة ليس ليبرئ وزير الدفاع من المسؤولية فحسب، بل ليمتدحه أيضاَ. وليعتبر أن استقالته «مكافأة تفيد أعداء الولايات المتحدة، وستكون، مدعاة للأسف لو قدر لها أن تحدث»( ).

2-الإدارة تستخدم وسائل الترهيب ضد الشهود:
وتنتقد تقارير صادرة عن أجهزة مخابرات أوروبية الإدارة الأميركية لأنها تستخدم وسائل شتى لإثبات المسؤولية الفردية عن استخدام وسائل التعذيب، ومن وسائل حماية نفسها، تستخدم الضغوط ضد بعض الضباط والشهود لمنعهم من تسريب أنباء التعذيب. كما تعرَّض المفتش الأميركي الذي كُلِّف بالتحقيق في فضائح سجن أبو غريب في العراق إلى ضغوط كبيرة لتمييع التحقيق، وإغفال النتائج والتوصيات التي يتم التوصل إليها( ).

3-قياديو الإدارة يحمي بعضهم البعض الآخر:
وفي هذا الإطار يحمي أعضاء إدارة جورج بوش بعضهم البعض الآخر. يترأسهم جورج بوش رئيس الإدارة ذاتها. وظهر ذلك جلياً عندما طالبت بعض الأصوات بمحاكمة دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي، بسبب مسؤوليته عن جرائم سجن أبو غريب. وفيها سارع الرئيس الأمريكي ليدافع عن وزير دفاعه، وقال: «أنا فخور بالخدمات التي قدمها رامسفيلد لهذا البلد، فهو عضو مهم في فريق الأمن القومي الأمريكي، وأنا فخور بوجوده معي»( ). وقد جاء دفاع بوش عنه على الرغم من أن وزيره في مقابلة أجرتها معه محطة سي ان ان قال إنه كان مستعداً لتحمل المسؤولية بسبب الفضائح التي أثارتها صور الانتهاكات في السجون العراقية، ولكن الرئيس بوش كان يثنيه عن عزمه في كل مرة( ).

4-المحاكم الأميركية تزور الأحكام الحقيقية:
وعلى الرغم من أن (جاك سافيل)، الضابط الأمريكي المتهم(*) كان يستحق عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة لوجود الأدلة الدامغة ضده، فقد خففت محكمة عسكرية أمريكية الحكم بحيث يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى عامين. إلاَّ أن قاضي المحكمة العسكرية الكولونيل(تيودور ديسكن) حكم عليه بالسجن 45 يومًا فقط، على أن يتم استقطاع 2000 دولار شهريًا من راتبه لمدة ستة أشهر. وتجدر الإشارة إلى أن العقوبات التي تقرها المحاكم الأمريكية ضد أفراد الجيش الأمريكي المتورطين في ارتكاب انتهاكات في العراق لا ترقى إلى مستوى الاعتداءات، بل تبدو أحكامًا مخففة لا تتناسب مع فداحة الذنب( ).

5-منع منظمات حقوق الإنسان من القيام بدورها:
كما تستخدم الإدارة الأميركية نفوذها من أجل منع منظمات حقوق الإنسان من الحصول على معلومات عن المعتقلين في سجونها، وعن أساليبها في الاعتقال والتحقيق، حتى لو أدى إلى طرد أو إقالة من لا يستجيبون لضغوطها. وفي هذا الإطار طُرِدَ من منصبه مُحقّقٌ دوليٌ يدعى شريف بسيوني، كانت قد أنيطت به مهمة التحري عن أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان، بسبب انتقاده احتجاز القوات الأمريكية للمشتبه بهم الأفغان في سجون سرية دون محاكمة، ومنعه من زيارتهم. وجاء طرده، بعد أيام قليلة فقط من تقديمه تقريراً من 24 صفحة لاجتماعات الدورة الـ61 لهيئة حقوق الإنسان في جنيف( ).
سابعاً: إهمال الجانب العربي الاستفادة من وظيفة المحكمة، و كيف يمكن الاستفادة تلك الوظيفة؟
لم يستفد العرب في العام 1975 من «قرار إدانة الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية»، الذي اَّتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهو كان واحداً من أكثر قراراتها جرأة. وكان وثيقة إدانة تاريخية وسياسية وإيديولوجية للصهيونية توصل إليها المجتمع الدولي بعد 78 عاما من مؤتمر بازل الذي أعلن تأسيس الحركة الصهيونية العالمية، إلا أنه لم يتضمن إنشاء آلية دولية لمعاقبة الحركة الصهيونية وقادتها ومجابهة عنصريتها وعدوانيتها. وفيما لو حصلت، لكانت الجرائم التي ارتكبتها الصهيونية إحدى أهم الممارسات التي تطولها اتفاقية «المحكمة الجنائية الدولية»، التي وُضِعت أسسها في العام 1998م( ).
وعلى الرغم من أن نصوصها لا تشمل الجرائم بمفعول رجعي، إلاَّ انه يمكن العمل من أجل تعديلها.
أولاً: إن للاجتهاد والفقه دور رئيسي في تفسير النصوص والقوانين. وهو أمر منوط بمدى كفاءة أطراف العملية القضائية وبشكل خاص المحامي، المدعي العام المستقل، الخبير القانوني،المدعي، الشاهد..الخ... ولأن الجرائم الإسرائيلية، منذ العام 1948، مازالت قائمة و مستمرة، وآثارها باقية ومجسدة مادياً، وضحاياها مازالوا أحياء ويعانون من ارتكاب الجرائم بحقهم، يمكن الاستفادة، باستحضارها، من المحكمة الجنائية الدولية.
ثانياً: كما أن ارتكاب الجرائم و الانتهاكات الخطرة مازال عملاً يومياً بحق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يجعل منها جرائم موصولة.
ثالثاً: أنشأ مؤتمر روما هيئة دائمة اسمها «جمعية الدول الأطراف» ومن بين وظائفها النظر في تعديل النظام الأساسي للمحكمة، لذا يستطيع المندوبون المثابرون للدول العربية اقتراح تعديل لهذه المادة وحشد التأييد لها( ).

ثامناً: الجرائم التي تقع ضمن صلاحية المحكمة الجنائية الدولية

1-الإبادة الجماعية:
وتعنى أي من الأفعال الآتية: إذا ارتُكِب الفعل قصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً: الإبادة الجماعية بالقتل. أو بإلحاق أذى بدني أو معنوي جسيم. أو بفرض أحوال معيشية يقصد بها التسبب عمداً في إهلاك مادي. أو بفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب. والإبادة الجماعية بنقل الأطفال قسراً.

2-الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية:
من أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي وتبرر نشوء المسؤولية الجنائية الفردية وتستتبعها، وتتطلب حصول سلوك محظور بموجب القانون الدولي. وتعتبر جريمة ضد الإنسانية تلك التي ترتكب ضد أية مجموعة من السكان المدنيين. وبرغم وجود بعض التشابه بين أفعال الجريمة ضد الإنسانية وجريمة الإبادة ا لجماعية، إلا أن الأولى أضيق نطاقاً في أنها ترتكب ضد جماعة عرقية أو إثنية أو دينية...الخ.
ومن أمثلة الأفعال التي تشكل جريمة ضد الإنسانية: القتل العمد، والإبادة. والاسترقاق. وترحيل السكان. والسجن أو الحرمان الشديد من الحرية البدنية. والتعذيب. والاغتصاب. والاستعباد الجنسي. والإكراه على البغاء. والحمل القسري. والتعقيم القسري. والعنف الجنسي. والاضطهاد. والاختفاء القسري. والفصل العنصري.

3- جرائم الحرب:
وللمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب، ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم. وتعنى جرائم الحرب: الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف وأي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة مثل:
القتل العمد. والتعذيب. والمعاملة اللاإنسانية. وإجراء التجارب البيولوجية. والتسبب عمداً في المعاناة الشديدة. وتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها. والإرغام على الخدمة في صفوف قوات معادية. والحرمان من المحاكمة العادلة. والإبعاد أو النقل غير المشروع. والحبس غير المشروع. وأخذ الرهائن. والهجوم على المدنيين. والهجوم على الأعيان المدنية. والهجوم على موظفين مستخدمين أو أعيان مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام. وتكبيد الخسائر العرضية في الأرواح والإصابات وإلحاق الأضرار بصورة مفرطة. والهجوم على أماكن عزلاء. وقتل أو إصابة شخص عاجز عن القتال. وإساءة استعمال عَلَم الهدنة. وإساءة استعمال عَلَم الطرف المعادي أو شارته أو زيه العسكري. واستعمال علم الأمم المتحدة أو شاراتها أو زيها العسكري. وإساءة استعمال الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف. وقيام دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل بعض من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو بعضهم داخل هذه الأرض أو خارجها. والهجوم على أعيان محمية. والتشويه البدني. وإجراء التجارب الطبية أو العلمية. القتل أو الإصابة غدراً. إسقاط الأمان عن الجميع. تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها. وحرمان رعايا الطرف المعادي من الحقوق أو الدعاوى. والإجبار على الاشتراك في عمليات حربية. النهب. واستخدام السموم أو الأسلحة المسممة. واستخدام الغازات أو السوائل أو المواد أو الأجهزة المحظورة. واستخدام الرصاص المحظور. واستخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية مدرجة في مرفق النظام الأساسي. والاعتداء على الكرامة الشخصية. والاغتصاب. والاستعباد الجنسي. والإكراه على البغاء. والحمل القسري. والتعقيم القسري. والعنف الجنسي. واستخدام الأشخاص المحميين كدروع. والهجوم على أعيان أو أشخاص يستخدمون الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف. والتجويع كأسلوب من أساليب الحرب. واستخدام الأطفال أو تجنيدهم أو ضمهم إلى القوات المسلحة. والقتل العمد. والتشويه البدني. والمعاملة القاسية. والتعذيب. والاعتداء على الكرامة الشخصية. وأخذ الرهائن. وإصدار حكم أو تنفيذ حكم الإعدام بدون ضمانات إجرائية. والهجوم على المدنيين. والهجوم على أعيان تستعمل أو أشخاص يستعملون الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف. والهجوم على موظفين مستخدمين أو أعيان مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام. والهجوم على الأعيان المحمية. والنهب. والاغتصاب. والاستعباد الجنسي. والإكراه على البغاء. والحمل القسري. والتعقيم القسري. والعنف الجنسي. واستخدام الأطفال أو تجنيدهم أو ضمهم إلى القوات المسلحة. وتشريد المدنيين. والقتل أو الإصابة غدراً. وإسقاط الأمان عن الجميع. والتشويه البدني. وإجراء التجارب الطبية أو العلمية. وتدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها.

4-جريمة العدوان
تراوغ بعض الدول في التحديد النهائي لمضمون جريمة العدوان وأركانها. وكان من المفترض أن تناقش الدورة التحضيرية الثامنة، التي عقدت في سبتمبر 2001. وقد أثَّرت أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة على الموضوع وعطلت حسم مسألة العدوان. واشتملت الاقتراحات على وجود دور لمحكمة العدل الدولية في تحديد مفهومه، ووجود دور لمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب فتوى من محكمة العدل الدولية.
ويذكر أن الدول العربية والعديد من دول العالم الثالث يعدون من أهم المدافعين عن وجود تحديد قاطع لجريمة العدوان. ومن أبرز النقاط التي تقترح الدول العربية إدخالها جريمة الاستيطان بوصفها أحد أشكال العدوان وليس الغزو المسلح فقط. كما أن بعض الدول الكبرى ( مثل الولايات المتحدة الأمريكية) ترى في وجود هذا التعريف القاطع خطورة على رجالها العسكريين( ).


الملاحق الوثائقية للفصل الأول
الملحق الرقم (1)
المحكمة الجنائية الدولية
د. نافع الحسن: استاذ القانون الدولي- كلية الحقوق/جامعة القدس
في العام 1975 اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة واحداً من اكثر قراراتها جرأة وهو قرار ادانة الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية. لقد كان القرار وثيقة ادانة تاريخية وسياسية وايديولوجية للصهيونية توصل إليها المجتمع الدولي بعد 78 عاماً من مؤتمر بازل الذي اعلن عن تأسيس الحركة الصهيونية العالمية، الا أنه لم يتضمن إنشاء آلية دولية لمعاقبة الحركة الصهيونية وقادتها ومجابهة عنصريتها وعدوانيتها.
ولو نظرنا إلى هذا القرار بعد ثلاثة وعشرين عاماً من صدوره من منظور الاحداث التاريخية والمواقف والاجراءات الدولية التي استهدفت وضع حد لارتكاب الجرائم السياسية الدولية ومعاقبة مرتكبيها لوجدناه يقع في صميم مكونات مرحلة الصراعات الدولية التي سبقت مؤتمر روما. واذا كانت الدول العربية قد غضت الطرف عن الجهود الامريكية-الاسرائيلية التي اوصلت الامم المتحدة إلى التنكر لقرار ادانة الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية في العام 1994 فان الجانب الرسمي الفلسطيني غض الطرف بدوره عن هذه الجهود حين كان لا يزال مفعماً بروح الصفقة و المساومة التي تمت في ظلام اوسلو، فتم بذلك التضحية بإنجاز دولي كبير عاضد الحقوق الفلسطينية ولم يكن سهل المنال.
وبعد نصف قرن من بدء محاكمة مجرمي الحرب في المانيا و اليابان فقد قرر المجتمع الدولي من خلال وزرائه المفوضين المجتمعين في مؤتمر روما(15 حزيران/ يونيو- 17 تموز/ يوليو1998) إنشاء محكمة دولية جنائية دائمة لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي جرائم ضد الانسانية ووضعوا نظاماً اساسياً لها وعقدوا اتفاقية بشأنها.
وفي مدونة الجرائم الدولية التي وضعتها دول مؤتمر روما نجد معظم الجرائم الرئيسية التي ارتكبها قادة الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. الا أن الأهم هو إنشاء آلية دولية دائمة لاول مرة في التاريخ، و التي تتمثل في المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم بما فيهم الاسرائيليين ، وهذا ما افتقدنا إليه في كل القرارات الدولية التي أدانت الجرائم الاسرائيلية، وما انتظره المجتمع الدولي وما انفك يسعى لتحقيقه منذ الحرب العالمية الثانية.
ومن جهة اخرى لا بد من الاعتراف بأن النظام الاساسي للمحكمة الذي اعتمده المجتمع الدولي يمثل قاسماً مشتركاً بين الاطراف الدولية، ولا يلبي مطالب ورؤية كل منها بالمطلق. ولذا فقد انطوى النظام على بعض الثغرات والنواقص وفي مقدمتها المادتين (11،24) اللتين تنصان على عدم سريان مفعول النظام الاساسي للمحكمة بأثر رجعي، أي أن الجرائم التي ارتكبت قبل سريان مفعول هذا النظام لا تخضع للسلطة القضائية للمحكمة. لكن هذا النص لا يعني بقاء الجرائم الاسرائيلية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني منذ العام 1948 دون عقاب أو خارج اطار السلطة القضائية للمحكمة وذلك للاسباب التالية:
أولاً- إن للاجتهاد و الفقه دور رئيسي في تفسير النصوص والقوانين وفي مجمل العملية القضائية انتهاء باصدار الاحكام وهو أمر في هذه الحالة منوط بمدى كفاءة أطراف العملية القضائية وبشكل خاص المحامي، المدعي العام المستقل، الخبير القانوني، المدعي، الشاهد..الخ . وفي هذا السياق ينبغي التنويه بطابع الديمومة والاستمرارية للجرائم الاسرائيلية المرتكبة منذ العام 1948 فهي جرائم مازالت قائمة ومستمرة وآثارها باقية ومجسدة مادياً وضحاياها مازالوا احياء ويعانون من ارتكاب هذه الجرائم.
ثانياً- وفوق كل ذلك، فإن ارتكاب الجرائم والانتهاكات الخطرة والجسيمة مازال عملاً يومياً يتجلى في كل اشكال تعاملها مع الشعب الفلسطيني ويستند إلى عقيدة توسعية احتلالية وثقافة عنصرية وتعصب ديني الامر الذي يجعل من الجرائم الاسرائيلية جرائم موصولة. بالوقائع التاريخية والآثار المادية، ويستمر ارتكاب هذه الجرائم بالرغم من وجود اتفاق سلام اسرائيلي-فلسطيني منذ خمس سنوات.
ثالثاً- لقد أنشأ مؤتمر روما هيئة دائمة من الدول المشاركة فيه والموقعة على اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية اسمها جمعية الدول الاطراف ومن بين وظائفها النظر في تعديل النظام الاساسي للمحكمة ويستطيع المندوبون المثابرون للدول العربية، بتأثير من الرأي العام، اقتراح تعديل لهذه المادة وحشد التأييد لها من قبل الدول الاعضاء. أما فض المنازعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق نصوص النظام فيتم بقرار من المحكمة ذاتها أو بناء على توصية من جمعية الدول الاعضاء.
ولكن كيف وصل المجتمع الدولي إلى قرار اتفاقية روما بشأن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ، وكيف اتحدت امم الارض في محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الابرياء.
كانت البداية قبل خمسين عاماً حين اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارها الرقم 260 في 9 كانون الاول/ديسمبر 1948 و الذي تضمن نص «اتفاقية منع جريمة الابادة ومعاقبة مرتكبيها»، ففي هذا القرار طلبت الجمعية العامة من لجنة القانون الدولي التابعة لها دراسة امكانية انشاء جهاز قضائي دولي لمحاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة.
وبعد أن أقرت لجنة القانون الدولي بأن انشاء مثل هذا الجهاز أمر ممكن ومرغوب فيه شكلت الامم المتحدة لجنة لتقديم اقتراحاتها بهذا الشأن. وفي العام 1951 اعدت اللجنة مشروعا للنظام الاساسي للمحكمة. وفي العام 1953 قدمت مشروعا..، الا ان الجمعية العامة ارتأت تأجيل النظر في هذا المشروع بانتظار اعتماد تعريف عالمي للعدوان وهو الامر الذي تم انجازه في دورة الجمعية العامة للعام 1974، غير ان انشاء المحكمة ظل موضوعا ثابتا على جدول اعمال المجتمع الدولي و استمر النظر فيه دوريا.
وفي كانون الاول/ ديسمبر 1989 واستجابة لطلب من دولة ترينيداد و توباغو طلبت الجمعية العامة من لجنة القانون الدولي استئناف عملها بشأن انشاء محكمة جنائية دولية.
وحين نشبت الحرب الاهلية في يوغسلافيا السابقة في العام 1993 فقد لفتت اعمال التطهير العرقي وجرائم الابادة وجرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضد الانسانية الاهتمام العالمي. وفي محاولة لتخفيض المعاناة الانسانية فقد شكل مجلس الامن الدولي محكمة جنائية دولية للقيام بمهمة محددة وهي محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الخطرة لاحكام القانون الدولي الانساني في يوغسلافيا السابقة وبقرار من مجلس الامن تم انشاء محكمة دولية للقيام بمهمة محددة وهي محكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات الخطرة لاحكام القانون الدولي الانساني في رواند واتخذت من اروشا مقرا لها وانهت مهمتها في غضون العام 1994. وقد اثار انشاء هذه المحاكم المؤقتة التساؤلات حول «ازدواجية المعايير» و «انتقائية العدالة». فلماذا لم تشكل محاكم لمحاكمة مجرمي الحرب في فلسطين والجزائر و الكونغو وكمبوديا مثلاً. وفي تلك الاثناء كانت لا تزال تتردد اصداء تصريحات بنيامين فرينز المدعي العام السابق لمحكمة نورمبرغ والتي قال فيها: لا يمكن ان يكون هناك سلام بدون عدل، ولاعدل بدون قانون، ولا قانون جدي دون محكمة لكي تقرر ما هو عدل وما هو مشروع تحت كل الظروف.
وتحت تأثير كل هذه الاحداث. استكملت لجنة القانون الدولي صياغة مشروع النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية وقدمته في العام 1994 إلى الجمعية العامة. وبغية النظر في القضايا ذات الاهمية القصوى فقد شكلت الجمعية العامة لجنة خاصة ولمهمة محددة للنظر في انشاء المحكمة الجنائية الدولية و التي التقت مرتين في العام 1995. وعقب عرض تقرير هذه اللجنة على الجمعية العامة شكلت هذه الاخيرة لجنة تحضيرية لانشاء المحكمة الجنائية الدولية ولاعداد مشروع نص يستحوذ على اوسع اجماع ممكن وذلك لعرضه على المؤتمر الدبلوماسي للامم المتحدة وقد اكملت اللجنة اعمالها في نيسان/ ابريل من هذا العام.
وفي دورتها الثانية والخمسين قررت الجمعية العامة عقد المؤتمر الدبلوماسي للامم المتحدة بحضور الوزراء المفوضين للبحث في انشاء المحكمة الجنائية الدولية الذي انعقد في روما من 15 حزيران/يونيو-17 تموز/يوليو1998 والذي تم فيه الاعلان عن انشاء المحكمة وقرار نظامها الاساسي بموافقة 120 دولة مقابل معارضة سبع دول وامتناع 21 دولة عن التصويت.
وباتخاذ هذا القرار التاريخي في روما يتحقق انجاز انساني ضخم ربما يفوق في اهميته وابعاده واثاره انشاء محكمة العدل الدولية في لاهاي قبل نصف قرن ونيف و الذي من شأنه أن يفتح الطريق امام تحقيق حلم الشعوب المقهورة و الدول المغلوبة على امرها. فقد انعش هذا الحدث التاريخي آمال الذين ظلوا لعقود طويلة عرضة لجرائم الدول الاستعمارية و العنصرية و الانظمة الدكتاتورية. ان انشاء المحكمة يمثل بحق خطوة غير مسبوقة في التاريخ الانساني من شأنها خلق سلطة قضائية دولية تختص بتأمين سيادة القانون الدولي وتطبيق أحكام القانون الدولي الانساني، وان كان الحكم النهائي على فعاليتها وقدرتها على العمل لن يصدر قبل مباشرتها لاختصاصاتها وسلطتها القضائية. وقد بوشر بالتوقيع على اتفاقية انشاء المحكمة ونظامها الاساسي في روما والذي سيستمر حتى تشرين الاول/اكتوبر المقبل، وبعد ذلك سيفتح باب التوقيع عليها و الانضمام إليها في قصر الامم المتحدة بنيويورك حتى 31 كانون الاول/ديسمبر لعام 2000. وسيدخل النظام الاساسي للمحكمة التي سيكون مقرها الدائم في لاهاي حيزا لتنفيذ بعد ستين يوماً من تسليم الدولة الستون لوثائق المصادقة او القبول او الانضمام للاتفاقية إلى الامين العام للامم المتحدة. وعند اتمام هذه الخطوة سيكون النظام الدولي قد اتم انشاء السلطة القضائية واكمال عملية تكوين السلطات الثلاث للنظام العالمي او الدولة الكونية وهي السلطة التشريعية التي تمثل الجمعية العامة وما يتبعها من منظمات ولجان متخصصة مثل لجنة القانون الدولي اضافة إلى محكمة العدل الدولية و السلطة التنفيذية التي يمثلها مجلس الامن والاجهزة التي تتبع له اضافة إلى السلطة القضائية الوليدة ممثلة بالمحكمة الجنائية الدولية.
ان الاحكام التي انطوى عليها النظام الاساسي للمحكمة تمثل طفرة كبرى في تطور العلاقة الدولية وتطبيق احكام القانون الدولي الانساني وتكريس سيادة القانون الدولي. فقد جاء في نظامها الاساسي ان المحكمة تتمتع بتفويض لممارسة سلطتها القضائية على الاشخاص المسؤولين عن الجرائم الخطيرة التي تهدد المجتمع الدولي، وتخضع سلطة المحكمة لاحكام النظام الاساسي و التي تنص على تمتعها بشخصية قانونية دولية وبالتفويض القانوني اللازم لممارسة مهامها وتحقيق اهدافها، ويمكن للمحكمة ان تمارس وظائفها وسلطتها على اراضي الدول الاعضاء وعلى اراضي اي دولة اخرى بموجب اتفاقية خاصة تعقدها مع الدولة المعنية.
وتتمتع المحكمة بحق ممارسة سلطتها القضائية على الجرائم المرتكبة ضد الانسانية، جرائم الحرب وجريمة العدوان ضمن شروط محددة، اضافة إلى الجرائم الخطرة الاخرى التي تضمنتها اتفاقيات جنيف الاربع للعام 1949 والبروتوكولان الاول و الثاني للعام1977 الملحقان بها.
وقد حرص النظام الاساسي على التوصيف الدقيق لهذه الجرائم وتعدادها مبينين جرائم الابادة الجماعية نجد قتل افراد من شعب او جماعة عرقية او قومية او دينية، الحاق اذى جسدياً او نفسياً بافراد هذه الجماعات، تعمد فرض شروط حياة من شأنها التسبب في تدمير الوجود المادي كلياً او جزئياً لهذه الجماعات، ونجد بين الجرائم المصنفة في عداد الجرائم ضد الانسانية. جرائم القتل المتعمد، والابادة و التطهير العرقي على شعب مدني، الاستعباد، السجن، ترحيل الشعوب، الابعاد، التعذيب، الاضطهاد و التمييز العنصري. أما جرائم الحرب فتضم، وفقا لهذا النظام: الجرائم الخطرة المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف و البروتوكولين الملحقين بها ومن بينها القتل المتعمد، المعاملة غير الانسانية، التدمير الشامل و الاستيلاء على الاملاك، قيام دولة الاحتلال بنقل اجزاء من سكانها بشكل مباشر او غير مباشر إلى الاراضي التي تحتلها او الابعاد او الترحيل الكلي او الجزئي لسكان الاراضي المحتلة داخل او خارج هذه الاراضي، النقل او الاحتجاز غير الشرعي واخذ الرهائن، القيام بهجوم متعمد ضد شعب مدني وضد افراد مدنيين، الاعتداء او القصف على المدن والقرى و المنازل و المباني غير المحمية والتي لاتشكل اهدافا عسكرية، الاعلان عن حقوق الطرف المعادي ملغاة او معلقة او غير مقبول لدى اي محكمة، اعمال الانتهاك للكرامة الشخصية وخصوصا المعاملة المهنية والمذلة وتجويع السكان المدنيين، قتل او جرح افراد من الشغب او الجيش المعاديين بطريق الخداع نهب بلدة او موقع حتى ولو تم الاستيلاء عليها خلال هجوم، استخدام السموم او الاسلحة السامة والغازات الخانقة، استخدام اسلحة ومواد واساليب حرب تتسبب بأذى زائداً او بمعاناة غير ضرورية، او تخرق القانون الدولي للنزاع المسلح على ان تكون هذه الاسلحة و المواد و اساليب الحرب محظورة على نحو واضح، ارتكاب انتهاكات للكرامة الشخصية وخصوصا المعاملة المهينة و المذلة وهكذا تضم دائرة الاختصاص القضائي للمحكمة طائفة واسعة من جرائم الحرب و الجرائم المرتكبة ضد الانسانية والانتهاكات الخطيرة او الجسيمة.
وقد جمع النظام الاساسي للمحكمة وعلى نحو مبدع بين اهم مبادئ ميثاق محكمة نورمبرغ للعام1945 واحكام اتفاقيات جنيف و البرتوكولين الملحقين بها و كذلك المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الاربع.
ولاول مرة سيكون هناك محكمة جنائية دولية دائمة تمتد سلطاتها القضائية لتشمل الجرائم الخطرة المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الاربع والبروتوكولين الملحقين بها، فقد مثل غياب مثل هذا الجهاز القضائي الدولي ثغرة كبرى اضعفت هذه الاتفاقيات وحدت من تطبيق احكامها، ومع توفر مثل هذه الآلية القضائية الدولية ستكتسب اتفاقيات جنيف وملحقها وزنا متنامياً بما لا يقاس في الحياة الدولية ولدى الدول الاطراف في النزاعات الاقليمية وفي العمل من اجل الوصول إلى حلول دائمة لهذه النزاعات، وستمثل الرد المناسب و الفعال على عجز الدول الاطراف عن احترام احكام هذه الاتفاقيات بل واحجامها عن تطبيقها بما في ذلك احجام المحاكم الجنائية في هذه الدول وخاصة الدول المعتدية عن النظر في الجرائم الخطرة المنصوص عليها في الاتفاقات و التي ارتكبها افرادها ومؤسساتها العسكرية في اراضي الغير التي كانت عرضة للعدوان والاحتلال مثلما ستوفر للدولة و الشعوب المقهورة التي تتعرض للعدوان والاحتلال الجهاز القضائي والحق القانوني لمقاضاة مرتكبي الجرائم المختلفة على اراضيها وضد ابنائها ورعاياها وممتلكاتها، وبوجود هذه المحكمة لن تشعر الدول والشعوب المقهورة بالعجز وقصر ذات اليد في مواجهة طغيان الدول المعتدية وجبروتها ومن جهة اخرى ستحل هذه المحكمة محل المحاكم الدولية التي رأيناها تتشكل لفترة محدودة ولمهمة محددة في نورمبرغ وطوكيو بعيد الحرب العالمية الثانية وفي لاهاي واروشا عامي 1993و1994لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم الخطرة الاخرى من كل من يوغسلافيا السابقة وبرواند على التوالي. وخلافا للمحاكم الدولية المؤقتة السابقة فان هذه المحكمة ستكون دائمة ومخولة للنظر في دائرة واسعة من الجرائم الدولية بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة التي اوردتها اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الملحقان بها.
إن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية واعتماد نظامها الأساسي و الاتفاقية المعقودة بشأنها يمثل بحق تطوراً ثوريا في تكريس سيادة القانون الدولي وستتضح إثارة مع مشروع المحكمة في ممارسة سلطاتها القضائية، فلأول مرة سيحال إلى المحكمة جرائم دون اشتراط موافقة الطرف المدعى عليه، ووفقا لأحكام النظام الأساسي للمحكمة ولمبدأ استقلال القضاء فقد تم إبطال مفعول حق الفيتو الذي تتمتع به الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فليس بوسع أيا من هذه الدول منع المدعي العام المستقل من طلب النظر في أية قضية تقع ضمن الولاية القضائية للمحكمة، و الشروع في التحقيق استناداً إلى معلومات قد ترد أليه من الحكومات أو أجهزة الأمم المتحدة أو من منظمات دولية غير حكومية أو من الضحايا أنفسهم أو من جمعيات ينتمون إليها أو أية مصادر أخرى موثوقة، أما القانون الذي ستطبقه المحكمة فهو أولا: أحكام النظام الأساسي المتعلقة بعناصر الجرائم وقواعد الإجراءات و الإثبات وثانيا: المعاهدات السارية، مبادئ وقواعد القانون الدولي بما فيها مبادئ القانون الدولي للنزاع المسلح وثالثا: القوانين الوطنية للدول شريطة ألا تتعارض مع أحكام النظام الأساسي للمحكمة و القانون الدولي والمعايير و القواعد المعترف بها دوليا ورابعاً: المبادئ و القواعد المستخلصة من قرارات سابقة للمحكمة ويشترط النظام الأساسي أن يكون تطبيق وتفسير القوانين متفقا مع حقوق الإنسان المعترف بها دوليا ودون أي تميز سواء ارتكز على الجنس أو السن أو العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو التفكير السياسي أو غيره أو الأصل..أو الاجتماعي، أو الثروة أو الميلاد أو أي أوضاع أخرى.
ويخضع مرتكب الجريمة بصفته الشخصية للعقاب وفقا لاحكام النظام الأساسي سواء ارتكب الجريمة بمفرده أو بمشاركة آخرين. وعلى الدولة أن تتسلم طلبا بإجراء اعتقال أو تسليم شخص متهم بارتكاب جريمة ما أن تقوم بتسليمه إلى السلطات القضائية المختصة بالسرعة الممكنة بعد اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في النظام.
ويمكن للمحكمة أن تأمر المحكوم عليه مباشرة بدفع تعويضات للضحايا أو أن يتم دفع هذه التعويضات من خلال صندوق خاص تتجمع فيه أموال المخلفات و المصادرات التي تأمر المحكمة بتحويلها اليه لاستخدامها لصالح الضحايا، ووفقا للجرائم التي نص عليها النظام الأساسي للمحكمة فان العقوبات التي ستوقعها المحكمة بمرتكبي الجرائم تتضمن: السجن لسنوات محددة لا تتعدى 30 عاماً أو السجن مدى الحياة، أو السجن لفترة تحددها المحكمة وتتضمن العقوبات دفع مخالفات ومصادرة ممتلكات ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بالجريمة المرتكبة، وعلى الدول المعنية تنفيذ هذه الأحكام وفقا لما ينص عليه النظام الأساسي بما في ذلك قيام الدول بتنفيذ إجراءات دفع المخالفات والمصادرات.
أن قيام الجهاز القضائي الدولي و الاستقلالية التي يتمتع بها والتفويض الدولي الممنوح له قد اسقط حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول الخمس ذلك الفيتو الذي مكن هذه الدول من تكريس ازدواجية المعايير وانتقائية الإجراءات في التعامل مع مرتكبي جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية الأمر الذي أدى إلى توفير الحماية لعدد كبير من المجرمين والطغاة وسفاكي الدماء و الحيلولة دون مثولهم أمام القضاء العادل وفي مقدمة هؤلاء مجرمي الحرب الإسرائيليين ومرتكبي جرائم خطرة وجرائم ضد الإنسانية من الإسرائيليين أيضا. لقد ظل حق النقص أداة تعطيل لأي مطلب عادل بمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم الأخرى في فلسطين و الجزائر و الكنغو وأوغندا وأفريقيا الوسطى وكمبوديا وغيرها.
ولقد تعزز هذا الإنجاز الإنساني التاريخي بالصلاحيات التي منحتها اتفاقية روما للمدعي العام المستقل والتي تسمح له بالشروع في إجراءات التحقيق دون أن تطلب دولة موقعة على المعاهدة البدء في التحقيق، وعلى سبيل المثال فان المدعي العام المستقل يمتلك الصلاحية القانونية للشروع في إجراءات التحقيق مع مجرمي حرب ومرتكبي جرائم خطرة أخرى من الإسرائيليين إذا ما توفرت أدلة دامغة ضدهم وذلك دون أن يطلب طرف غربي ذلك و بالرغم من اعتراض إسرائيل على ذلك. وفي حالة عدم مقاضاة مرتكبي الجرائم المشار أليها فان اتفاقية روما تمنح الحق للشعوب والدولة المعنية بالتحرك لرفع دعوى ضدهم ومقاضاتهم أمام المحكمة وكان المؤتمرون في روما قد تمسكوا بهذه الصلاحية الممنوحة للمدعي العام المستقل وباستقلالية المحكمة ونجحوا في مواجهة ضغوطات مندوب الولايات المتحدة الذي طالب بإخضاع المدعي العام لسلطة مجلس الامن الدولي.
والملفت للانتباه أن مؤتمر روما انعقد وسط مظاهر الدعم والتأييد الواسعة وغير الرسمية لجهود الحكومات والتي عبرت عنها مائتي وخمس عشرة منظمة حكومية عالمية قامت بحشد قواها داخل المؤتمر وخارجه لدعم إنشاء هذه المحكمة وعكست تصميم المجتمع الدولي على إقامة السلطة القضائية المستقلة لمقاضاة مرتكبي الجرائم المشار إليها، وكالعادة كان الرأي العام العربي غائبا عن هذا الحدث التاريخي و الإنساني الكبير وتأثيره فيه محدوداً على الرغم من أن العلامة شريف بسيوني الكندي الجنسية والمصري الأصل هو الذي وضع الصياغة النهائية للنظام الاساسي للمحكمة. ومع ذلك ينبغي الاعتراف بأن مواصلة الولايات المتحدة الاعتراض على بعض النصوص الجوهرية في النظام الاساسي يضع عقبات جدية امام شروع المحكمة في ممارسة صلاحياتها واختصاصها القضائي.
ومن الطبيعي ان تكون اسرائيل في مقدمة الدول السبع التي صوتت ضد اتفاقية انشاء المحكمة الجنائية الدولية ، الا ان اللافت للانتباه هو تهاوي حجتها القائلة بأن دولاً عربية اضفت الصفة السياسية على المحكمة عن طريق اعتبار ترحيل الشعوب القسري والاستيلاء على ممتلكاتهم من جرائم الحرب ضد الانسانية التي تخضع للعقاب. وفي حقيقة الامر فان اعضاء لجنة القانون الدولي والمؤتمرين في روما لم يفعلوا شيئا سوى نقل وتكريس نص او روح الفقرة (4-أ) من المادة 85 للبروتوكول الاول للعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف والتي تنص على ان جرائم الحرب تشمل ايضا قيام دولة الاحتلال بنقل بعض سكانها المدنيين إلى الاراضي التي تحتلها او ترحيل او نقل كل او بعض سكان الاراضي المحتلة داخل نطاق تلك الاراضي او خارجها مخالفة بذلك المادة 49 من الاتفاقية الرابعة. وفي هذا السياق ينبغي التنويه ايضا إلى ان جميع الانتهاكات الجسيمة المنصوص عليها في اتفاقيات البروتوكول الاول والتي اشار اليها النظام الاساسي للمحكمة تعتبر بمثابة جرائم حرب بما فيها كل تأخير لا مبرر له في اعادة اسرى الحرب او المدنيين إلى اوطانهم.
وفي تعليقه على نصوص معاهدة روما اعلن الآن بيكر المستشار القضائي لوزارة الخارجية الاسرائيلية في تصريح اعقب انفضاض مؤتمر روما بأن الاتفاقية لم تبق حصانة لاحد بمن فيهم المستوطنين ورئيس الوزراء ووزرائه مضيفاً انه لو تم تشكيل هذه المحكمة قبل خمسين عاما لايدناها لأنها كانت ستوفر الحماية لليهود من الاضطهاد آنذاك، اما اليوم فهم معرضون للمقاضاة. ومن جهتها علقت راشيل سوكر النائب العام الاسرائيلي على الاتفاقية بقولها ان معارضة اسرائيل للاتفاقية لا تعطي حصانة لمواطنيها.
وللمقارنة نعيد التذكير بأن اسرائيل كانت قد صادقت منذ البداية على اتفاقية جنيف للعام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين لأنها استثنت نصاً اللاجئين الفلسطينيين من ولايتها القانونية وتم حرمانهم تبعاً لذلك من مزايا النظام الدولي لحماية اللاجئين، وارتكب الوزيران المفاوضان لكل من مصر والعراق آنذاك خطأً جسيماً حين وافقا على هذا الاستبعاد والذي ما زال اللاجئون الفلسطينيون يعانون من آثاره السلبية إلى يومنا هذا.
ان سرعة وعنف الرد الاسرائيلي السلبي على انشاء هذا الجهاز القضائي الدولي لمحاكمة مجرمي الحرب يجد تفسيره في كون الشعب الفلسطيني احد اكبر المستفيدين من هذا الانجاز الانساني والدولي الكبير ولان جميع محاولات اسرائيل التي بذلتها خلال انعقاد مؤتمر روما لاستثناء جرائمها ومجرميها من ولاية المحكمة قد اخفقت واصيبت بالخذلان.
غير ان السؤال التقليدي الذي يرتسم امامنا في سياق حدث تاريخي كهذا هو هل سنتمكن نحن العرب والفلسطينيون من الاستفادة من وجود هذه السلطة القضائية والدولية والصلاحيات الممنوحة لها؟ وهل سنحسن يوما تعلم استخدام القانون الدولي بحذاقة في الدفاع عن قضايانا ومصالحنا؟ علينا ان نتعلم اولا ثم علينا ان نمتلك الارادة ثانياً.
لقد جاء الاعلان عن انشاء المحكمة الجنائية الدولية بعد اربعة اشهر من شروع اساتذة القانون الدولي الفلسطينيين بمناقشة خطة للبدء في حملة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين. واذا كان الرواد المشاركون في هذه المحاولات قد تمكنوا من تحقيق انطلاقة ما بهذا الصدد إلاَّ انهم لم يصلوا بعد إلى نقطة الاقلاع الفعلي.
وربما شعر الكثير منا بالخجل من انفسهم وبتأنيب الضمير حين سمعوا ورأوا العالم كله يعلن عن تأسيس محكمة دولية لمقاضاة مجرمي الحرب بعد سنوات من العمل الدءوب والاعداد والجدال في حين ظل امر محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين غائباً او مغيباً طوال خمسين عاما من عمر النكبة الفلسطينية عن اذهاننا نحن ضحايا الاجرام الاسرائيلي المتعدد الاشكال والاصناف والذي تحول بفعله شعبنا إلى شعب من المشردين والشهداء والاسرى والمصابين.
لقد احدث الاعلان عن انشاء المحكمة الجنائية الدولية تبدلاً جذرياً في الاوضاع الدولية واصبحت الظروف اكثر مواتاة من ذي قبل، واصبح المسرح الدولي مهيئا لتقبل خطوة فلسطينية من هذا القبيل، خطوة تدرس بعناية وبمهنية عالية من حيث التخطيط والتنفيذ تتجلى فيها المعرفة المتخصصة بالقانون الدولي ومهارة استخدامه، فهلا اغتنمنا الفرصة للسير قدما في الاعداد لحملة عالمية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين.
***
الملحق الرقم (2)
المحكمة الجنائية الدولية
عمان: 28 تموز 2004 - (نشرها: دانا ضبيط)
«ان تأسيس المحكمة يعد هبة من الامل للاجيال المقبلة ، وخطوة عملاقة على درب احقاق عالمية حقوق الانسان وسيادة القانون»- كوفي عنان ، الامين العام للامم المتحدة في 18 تموز 1998.
«علينا ان نصر على انهاء ثقافة ان يكون المرء بمأمن من العقاب. علينا وسنفعل ذلك بمنح دعمنا الكامل للمحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة والتي يقع مقرها هنا في هذه المدينة لاهاي والتي تقع على عاتقها المسؤولية القانونية لمقاضاة جميع اولئك المسؤولين عن الجرائم ضد الانسانية. وعلينا ان ندفع قدما نحو خلق المحكمة الجنائية الدولية الدائمة. دعوني اعترف مرة اخرى بالمساهمة الهائلة من جانب الجماعات المتطوعة من كافة انحاء العالم - والكثير منها ممثل في هذه القاعة اليوم – في اقرار النظام الاساسي للمحكمة في روما في العام الماضي . ودعوني ايضا ارحب بالحملة التي شنتها منظمة العفو الدولية والتي تدعو اعضاء الامم المتحدة للتصديق على النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية». كوفي عنان – الامين العام للامم المتحدة - عن حديث في مدينة لاهاي بتاريخ 17 مايو 1999.
«انه ومن المهم ادراك ان الغرض من هذه المحكمة ليس سوى ترسيخ الشرعية الدولية حيث عليها ان تقوم بدور الرادع تجاه من يرتكب هذه الجرائم البشعة درءا للاضرار الجسيمة التي تصيب البشرية. فقد تواجد منذ الحرب العالمية الثانية اكثر من 250 نزاع اسفرت عن مقتل ما يقارب 170 مليون نسمة فضلا عن تشريد الملايين من اوطانهم ومنازلهم ، الا ان كل ذلك لم ينتج سوى محكمتي يوغوسلافيا ورواندا لمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم التي وقعت بهما. ومن ثم فلا بد لهذه المحكمة ان تكون احدى دعائم العدالة الجنائية الدولية لكي لا يفر مرتكبو تلك الجرائم البشرية الفظيعة من العقاب» – استاذ دكتور محمود شريف بسيوني رئيس لجنة الصياغة للمؤتمر الدبلوماسي لانشاء المحكمة الجنائية الدولية خبير في مجال حقوق الانسان في الامم المتحدة في افغانستان.
الاردن وجيبوتي هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان صادقتا على اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية لغاية الآن . إن المحكمة الجنائية الدولية ، ومقرها لاهاي – هولندا ، هي اول كيان قانوني دولي متخصص في مجال المحاكمات ضد الابادات الجماعية وضد جرائم الحرب والعدوان والجرائم ضد الانسانية في الحالات التي تستعصي فيها المحاكم الوطنية عن القيام بذلك.
وخلافا للمحاكم السابقة التي شكلت للنظر في جرائم وقعت في فترات ومناطق محددة ، شهدت العاصمة الايطالية روما عقد مؤتمر الامم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بانشاء محكمة جنائية دولية في الفترة من 15/6/1998 وحتى 17/7/1998. وقد شارك في اعمال المؤتمر وفود تمثل 160 دولة ، 31 منظمة دولية ، 136 منظمة غير حكومية بصفة اعضاء مراقبين ، وصدر عن هذا المؤتمر النظام الداخلي للمحكمة الجنائية الدولية والبيان الختامي وستة قرارات اخرى . ويعد النظام الداخلي للمحكمة معاهدة دولية تصبح نافذة المفعول بعد مرور 60 يوما من تصديق 60 دولة عليها. صوت لصالح انشاء المحكمة الجنائية الدولية 120 دولة وامتنعت 21 دولة عن التصويت في حين عارضت 7 دول من بينها الولايات المتحدة الامريكية التي اصرت ان يكون لمجلس الامن سيطرة على الادعاء وقال المتحدث باسم الخارجية الامريكية: سنرفض بقوة التصديق على المعاهدة وتنفيذها وسنواصل نهجنا ونفعل ما نراه صوابا في شتى انحاء العالم. كذلك رفضت اسرائيل انشاء المحكمة وصرح المستشار القانوني لوزارة الخارجية الاسرائيلي بأن المعاهدة بصيغتها الحالية تجعل رئيس الوزراء واي عضو بالحكومة عرضة للاعتقال ، كما تخشى ان تتخذ اجراءات قضائية ضد جنودها بشأن ممارستهم في جنوب لبنان او ضد المواطنين الفلسطينيين ، واعربت اسرائيل عن سخطها لاعتبار الاستيطان جريمة حرب في نظام المحكمة الجنائية الدولية، كذلك اعترضت الصين واعرب الوفد الصيني عن تأييد بلاده لان تتبع المحكمة الجنائية مجلس الامن الدولي ، الامر الذي يمنعه النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، كذلك اعترضت الهند ايضا على انشاء المحكمة الجنائية الدولية.
تم اقرار اتفاقية روما وتم فتح باب التوقيع والمصادقة في مؤتمر روما الدبلوماسي بتاريخ 17/7/1998 . في الاول من تموز من العام 2002 دخلت اتفاقية روما المنبثقة عن المحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ ايذانا ببدء اول محكمة دولية قادرة على عمل التحقيقات واحقاق العدالة ومحاكمة الافراد مرتكبي الانتهاكات الخطيرة لقوانين حقوق الانسان الدولية والجرائم ضد الانسانية بعكس محكمة العدل الدولية والتي تقتصر تشريعاتها على الدول فان المحكمة الجنائية الدولية لديها المقدرة على محاكمة الافراد.
وان للمحكمة الجنائية الدولية منظورا جندريا لضمان ان تجد النساء ممن يتعرضن لابشع الجرائم التي ينددها القانون الدولي الباب مفتوحا لنيل العدالة وان تلعب المرأة دورا في ساحة المحكمة الجنائية الدولية.
ان المحكمة الجنائية الدولية لها دور مكمل للتشريعات الوطنية وتقوم بدورها فقط في حال عدم استطاعة الانظمة الوطنية القيام بالتحقيقات او المحاكمات المتعلقة بتلك الجرائم. ان القرارات الصادرة من قبل المحكمة ليست بأثر رجعي ولكن فقط تطبق على الحالات التي ارتكبت بعد تاريخ سريان اتفاقية روما. لغاية تاريخه بلغ عدد الدول الموقعة على اتفاقية روما 139 دولة والمصادقة 94 دولة.
اعلن المدعي الخاص بالمحكمة السيد لويس مورينو اوكامبوا بتاريخ 23/6/2004 انه بصدد البدء بأول تحقيق للجرائم البشعة التي تم اقترافها في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ الاول من تموز 2002. وبحسب التقرير لقي اكثر من ثلاثة ملايين شخص حتفهم خلال النزاعات في جمهورية الكونغو وكان العدد الاكبر من الاشخاص ضحايا الجرائم التي من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية منها الاغتصاب ، التعذيب ، النقل القسري او ابعاد السكان ، والاستغلال غير المشروع للاطفال كجنود.
ويعتبر التحالف الدولي للمحكمة الجنائية الدولية والذي يتفرع لاكثر من 2000 منظمة اجتماعية مدنية في اكثر من 150 دولة ان دور المنظمات غير الربحية التابعة للتحالف هي تمثيل ، تسهيل وتنسيق عمل الاعضاء الدوليين وبنفس الوقت تقديم المعلومات اللازمة عن المحكمة الجنائية الدولية وتلعب دور المنسق بين الحكومات وممثلي المحكمة الجنائية الدولية والهيئات الدولية وايضا اعضاء المجتمع المدني والاكاديمي.
التحالف العربي للمنظمات غير الحكومية
تم انشاء التحالف العربي للمنظمات غير الحكومية من اجل انشاء محكمة جنائية دولية بتاريخ 15حزيران 1999 بموجب مؤتمر العدالة العربي الاول الذي عقده المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة بالعاصمة اللبنانية بيروت في الفترة ما بين 14 – 16 حزيران 1999 وتقرر أن تكون «مجموعة القانون من اجل حقوق الانسان -الاردن» عضواً في اللجنة التأسيسية، وان يكون المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة - مصر ، منسقا للتحالف.
-صنعاء: تم عقد اجتماع برعاية وزير حقوق الانسان وبالتعاون مع المنظمة العالمية لحقوق الانسان بتاريخ 7 – 8 كانون الثاني 2004 تركزت حول المحكمة الجنائية الدولية وواجباتها بخصوص محاكمة الافراد مرتكبي الجرائم الخطيرة مثل جرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب والعدوان وايضا المعوقات القانونية الدستورية الخاصة بنظام المحكمة والاتفاقيات الخاصة بالحصانات الثنائية بصدد التنفيذ من قبل الولايات المتحدة مع دول اخرى لحماية جنودها في قواعدها المنتشرة في كافة انحاء العالم ، بالاضافة الى ايجاد استراتيجية لمصادقة اليمن على اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية.
-نظمت الحكومة اليمنية ومنظمة اوروبية اسمها لا سلام بلا عدالة لمؤتمر اقليمي حول الديمقراطية وحقوق الانسان في صنعاء بتاريخ 10 – 12 كانون الثاني 2004 بتمويل من الاتحاد الاوروبي وحكومات كندا ، فرنسا ، المانيا، ايرلندا ، ايطاليا ، هولندا ، سويسرا ، المملكة البريطانية ، صندوق الامم المتحدة الانمائي وتركز حول دور المحكمة الجنائية الدولية . شارك في المؤتمر عشرون دولة على مستوى وزاري وبمشاركة 120 منظمة حقوق انسان من الدول العربية والدول المجاورة . يأتي هذا المؤتمر سعيا لتطوير الديمقراطية في اليمن وخلق الحوار البناء بين المشاركين. تركز المؤتمر على ثلاثة محاور رئيسة:
1-دور المحكمة الجنائية الدولية في حماية حقوق الانسان وتطوير مفاهيم الديمقراطية ،
2-العلاقة بين الديمقراطية وحقوق الانسان والامور المتعلقة بحقوق الانسان والامم المتحدة والانشطة العربية ومفاهيم العدالة والحرية بمنظور اسلامي،
3-دور ومسؤولية منظمات حقوق الانسان في تطوير الآراء الديمقراطية بما فيها الاحزاب السياسية ووسائل الاعلام وتم ايضا انتقاد الاحتلال وخاصة احتلال امريكا للعراق واحتلال اسرائيل لفلسطين . من الامور التي تمت ملاحظتها اتساع الفجوة بين مختلف الدوائر السياسية حيث ان ممثلي الحكومة قاموا ببيان انجازاتهم في مجال الديمقراطية بينما انتقد ممثلو المجتمع المدني هذه النتائج وانصب النقد على ان الحكومات العربية قامت بقبول النظم المتعلقة بحقوق الانسان علانية من اجل الحصول على المساعدات وقلقا من الغرب. بينما قامت الكثير من الدول بانتخابات برلمانية من اجل تحقيق حرية اكبر ، لا يزال هناك تطور قليل في مجال حرية التعبير عن الرأي.
4-تم تنظيم ورشة بدعم اللجنة الدولية للصليب الاحمر والمفوضية الدستورية للشؤون القانونية في مجلس النواب اليمني حول اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية في مجلس النواب برعاية الشيح عبد الله بن الحسين الاحمر – الناطق باسم البرلمان – ما بين 19 الى 20 كانون الثاني 2004 بحضور حوالي 150 شخصية من مختلف القطاعات الحكومية والقضائية وممثلين عن المجتمع المدني . تركزت الورشة حول المواضيع التالية:
أ-كيان المحكمة الجنائية الدولية ويضم العلاقة بين العدالة الدولية والمحكمة ،
ب-الجرائم التي تقع تحت مظلة المحكمة ومنها جرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب ،
ج- كيفية انشاء وعمل هذه المحكمة وتطبيق احكامها ،
د- الاتفاقية الخاصة بالمحكمة في ظل التشريعات اليمنية والدستور اليمني بالاضافة الى واجبات البلدان المصادقة على الاتفاقية. تمخض عن هذه الورشة اصدار قرار من قبل مجلس الوزراء اليمني بالتصديق على اتفاقية روما للعام 1998 للمحكمة الجنائية الدولية للمناقشة والاقرار في البرلمان اليمني وبصدد التصديق خلال هذا العام.
-سوريا بصدد المصادقة على اتفاقية روما بحسب مصدر رسمي سوري خلال اجتماع مع الامم المتحدة في بيروت حيث ان الممثل القانوني لسوريا في روما قد حضر وكان واضحا انه حال استلام المصادقة من قبل الرئيس تكون الاجراءات من قبل مجلس النواب مجرد شكليات.
- الهند: في 20 كانون الثاني 2004، تم عقد المنتدى العالمي حول عولمة العدالة في مدينة بومباي - الهند. وتركزت الاهتمامات حول تقوية اواصر العلاقات بين الناشطين في مجال حقوق الانسان وحكوماتهم للوصول الى اعلى مستوى من تطبيق الاسس القانونية في الدول ودور المحكمة الجنائية الدولية في تقوية الحملات الموجهة لحقوق الانسان والاصلاحات القانونية القائمة في الهند . والقي الضوء على اهمية المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للعولمة ومحاربة التعذيب والوصول الى العدالة الجندرية وحقوق الضحايا في الجزء الجنوبي من العالم.
في مصر: نيسان 2004-تمت الموافقة على تعيين البروفيسور الاستاذ المحامي شريف بسيوني ، الاستاذ المحاضر في جامعة ديبول في شيكاغو ، المصري الجنسية ، كخبير مستقل في مجال حقوق الانسان في الامم المتحدة في افغانستان من قبل الامين العام للامم المتحدة السيد كوفي عنان. الاستاذ بسيوني ساهم بشكل فعال في انشاء اتفاقية روما وقام بدور استشاري لعدد من الدول الشرق اوسطية حول اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية.
وفي دبي: نيسان 2004: عقدت د دورة تدريبية في مجال حقوق الانسان. تركزت الدورة حول حقوق الانسان بمنظور عالمي وحول المحكمة الجنائية الدولية ودور الشرطه في حماية حقوق الانسان ومحاولة تغيير الروتين القديم في معالجة الامور من قبل الشرطة خلال الاشتباكات المسلحة والانتهاكات الواجب تجنبها وعدم ممارسة التعذيب.
أيار 2004: الجزائر: ندد بيان صحفي باحتمالية مساندة الجزائر بمنح الحصانة للجنود المحافظين على السلام في البلاد التي لم تصادق على اتفاقية روما ومنها الولايات المتحدة والعراق واعفاء جنود الولايات المتحدة من عقوبة جرائم الحرب في غضون الاحداث في سجن ابو غريب التي تبين الممارسات التعذيبية للسجناء والاسرى العراقيين من قبل القوات الاميركية في العراق.
أيار 2004: مصر: قام المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة ومركز القاهرة لحقوق الانسان بدعوة الحكومة المصرية لالغاء الاتفاقية الثنائية الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة باتفاقية الحصانة مع الولايات المتحدة في ضوء الوثائق الخاصة بحقوق الانسان، الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، اتفاقيات جنيف ، المعاهدة الخاصة بالالغام، المحكمة العدلية المختصة بجرائم الحرب في البوسنة وروندا ، محكمة العدل الدولية ، اتفاقية روما من اجل المحكمة الجنائية الدولية.
حزيران 2004: البحرين: عقد اجتماع في البحرين ما بين 2 – 4/6/2004 بتنظيم من قبل المنتدى الدولي لحقوق الانسان وبالتعاون مع جمعية حقوق الانسان في البحرين. تناولت الاجندة اتفاقية روما والمستجدات في مجال حماية حقوق الانسان ، قوانين المحكمة والعلاقة بين المحكمة والمحاكم الوطنية ، قضايا الضحايا والعدالة الجندرية وحملة المصادقة على الاتفاقية ودور البرلمانات في تطوير المحكمة والتحديات الدستورية والقضائية من اجل التصديق في العالم العربي . تم ذكر ان الرئيس الاميركي بوش لديه اجندة اخرى تخص الاتفاقيات الثنائية مع دول اخرى بخصوص منح الحصانة للامريكيين والتي تلقى معارضة كبيرة وبين ان الرئيس السابق بيل كلينتون قد وقع اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية ولكن الامور اختلفت عندما استلمت الحكومة الجديدة زمام الامور. بموجب تلك الاتفاقيات الثنائية لن يكون هناك امكانية في تقديم الجنود الامريكيين الى المحكمة الجنائية الدولية حتى ولو اقترفوا جرائم ضد الانسانية.
أما الاجتماع مع مجلس النواب فكان متمركزا حول المسائل المتعلقة بامريكا-اسرائيل-العراق واعرب مجلس النواب عن دعمهم لفكرة اعتماد المعايير الدولية في مواجهة الانتهاكات الخطيرة في مجال حقوق الانسان وشككوا في ان الدول العظمى تتبنى هذا الموقف ايضا.
***
الملحق الرقم (3)
كتب بوش في إحدى المذكرات : من حقي تجاهل اتفاقيات جنيف!
شبكة البصرة: إسلام أون لاين 23/6/2004
نشر البيت الأبيض مئات من الصفحات لوثائق زعم فيها الرئيس الأمريكي جورج بوش أن لديه الحق-وفقاً لدستور بلاده- في عدم الالتزام بالقوانين والمعاهدات التي تناهض التعذيب. وجاء في إحدى الوثائق التي نُشرت الثلاثاء 22-6-2004، صدرت من وزارة العدل الأمريكية عام 2002 أن أوامر الرئيس الأمريكي وفقاً للدستور تتقدم على القوانين والمعاهدات الدولية المناهضة للتعذيب، وبالتالي تبرر هذه الوثيقة استخدام وسائل التعذيب بحق المعتقلين.
وفي هذا الصدد، كتب بوش في إحدى المذكرات التي صدرت من البيت الأبيض، وحملت عنوان «معاملة إنسانية لمعتقلي القاعدة وطالبان» يقول: «أقبل استنتاج وزير العدل والوزارة بأنني أملك وفقاً للدستور الحق في عدم الالتزام باتفاقيات جنيف في أفغانستان، لكني أرفض استخدام هذا الحق في هذا الوقت»، مضيفاً أنه لم يعط «أوامر مطلقاً بممارسة التعذيب».
رامسفيلد أمر بالتعذيب
ونقل موقع (ياهو) على الإنترنت عن تقرير لوكالة آسوشيتد برس الأمريكية أن الوثائق التي تم الكشف عنها تشير إلى أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد رخص لحراس المعتقلات وللمستجوبين بتجريد المعتقلين من ملابسهم وتهديدهم بالكلاب.
ففي وثيقة بتاريخ 27-11–2002، ذكر مسئول بارز في وزارة الدفاع الأمريكية أن رامسفيلد سمح باستخدام لائحة من أساليب الاستجواب بحق معتقلي قاعدة جوانتانامو بكوبا تضمنت 14 أسلوبا منها الصراخ في وجه المعتقل خلال استجوابه والضغط على المعتقل بتعريضه لأوضاع مؤلمة مثل الوقوف لمدد تزيد عن أربع ساعات. وأجاز رامسفيلد في ديسمبر 2002 وسائل إضافية من بينها تعريض المعتقل لأوضاع مؤلمة، مثل استجوابه لفترة تمتد لعشرين ساعة متواصلة، والتجريد من الملابس، واستغلال مخاوف بعض المعتقلين، مثل الخوف من الكلاب للضغط عليهم.
لكن الوثيقة قالت: إن وزارة العدل انتهت من مراجعة وسائل الاستجواب التي يستخدمها المحققون الأمريكان في إبريل 2003، وعلى أساس هذه المراجعة أعاد رامسفيلد إصدار توجيهاته في 16 إبريل 2003، حيث أجاز 24 وسيلة لاستجواب المعتقلين تتفق مع معاهدات جنيف، لكنه استثنى 4 وسائل منها ما اشترط لاستخدامها موافقة مسبقة منه، وهي استخدام أسلوب المكافآت أو إزالة المزايا عن المعتقلين، واستخدام وسائل تعذيب تمس بالكرامة الشخصية، وفصل المعتقل عن المعتقلين الآخرين، والتبديل بين استخدام وسائل استجواب ودية وصارمة مع المعتقل. وذكرت مراجعة شهر إبريل عام 2003 أن تجريد المعتقلين من ملابسهم يمكن أن يثير قضايا قانونية؛ لأنه يمكن أن يفسر على أنه حط من قدر المعتقلين، وهو ما يخالف المعاهدات الدولية المناهضة للتعذيب.
وتعليقا على نشر هذه الوثائق اتهم السيناتور الديمقراطي باتريك ليثي من فيرمونت إدارة بوش بنشر الوثائق بشكل انتقائي يخدم أهدافها. واعتبرت وكالة (آسوشيتد برس) الأمريكية أن خروج هذه الوثائق من البيت الأبيض في هذا التوقيت "يأتي كمحاولة للتقليل من حدة الاتهامات التي وُجهت للإدارة الأمريكية بأنها أجازت تعذيب أسرى تنظيم القاعدة في العراق وأفغانستان". وأضافت الوكالة أن تلك الوثائق تهدف إلى التعامل مع الورطة التي وقعت فيها إدارة الرئيس الأمريكي قبل عام من الانتخابات بسبب الكشف عن انتهاكات تعرض لها المعتقلون في سجن أبو غريب غرب بغداد. وكانت شبكة (سي بي إس نيوز) الأمريكية قد كشفت يوم 28-4-2004 صورًا تم التقاطها بسجن (أبو غريب) أواخر العام 2003، ظهر فيها جنود أمريكيون يضحكون وأمامهم معتقلون عراقيون عرايا أُجبروا على اتخاذ أوضاع مخزية في شكل هرمي. ثم توالت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية في الكشف عن صور ووثائق تظهر قيام عناصر من القوات البريطانية والأمريكية بانتهاكات بحق العديد من السجناء والسجينات العراقيات في سجن "أبو غريب" وغيره من السجون، تضمنت اغتصاب أسيرات.
رامسفيلد وافق على استخدام الكلاب لترويع المعتقلين
ميدل ايست اونلاين 23/6/2004: البيت الأبيض ينشر لائحة بأساليب التعذيب التي أقرت لتعذيب المعتقلين في غوانتانامو وسجن ابو غريب. أشارت مستندات نشرها البيت الابيض إلى أن دونالد رامسفيلد وافق على تجريد المعتقلين في إطار الحرب على الارهاب من ملابسهم وعلى استخدام الكلاب لترويعهم أثناء استجوابهم. وأوضحت المستندات أن رامسفيلد وافق على تلك الممارسات في الثاني من كانون الاول/ديسمبر عام 2002 على ألا تستخدم سوى مع من اعتقلوا في أفغانستان واحتجزوا في جوانتانامو في كوبا. وتشير وثائق وزارة الدفاع (البنتاجون) إلى أن من الاساليب التي وافق عليها رامسفيلد أيضا إجبار المعتقلين على الوقوف على أقدامهم لمدة أربع ساعات وحجزهم انفراديا لمدة 30 يوما وحرمانهم من الضوء وتغطية رؤوسهم واستخدام قدر بسيط من العنف معهم.
لائحة باساليب التعذيب
وقد نشر البيت الابيض لائحة التقنيات المستخدمة في قاعدة غوانتانامو الاميركية في كوبا في نهاية 2002 ضد المعتقلين الذين لا تعتبرهم واشنطن اسرى حرب.
- الصراخ (ليس في الاذن مباشرة). - الخداع (عن طريق شخص يقدم نفسه على انه صديق). - العزل والابعاد عن المعتقلين الآخرين. - الاستجواب في مكان آخر غير المكان الاعتيادي. - الحرمان من الضوء (استخدم مصباح احمر). - التسبب بضغط عصبي (استخدام محققة انثى وليس محققين ذكور). - عمليات استجواب لمدة عشرين ساعة. - مصادرة كل الاغراض الشخصية بما في ذلك الدينية. - تقديم وجبات طعام جاهزة مخصصة للعسكريين بدلا من الوجبات الساخنة. - حلق شعر الرأس واللحية. - استخدام وثائق او تقارير كاذبة.
وبين التقنيات الاخرى التي سمح بها وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفلد في كانون الاول/ ديسمبر ولم تدرج على لائحة التقنيات هذه:
- فرض اوضاع منهكة لمدة لا تتجاوز اربع ساعات (مثل الوقوف). العزل لمدة لا تتجاوز ثلاثين يوما. - الحرمان من الضوء. - تغطية الرأس خلال النقل والاستجواب. - التجريد من الملابس. - التسبب بضغط عصبي عبر تخويف السجناء (بالكلاب مثلا). - استخدام (ضغط جسدي) خفيف وبدون التسبب بجروح.
وقد تراجع رامسفلد في منتصف كانون الثاني/يناير 2003 عن السماح بهذه الوسائل وطلب اعادة تقييمها. ووافق بعد ذلك في 16 / 4/ 2003 على 24 وسيلة للاستجواب في غوانتانامو، سبعة منها واردة في كتيب الجيش. واربع من هذه الوسائل تتطلب ابلاغ رامسفلد ليتمكن من الاعتراض او الموافقة عليها لكل حالة على حدة. وهي: - وسائل معاقبة ومكافأة بالتناوب - وسائل تمس بالكرامة الشخصية - تقنية الشرطي الطيب/الشرير - الفصل عن المعتقلين الآخرين
***
الملحق الرقم (4)
محقق بـCIA: الإدارة الأمريكية أقرت استخدام الوحشية مع الأسرى الأفغان
13/ 4/ 2005: مفكرة الإسلام: اعترف أحد المحققين بوكالة المخابرات المركزية CIA بأن المعاملة الوحشية التي تلقاها الأسرى الأفغان في العام 2003، الذين قضوا نحبهم فيما بعد، كانت بموافقة من الإدارة الأمريكية. وصرح محامي موظف وكالة المخابرات المركزية ديفيد باسارو المتهم في قتل أحد المحتجزين في قضية الحرب على ما يسمى بالإرهاب، إنه سيدعو المستشار القانوني لنائب الرئيس ديك تشيني ومسؤولين سابقين كبار بوزارة العدل، ومدير وكالة المخابرات المركزية السابق جورج تينيت، والمدعي العام ألبيرتو آر. جونزاليس كشهود في دفاعه عن موكله. وحسب صحيفة واشنطن بوست فإن هذا الموقف من قبل المتهم باسارو يهدف إلى إقناع المحكمة بأن السلوك الوحشي في استجواب الأسرى الأفغان تم وفق سياسة مسؤولي الإدارة الأمريكية ومن بينهم الرئيس بوش.
ويأتي هذا الاتهام من قبل باسارو للإدارة الأمريكية ليتناقض مع كلام جون أشكروفت، في شهر يونيو 2004، عن فضائح التعذيب الأمريكي في سجن أبو غريب بالعراق. وكان باسارو قد اتهمه بأنه أساء استجواب الأسرى الأفغان، وأكد آشكروفت أن أمثال باسارو لا يمثلون إلا فئة قليلة من الخائنين للقيم والسياسات الأمريكية. وكان محامي باسارو قد صرَّح بأن موكله استعمل القوة بشكل ضروري ومناسب أثناء استجوابه للأفغاني عبد الولي، أما الجانب الحكومي فقد أنكر بأن أيًّا من المسؤولين صدق على الممارسات التي ارتكبت من قبله.
وفي الحالات المشابهة في الإساءة للسجناء العراقيين، أراد أفراد الجيش استدعاء كبار المسؤولين في وزارة الدفاع كشهود، لكن طلبهم قوبل بالرفض من قبل القضاة العسكريين، ولا يعلم إذا ما كانت محاولة باسارو استدعاء المسؤولين الكبار في الإدارة الأمريكية أمام محكمة مدنية سيقابل بالرفض أم لا.
وكانت قضية باسارو قد بدأت بعد وصوله إلى القاعدة الأمريكية في مدينة أسد أباد الأفغانية على الحدود مع باكستان، حيث تعرضت القاعدة لهجمات متكررة بالصواريخ وقذائف الهاون في شهر يونيو لعام 2003. وفي اليوم التالي لوصوله ألقت القوات القبض على عبد الولي وقام باسارو باستجوابه خلال التاسع عشر والعشرين من شهر يونيو، وفي الحادي والعشرين من نفس الشهر عثر على عبد الولي ميتًا في زنزانته بالقاعدة الأمريكية.
ومن جهته استشهد محامي باسارو ببيان المدعي العام جونزاليس الذي كان مستشارًا للبيت الأبيض حينها، عندما قال في مؤتمر صحفي في الثاني والعشرين من شهر يونيو: إن جميع أساليب الاستجواب التي سمح لوكالة المخابرات المركزية باستعمالها ضد القاعدة وطالبان قانونية ولا تشمل تعذيبًاً. كما صرح المحامي بأن استجواب عبد الولي جاء في إطار الهدف الإستراتيجي الذي وضعه بوش في دعوته لتقديم الإرهابيين للعدالة، واستشهد بمذكرة وزارة العدل الصادرة في أغسطس عام 2003، والتي جاء فيها أن المتهم الذي تصرف وفق تعليمات السلطات الدستورية في الاستجواب لا يحاكم جنائيًا.
***
الملحق الرقم (5)
التعذيب سياسة أمريكية تستهين بالقوانين الدولية
www.bbcarabic.com
قالت منظمة هيومان رايتس وتش إن التعذيب والإساءة اللذين تعرض لهما أسرى عراقيون بسجن أبو غريب على أيدي جنود أمريكيين مورسا بناء على قرار بالتحايل على القانون الدولي. وأوضحت أن «مظاهر الرعب» التي صورت في سجن أبو غريب ببغداد كانت إفرازا لسياسة ترمي إلى الضرب باتفاقيات جنيف عرض الحائط.
وفي المقابل، أكدت إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش، أن أعمال الإساءة كانت مجرد تصرفات فردية. وطالبت (هيومان رايتس وتش) الحكومة الأمريكية بإثبات هذا الإدعاء بنشر كافة الوثائق الحكومية المتعلقة بالأمر. وقالت في تقرير أصدرته: «وقعت أحداث أبو غريب نتيجة لقرارات أصدرتها إدارة بوش بتنحية القواعد». وأكدت «أن الانتهاكات التي ارتكبت في أبو غريب نفذت بناء على قرار من الإدارة الأمريكية بتجاهل القوانين المحلية والدولية بعد الهجمات التي تعرض لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول عام 2001». وأوضحت أن هذا القرار دفع الولايات المتحدة لتشييد سجون خارج البلاد تخرج عن حدود المعقول بما فيها معتقل جوانتانامو وارسال المعتقلين إلى دول أخرى حيث تنتزع منهم المعلومات بالقوة. وقال ريد برودي أحد محامي المنظمة: «كان الفكر السائد هو أن أي شيء يمكن عمله».
ويقول تقرير هيومان رايتس وتش إن الولايات المتحدة قررت أيضا تجاهل القوانين الأمريكية ذاتها وقوانين حقوق الإنسان وذلك من خلال ممارسة التعذيب والإذلال على المعتقلين للحصول منهم على معلومات. ويعد الحرمان من النوم لمدة طويلة وتغطية وجوه السجناء وتجريدهم من ملابسهم ضمن الأساليب التي بدأت الولايات المتحدة في انتهاجها. وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة تجاهلت في العامين الماضيين إتخاذ أي رد فعل إزاء مزاعم بممارسة التعذيب والإساءة للمعتقلين إلى أن أدى نشر الصور التي التقطت في سجن أبو غريب إلى إثارة حفيظة المجتمع الدولي.
***
الملحق الرقم (6)
سياسة امريكية أم ممارسات شاذة؟
بول رينولدز مراسل بي بي سي نيوز اونلاين للشؤون الدولية
ثمة سؤال في حاجة الى اجابة بعد موجة الغضب التي تفجرت بسبب ما ذكر عن سوء معاملة السجناء العراقيين، والسؤال هو الى أي مدى لا تزال مسألة تحطيم معنويات السجناء تمثل جزءا من السياسة الامريكية.
وقد كلف الميجور جنرال جيفري ميلر بادارة سجن ابو غريب القريب من بغداد، بعد أن كان مديرا لمنشأة الاحتجاز الامريكية في خليج جوانتانامو في كوبا. وقال ميلر للصحفيين الذين تفقدوا سجن ابو غريب ان وسائل حرمان السجناء من حواسهم لن تستخدم الا بعد «تصديق» جنرال من القوات العراقية عليها. وقال «سندقق عن كثب في الوسائل الاكثر قسوة لكنه لم يقل ان القوات الامريكية ستتوقف عن استخدامها». لكن ميلر قال: ان اتفاقية جنيف ستطبق في العراق. ولا تطبق هذه الاتفاقية في جوانتانامو رغم ان وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) تقول ان «روح» الاتفاقية يحترم هناك. والجنرال ميلر ليس غريبا على سجن ابو غريب. فقد زاره لمراجعة عملية التعامل مع السجناء . واعلن عن النتائج التي توصل اليها في تقرير هذا العام وضعه الميجور جنرال انطونيو تاجوبا بشأن الانتهاكات في سجن ابو غريب.
واستخدم التقرير عبارات ملطفة في وصف النتائج التي توصل اليها الجنرال ميلر لكن المعنى كان واضحا بدرجة كافية ويشير الى ان السجناء يجب اعدادهم للاستجواب. وجاء فيه: ركز فريق الميجور جنرال ميلر على ثلاثة محاور هي التكامل والتزامن والاندماج بين اجهزة المخابرات وعمليات الاستجواب وعمليات الاحتجاز». كما «كان التركيز الرئيسي للفريق الذي يقوده الميجور جنرال ميلر على الاستجواب الاستراتيجي للمحتجزين والمعتقلين في العراق. ومن بين النتائج التي توصل اليها ووضعها في الملخص التنفيذي هي ان الجيش الامريكي في العراق لم يتمتع بسلطات ولم يطبق اجراءات للتأثير على استراتيجية موحدة للاحتجاز والاستجواب والحصول على معلومات من المحتجزين والمعتقلين هناك. يشير الملخص التنفيذي ايضا الى ان عمليات الاحتجاز يجب ان تكون عاملا مساعدا في عملية الاستجواب». وتعني كلمات «التكامل» و «التزامن» و«الاندماج» وعبارة «عامل مساعد في عملية الاستجواب» الى انه يتعين على الضباط اعداد السجناء للاستجواب باخضاعهم لاساليب تحطيم المعنويات.
وقال التقرير «ذكر الميجور جنرال ميلر ان الهدف من عمليات الاحتجاز هو توفير بيئة آمنة وانسانية من اجل جمع معلومات استخباراتية بشكل سريع». لكن التقرير ذكر ايضا انه «من الضروري ان تنخرط قوة الحراسة في توفير ظروف تضمن نجاح عملية استغلال المعتقلين».
لكن هل تجاوز الحراس في سجن ابو غريب الذين التقطوا صورا لانفسهم اثناء العمل الحد المسموح في اتباع تعليمات جنرال لتوفير ظروف تضمن نجاح عملية استغلال المعتقلين». وتظهر صورة سابرينا هارمان المجندة بالشرطة العسكرية وهي تبتسم خلف هرم من الاسرى العراة ان هذه العملية جزء من سياسة يجري اتباعها.
ونسبت صحيفة واشنطن لهارمان قولها في رسالة بالبريد الالكتروني ان الهدف كان تحطيم معنويات السجناء من اجل استجوابهم. وكتبت «إذا كان السجين متعاونا بوسعه الاحتفاظ بملابسه والسماح له بالتدخين عند الطلب او حتى الحصول على طعام ساخن. لكن إذا لم يعط السجين للمحققين ما يريدونه فانه يحرم من كل ذلك حتى تقرر المخابرات العسكرية». و«كانت مهمة الشرطة العسكرية هي جعل السجناء في حالة استيقاظ دائم وتحويل حياتهم الى جحيم».
ويجري الآن فحص قضية الاستجواب عن طريق اجراء تحقيق آخر يقوده هذه المرة الميجور جنرال جورج فاي. وكما قال وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد خلال جلسة استماع بالكونغرس بشأن عمليات التعذيب المزعومة فان هناك المزيد من الانتهاكات لم يكشف عنها. وحذر السناتور الجمهوري لينزي جراهام خلال الجلسة من ان هناك انتهاكات اخرى قد تتعلق «بالاغتصاب والقتل».
والجدير بالملاحظة هو ان عضوا واحدا فقط بالكونغرس هو السناتور الديمقراطي كارل ليفين سأل رامسفيلد عن ذلك بينما استخدم اعضاء كثيرون معظم الوقت المخصص لهم في القاء كلمات كما يحدث في بعض الاحيان في جلسات الاستماع بالكونغرس. وحدد ليفين المشكلة وقال ان الصور تمثل جزءا من سياسة تتبعها الولايات المتحدة.
واشار احد الاعضاء الى التأثير المفجع للمعاملة البريطانية للمشتبه في انتمائهم للجيش الجمهوري الايرلندي عندما كانوا يحتجزون بدون محاكمة في بداية السبعينات من القرن الماضي. حيث كان الجيش البريطاني قد نفَّذ ما يطلق عليها اساليب «الحرمان الحسي» التي تهدف الى تحطيم مقاومة السجين قبل واثناء الاستجواب. ومن هذه الاساليب العزل والتعرض للضوضاء وتغطية الرأس والحرمان من النوم والمتاعب البدنية مثل اجبار المحتجزين على الاستمرار في الوقوف.
وطورت وكالة المخابرات المركزية الامريكية اساليب مماثلة. ويصف دليل ارشادي امريكي عنوانه دليل استغلال الموارد البشرية التدريبي-1983 بعضا من هذه الاساليب وصدر بمقتضى قانون حرية التعرف على المعلومات في عام 1997. وتشمل الاساليب التهديد باستخدام القوة ضد الاقارب وتعصيب العينين وتعرية السجناء. واضيف الى الاساليب التي استخدمت في سجن ابو غريب الانتهاكات الجنسية التي يعتقد الجنود انها فعالة جدا في العالم العربي. ويخضع الجنود الامريكيون والبريطانيون انفسهم لهذه الاساليب بشكل منتظم لمساعدتهم على مقاومة الاستجواب.
***
الملحق الرقم (7)
محامي الدفاع: صور أبو غريب لا تثبت الإساءة
www.bbcarabic.com
قال محامي الدفاع عن تشارلز جرينر الجندي الأمريكي المتهم بالإساءة للمعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب إن الصور المهينة لأكوام من البشر عراة فوق بعضهم البعض وغيرها من الإهانات لا تثبت أن إساءات أو تعذيبا قد حدث لهؤلاء المعتقلين على يد الجنود الأمريكيين.
ويذكر أن الجندي تشارلز جرينر يواجه محاكمة عسكرية لدوره في الإساءات التي مورست في سجن أبو غريب ضد المساجين العراقيين . وقال محامي الجندي الأمريكي إن الانتهاكات التي ارتكبت تعد وسائل شرعية للسيطرة على السجناء. وقال جاي ووماك ممثل الدفاع عن الجندي تشارلز جرانر إن كبار المشجعين الأمريكيين غالبا ما يكونون أهراما بشرية. وتساءل ووماك في بداية دفاعه: «هل هذا تعذيب؟». ونفى جرانر أنه مذنب في اتهامات إساءة معاملة السجناء والاعتداء عليهم. وتصل عقوبة هذه التهم السجن لمدة تصل إلى 17 عاما. وكان جرانر قد ظهر في عدة صور تظهر انتهاكات لسجناء عراقيين عراة. وعرض الادعاء بعضا من هذه الصور على هيئة المحكمة العسكرية التي عقدت في قاعدة فورت هود العسكرية بولاية تكساس.
أداة مشروعة
وفي بداية حديثه وصف الميجور مايكل هولي، ممثل الادعاء، شرح بعضا من الانتهاكات التي قال إن جرانر ارتكبها. وقال إن جرانر أخذ يضرب سجينا عراقيا بهراوة حتى توسل إليه السجين أن يقتله رأفة به، وإنه أجبر السجناء على محاكاة أفعال جنسية مشينة.
وفي إشارة إلى الصور التي تظهر جرانر وهو يقف بجوار مجموعة من السجناء العراقيين العراة وقد ألقوا فوق بعضهم البعض على شكل كومة قال محاميه إن «الأهرامات» يمكن استخدامها بشكل مشروع «كأساليب للسيطرة». ومن بين الصور التي أثارت الفضيحة بشأن انتهاكات سجن أبو غريب تلك التي ظهر فيها جرانر وهو يشير بعلامة استحسان فوق جثة معتقل ويبدو وهو يلكم سجينا آخر مغطى الرأس.
وأظهرت صورة أخرى المجندة ليندي إنغلاند، التي أنجبت طفلا من جرانر، وهي تقود سجينا بحبل مربوط حول عنقه. وقال ووماك إن القيود حول العنق «أداة مشروعة» في التعامل، ليس فقط مع السجناء، بل مع الأطفال أيضا. وأضاف: «ربما أمكنكم رؤية أطفال مربوطين بالقيود في المطارات أو المجمعات التجارية». وقال إن الجنود التقطوا صورا لبعضهم البعض «لأن أحدا منهم لم يفعل شيئا يعتقد أنه خطأ».
وقال ووماك إن المجند جرانر تلقى أوامر من رؤسائه المباشرين. وأضاف: «كان يقوم بعمله. اتبع الأوامر وتلقى المديح عن تنفيذه لها». وقال ووماك إن حراس السجن شٌجعوا على «التعامل بعنف» مع السجناء قبل استجوابهم وأنهم كانوا يتبعون ما كانوا يعتقدون أنها أوامر قانونية.
واختيرت هيئة المحلفين، المكونة من أربعة من ضباط الجيش وستة من قدامى المجندين، قبيل المحاكمة العسكرية. وذكرت وكالة أسوشيتد برس للأنباء أن كل أعضاء هيئة المحلفين خدموا إما في العراق أو في أفغانستان.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) وإدارة بوش قد أصرت على أن الانتهاكات نتيجة لمجموعة متمردة من الجنود في السجن.
لكن منتقدين يقولون إن ما حدث يتجاوز ذلك بكثير وإنه يتعين محاسبة مسؤولين وضباط كبار.
***
الملحق الرقم (8)
تقرير شليزينجر: فوضى في سجن أبو غريب
(أرشيف بي بي سي)
يتوقع أن يصدر تقرير عن الجيش الأمريكي حول الانتهاكات في سجن أبو غريب كما يتوقع أن يحمل عددا إضافيا من العسكريين مسؤولية الانتهاكات. وقد وجهت تهم لسبعة جنود حتى الآن. ويأتي التقرير بعد يوم من تحميل تقرير شليزينجر شخصيات من البنتاجون جزءا من المسؤولية مع تحميل المسؤولية المباشرة لجنود في سجن أبو غريب وقادتهم الميدانيين. وستطال اتهامات لجنة التحقيق التابعة للجيش دائرة أوسع مما ترغب وزارة الدفاع الأمريكية.
وكان تقرير اللجنة التي عينها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إنه كانت هناك فوضى في سجن أبو غريب في العراق. وكان رامسفيلد قد عين اللجنة، التي رأسها وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس شليزينجر، في مايو/أيار لمراجعة فضيحة الانتهاكات التي تعرض لها السجناء العراقيون على أيدي القوات الأمريكية بالسجن. وقال التقرير إنه لم تكن هناك سياسة رسمية لانتهاك السجناء في هذا السجن. غير أن التقرير قال إن إساءة معاملة النزلاء جاءت نتيجة إخفاق في القيادة وعدم انضباط.
وقال شليزينجر إنه بينما تقع المسؤولية المباشرة على عاتق القادة على المستوى المحلي، فإن المسؤولية المؤسسية والشخصية عن الانتهاكات تصل عبر تسلسل القيادة إلى واشنطن. وتابع قائلا: لم تكن الانتهاكات مجرد إخفاق من جانب بعض الأفراد في اتباع معايير معروفة، وهي تتجاوز مجرد إخفاق قلة من القادة في تطبيق الانضباط السليم". وأضاف ثمة مسؤولية مؤسسية وشخصية على مستويات أعلى.
ولم يشر التقرير إلى أن رامسفيلد ربما أمر بأي من تلك الانتهاكات أو فعل أي شيء لتشجيعها. غير أنه أشار إلى أن سياسات رامسفيلد خلقت بعض التخبط على المستويات الأدنى من الجيش.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقد للكشف عن النتائج التي خلص إليها التقرير، اتفق شليزينجر وزملاؤه في اللجنة التي عينها رامسفيلد، إلى أنه بالإمكان الثناء على رامسفيلد للطريقة التي تعامل بها مع التحقيق. وأضاف قائلا: إن استقالة رامسفيلد ستكون مكافأة تفيد أعداء الولايات المتحدة.

بيت للحيوانات
كما قال شليزينجر إن السجن كان لنزلاء مدنيين ولم يكن مناسبا للأعداد التي أودعت فيه في نهاية الأمر. وإن حراس السجن لم يتلقوا التدريب المناسب للقيام بالمهمة، بينما لم يقم قادتهم بالإشراف المناسب. وإن النوبات الليلية شهدت عمليات سادية منظمة. وأن السجن كان أشبه ببيت للحيوانات. وكانت هناك تجاوزات قام بها بعض حراس النوبة الليلية في أبو غريب، ومن بينها التقاط صور للسجناء. ويذكر أن رامسفيلد عين اللجنة المكونة من أربعة أفراد للنظر في الانتهاكات التي وقعت في السجن ما بين أكتوبر/تشرين أول وديسمبر/كانون أول 2003.
***
الملحق الرقم (9)
ضباط أميركيون: تعرية السجناء في أبو غريب ممارسة يومية وليست أحداثا منعزلة
9/ 6/ 2004: الشرق الأوسط: نيويورك: زيرنايك وديفيد رود (خدمة «نيويورك تايمز)
في الأسابيع التي أعقبت نشر صور السجناء العراة وكشف فضيحة انتهاكات أبو غريب، صور المسؤولون العسكريون الإذلال الجنسي المجسد في الصور باعتباره أفعالا فردية منعزلة خلال فترة تبديل النوبة الليلية. ولكن إرغام السجناء على التعري في وحدة الاستخبارات العسكرية بأبو غريب كان يتم بطريقة بحيث أن الجنود قالوا لاحقا بأنهم لم يشاهدوا «عرض التعري بكامله» كما سماه أحد المسؤولين العسكريين باعتباره انتهاكا أو شيئا خارج المألوف.
وبينما كانت هناك تقارير عن إرغام المعتقلين على التعري في معسكرات الاعتقال في أفغانستان وخليج غوانتانامو بكوبا، فان الممارسة كانت أكثر عدوانية في أبو غريب وفقا لمقابلات وتقارير جماعات لحقوق الإنسان وشهادات معتقلين وجنود. وقال المعتقلون ان ترك السجناء عراة بدأ في يوليو الماضي قبل ثلاثة أشهر من وصول الجنود السبعة المتهمين الآن وشركة الشرطة العسكرية التي ينتمون إليها إلى سجن أبو غريب. وكان ذلك حسب بعض الجنود يعكس ثقافة يمكن ان يجري تصويرها في فيلم.
وكان السجناء يعرضون عراة أمام سجناء وحراس آخرين، بينما كان يجري إرغام بعضهم على القفز أو الغناء. وقد جرت تعرية أب وابنه وإرغامهما على الوقوف والنظر إلى بعضهما البعض. واكتشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي زارت السجناء في أكتوبر ان سجناء تركوا عراة في زنازينهم لمدة أيام.
ومن غير الواضح كيف ظهرت الممارسة ومن الذي أعطى تفويضا بها إذا ما كانت سياسة رسمية. وقد ابلغ توماس باباس ضابط الاستخبارات العسكرية المسؤول عن التحقيقات في السجن محققي الجيش بأن السجناء ربما جرت تعريتهم وتقييدهم لأغراض الاستجواب، ولكن ليس بدون «مبرر مقبول». وعندما حذر مراقبو الصليب الأحمر من خطر ترك السجناء أو إرغامهم على التحرك خارجها وهم عراة قالوا ان مسؤولي الاستخبارات العسكرية أكدوا ان ذلك جزء من العملية الاستخباراتية العسكرية.
وقال محلل من كتيبة الاستخبارات العسكرية 205، مشترطا عدم الإشارة إلى اسمه خشية من التعرض إلى عقاب، انه «إذا ما سرت في الجناح الذي يعتقل فيه السجناء ستجد سجناء عراة. وفي بعض الأحيان يمكن أن يكونوا واقفين على صناديق ورافعين أذرعهم. وكان ذلك يحدث كل ليلة تقريبا. ولن أقول ان ذلك انتهاك، بل انه إذلال بالتأكيد.
إن التعري يعتبر ممارسة مخزية في الثقافة الإسلامية، وانتهاكا للمبادئ الدينية. وبينما يعتبر التعري كوسيلة انضباطية أمرا مرفوضا تماما بالنسبة للمسلمين فانهم نادرا ما كانوا الضحايا الوحيدين لهذه الممارسة. فالجنود في ألمانيا النازية كانوا يعرضون السجناء عراة في النهار. وكانت كراسات التدريب للمخابرات المركزية من الستينات حتى الثمانينات تعلم تعرية السجناء كوسيلة في التحقيق. كما كانت هناك تقارير عن التعري والإذلال الجنسي في سجون أميركية حيث كان يعمل بعض من حراس سجن أبو غريب.
وظهرت شكاوى حول الإذلال الجنسي في أفغانستان. فقد قال سبعة من الرجال السجناء في مركز الاعتقال الرئيسي في باغرام، حيث يجري التحقيق حاليا في موت اثنين من السجناء واتهامات بممارسة انتهاكات، قالوا في مقابلات أجريت معهم أخيرا انه خلال فترات مختلفة من ديسمبر 2002 إلى أبريل 2004 أخضعوا إلى فحص أعضائهم التناسلية وأرغموا على تغيير ملابسهم والاستحمام أمام مجندات.
وقال عبد الله خان ساهاك الذي أطلق سراحه من المعتقل الأميركي يوم 19 أبريل الماضي وكان قد صور عاريا في أفغانستان أنا في الخمسين من عمري. كانت لحظة في غاية الصعوبة بالنسبة لي. كانت تعني الموت. وأضاف لم نكن نعرف ما إذا كان الأمر لأغراض الفحص الطبي أم انهم كانوا مغرورين بأنفسهم تماما. ولكن إذا كان طبيا لماذا يخلعون ملابسنا أمام النساء ؟ نحن أفغان ولسنا أميركيين. وفي مناسبتين أو ثلاث قال الرجلان ان النساء كن يعلقن لبعضهن البعض حول مشاهدة هذا السجين أو ذاك، مضيفين أنهن كن يضحكن كثيرا ويسخرن من السجناء وهم يستحمون.
وفي الزيارات التي قامت بها إلى مراكز الاعتقال والسجون في العراق شخصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قسم الاستخبارات العسكرية في أبو غريب باعتباره مكانا يمارس فيه التعري في إطار طريقة «منظومة» من المعاملة السيئة. وبالمقارنة قالت اللجنة انها لم تكن قد سمعت أية شكاوى بشأن «إساءة المعاملة الجسدية» في كامب بوكا، وهو مركز اعتقال كبير آخر يقع في أم قصر جنوب العراق.
وكانت هناك قائمة من أساليب التحقيق قد أرسلت إلى أبو غريب في سبتمبر الماضي تشير إلى ما هو مقبول وما يحتاج إلى تفويض خاص، ولم تذكر أسلوب ترك السجناء عراة. وقال ضابط كبير: لم تكن هناك سلطة تحقيقية تمنح موافقة على نزع كل ملابس السجين عنه.
***
الملحق الرقم (10)
هيومان ريتس تؤكد تورط قادة أمريكيين في فضيحة أبوغريب
24/ 4/ 2005: مفكرة الإسلام:
حمل تقرير خطير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية الحقوقية كبار قيادات وزارة الحرب الأمريكية [البنتاجون] المسؤولية عن تعذيب الأسرى في سجن أبوغريب وبقية السجون في العراق وأفغانستان وجوانتانامو، بمن فيهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ورئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية الأسبق جورج تينيت.
إلا أن البنتاجون في استباق ملحوظ لردود الفعل المحلية والدولية على التقرير المفجع، على حد تعبير أحد الساسة الديمقراطيين، قامت بتسريب بعض المعلومات عن تقرير آخر تمت فيه تبرئة جميع القيادات العسكرية وكبار الضباط من القيام بأخطاء أو المسؤولية عن قضايا التعذيب للمعتقلين في العراق وأماكن أخرى. ولم يحمل تقرير البنتاجون الجنرال ريكاردو سانشيز و4 قيادات غيره أي مسؤولية.
وجاء في تقرير البنتاجون، والذي كان من المفترض ألا يعلن إلا بعد تسليمه للكونغرس، أن أي حديث حول فشل تلك القيادات في منع أو وقف أي تعذيب ليس له أي أساس من الصحة، وهو ما يتناقض بشكل واسع مع ما توصل إليه تقرير هيومن رايتس ووتش، الذي حمل عنواناً يدلل على مضمونه حول مسؤولية القيادات الأمريكية عن التعذيب وإفلاتهم بالجريمة من دون عقاب.
وقال فادي القاضي المسؤول في المنظمة الحقوقية معقباً حول معنى قيام البنتاجون بتسريب تقريرها حول تحقيقات التعذيب: أعتقد أن جزءاً مما حدث فيه استباق، رغم عدم وجود دليل على ذلك، ولكن تقرير البنتاجون ليس بالضرورة أن يتم اعتباره تبرئة للقيادات الأمريكية من جرائم التعذيب، بل على العكس يجعل من مطالبتنا في تقريرنا بتعيين مدعٍ عام مستقل للتحقيقات في جرائم التعذيب ضرورة.
وأشار في تصريح لصحيفة [الخليج] إلى أن تحقيقات البنتاجون ينقصها الاستقلالية في معالجة اتهامات تطال مسؤولين كبارا، فتعيين مدعٍ عام مستقل بعيداً عن تناقض المصالح يبقى أمراً ضرورياً. وأوضح أنه بحسب القوانين الدولية، ولا سيما اتفاقية جنيف، فإن المسؤول بإمرة آخرين يعد مسؤولاً عن أي جرائم يرتكبها آخرون تحت إمرته، ولا تجوز هنا حجة أو مبرر أنه كان لا يعلم، لذا فالمسؤولية عن التعذيب مسؤولية قيادية تتحملها القيادات، وبالتحديد وزير الحرب دونالد رامسفيلد ورئيس الاستخبارات الأسبق جورج تينيت والجنرال ريكاردو سانشيز والجنرال جيفري ميللر.
وأورد تقرير المنظمة المؤلف من 93 صفحة، فظائع التعذيب ومسؤولية القيادات العسكرية الأمريكية عنها، وحدد مسؤولية القيادات بالاسم، وانتقد تحقيقات البنتاجون في قضايا التعذيب، إذ لم تقم بها جهات مستقلة أو حيادية، بل تولى الجيش الأمريكي هذا التحقيق. كما أورد التقرير تفاصيل قيام ال سي. آي. ايه بنقل ما بين 100 و150 معتقلاً ومختطفاً حول العالم، وذلك تحت لافتة ومبرر الحرب الأمريكية على الإرهاب، حيث لا يعرف أحد عن المعتقلين شيئًا. وأكد التقرير أن المسؤولين الأمريكيين اعتادوا إنكار ونفي المسؤولية واستنكار ما يحدث بالكلام والتصريحات فقط من دون أي فعل حقيقي.
وطالب التقرير بتحقيقات في أفغانستان والعراق وجوانتانامو، لأن القيادات الأمريكية، بمن فيها رامسفيلد وكبار قياداته العسكرية وكبار الضباط، حسب القانون الدولي، يتحملون ما يعرف بمسؤولية القيادة. وأوصى بالتحقيق مع هؤلاء عن جرائم الحرب والتعذيب وإساءة معاملة المعتقلين.
***
الملحق الرقم (11)
دور المرتزقة في العراق
ملخص لدراسة وضعها اللواء ركن (م): حسام الدين محمد سويلم: مجلة الحرس الوطني السعودية: « خصخصة الحروب: شركات الأمن الخاصة ودور المرتزقة في حرب العراق»:
مع توالي سقوط القتلى من عسكريين أجانب لا ينتمون لقوات التحالف في العراق، بدأت العيون تتفتح على حقيقة وجود قوات مرتزقة استخدمتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا للمشاركة في استكمال تنفيذ أهدافهما السياسة والاستراتيجية في هذا البلد. وبما أن الخسائر البشرية التي وقعت في صفوف هؤلاء المرتزقة أصبحت أكبر من أن يمكن إخفاؤها، ولأن البديل لذلك هو إلحاق أرقام هؤلاء القتلى على أرقام الخسائر البشرية لقوات التحالف النظامية، في مقدمتها القوات الأمريكية والبريطانية، فإن الولايات المتحدة لم يكن أمامها بدّ من أن تعترف بوجودهم ، إلا أنه بسبب تعارض استخدام هذه العناصر مع القانون الدولي، فإن واشنطن لجأت إلى محاولة تجميل وجههم، فاستخدمت كلمة شديدة البراءة وفي نفس الوقت حمالة للعديد من المعاني التي ترتبط في الذهن بأنشطة تصل الى حد النبل مثل كلمة (مقاولون) أو (متعهدون) لتنفيذ أعمال إعادة إعمار العراق.
وقد بدأت تتكشف حقيقة استعانة وزارة الدفاع الأمريكية بشركات تجلب مرتزقة من أنحاء مختلفة من العالم، وتكلفها بأعمال في العراق لقاء أجور عالية، وأن هؤلاء المرتزقة مجهزون بكافة أنواع الأسلحة الحديثة بما فيها الطائرات والمروحيات. تكشفت هذه الحقائق بعد أن أثار خبراء عسكريون وبعض قيادات الحزب الديموقراطي تحذيرات من النمو المتضخم لدور شركات الأمن الخاصة في العراق. فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن أن السيناتور جاك ريد عن ولاية رودايلاند وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، كتب في منتصف إبريل 2004 خطاباً إلى رونالد رامسفيلد وقعه 12 من أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين يقولون فيه إن إسناد مهمة حفظ الأمن في العراق إلى شركات بعقود خاصة يثير تساؤلات خطيرة، وتضيف صحيفة النيويورك تايمز أن تدفق الشركات الصغيرة وفاقدة الخبرة على العراق قد ساهم في إيجاد مناخ من الفوضى في هذا البلد الممزق.
أولاً: شركات الخدمات العسكرية الخاصة في العراق، ومهامها:
بدا يظهر في بغداد منذ إبريل 2004 أن شركات الخدمات العسكرية الخاصة الأمريكية والبريطانية قد أقامت لها مكاتب في العاصمة العراقية، وأن هذه الشركات التي بلغت العشرات قد جلبت آلافاً من المرتزقة من أنحاء العالم، وأن رجالها المكلفين بعمليات الأمن يتحركون بعربات مدرعة ومسلحون بأحدث الاسلحة القتالية، ويستخدمون مروحيات هجومية واقتحامية، ويقدر عددهم بحوالي 30 ألف رجل، منهم 15000 حارس أمن، بينهم 6000 مسلحون. بالإضافة الى القوات الامريكية في العراق ويصل عددها إلى 130 ألف جندي وقد قامت بعض هذه الشركات بتشكيل قوات خاصة من جانبها بمهام رد الفعل السريع، كذلك تم تكوين مجموعات مخابرات خاصة بها للقيام بمهام جمع وتحليل معلومات يومية عن المناطق الساخنة في العراق.
وتقول صحيفة النيويورك تايمز أن وزارة الدفاع الأمريكية تعتمدا على شركات الامن الخاصة للقيام بمهام اساسية يكلف بها العسكريون لكونها ذات طبيعة قتالية بحتة، بالإضافة إلى حراسة المنشآت والمباني العديدة التي تشغلها قوات ومؤسسات الاحتلال الامريكي في العراق، فقد طلب من هذه الشركات توفير أمن خاص لبول بريمر، رئيس سلطة الاحتلال السابق، قبل تسليم السلطة الى العراقيين في 30 يونيو 2004. وتقوم حاليا بحراسة مقر السفارة الامريكية وتوفير الامن الشخصي للسفير الامريكي في العراق (جون نيجرو بونتي)، هذا إلى جانب حراسة قوافل الإمدادت العسكرية عند عبورها المناطق التي يواجه فيها الامريكيون مقاومة شديدة، بين الفلوجة والرمادي وبعقوبة، وأيضا للدفاع عن المواقع المهمة المحلية في المدن، بالإضافة لحراسة المنطقة الخضراء في قلب بغداد، وهي مركز السلطة الامريكية في العراق. وتكلف هذه العناصر من المرتزقة بمداهمة الاماكن التي تشير معلومات الاستخبارات الى وجود عناصر قيادية وكوادر أساسية من المقاومة العراقية فيها، والمواقع التي تخزن فيها أسلحتها وذخائرها وتجهز فيها العربات المفخخة. هذا الى جانب قيام متخصصين في هذه الشركات باستجواب المعتقلين العراقيين في السجون والمعتقلات التي أقامتها سلطة الاحتلال، وذلك بما لديهم من خبرة سابقة في عمليات التعذيب وانتزاع الاعترافات، وهو الأمر الذي كشفت عنه فضيحة سجن أبو غريب.
ولقد بلغت هذه (الصناعة) الجديدة في أعمال شركات الخدمات العسكرية الخاصة ذروتها مع الإعداد والتجهيز للحرب في العراق، فقد شاركت بشكل واسع في أعمال التحضير والتسليح والإعداد اللوجيستي للقوات الأمريكية، وحتى في تدريبها وفي التحضير للمعارك والتخطيط لها في صحراء الكويت. حتى إن المجمع العسكري الضخم الذي أقامته القيادة الوسطى الأمريكية في الدوحة عاصمة قطر- حيث مركز قيادتها في السليل- وكذلك قاعدة (العديد) الجوية هناك التي تعتبر الأحدث على مستوى العالم، حيث انطلقت منها القاذفات والمقاتلات الأمريكية الحديثة والعملاقة (مثل القاذفات B- 52 والمقاتلاتB1 ، B2 قامت ببنائها وتجهيزها وإدارتها وصيانتها وحراستها شركات امريكية خاصة.
ثم ازدادت الحاجة إلى خدمات هذه الشركات بعدما واجهته القوات الامريكية والبريطانية في العراق عقب سقوط نظام صدام حسين من حرب استنزاف فرضتها عليها فصائل المقاومة العراقية المسلحة. فقد فشلت السيناريوهات العسكرية التي وضعها البنتاجون لاستخدام القوات الامريكية النظامية في القضاء على هذه المقاومة وإيقاف نزف الدم الامريكي، وفرض الأمن والاستقرار في العراق. وكلفت هذه الشركات الخاصة بأربع مهام رئيسية:
أ- تقديم الدعم العسكري المتواصل للقوات الامريكية في عملياتها على الأصعدة المعلوماتية، والقتالية، واللوجيستية، والتدريبية، بما في ذلك الإمداد بالمواد الغذائية والوقود ونقل المعدات وحراسة السجون والشخصيات المهمة، واستخدام وصيانة أنظمة التسليح ذات التكنولوجيا المتقدمة التي عادة ما تستخدمها القوات النظامية.
ب- تنظيم وإعداد وتدريب المؤسسات الدفاعية والأمنية العراقية، لتكون قادرة على تولي مهام الدفاع والأمن في العراق مع تسليم السلطة العراقيين في 30 يونيو 2004. وتشمل هذه المؤسسات: الجيش العراقي، الحرس الوطني، الشرطة، المخابرات، الدفاع المدني، وضمان عدم تسلل عناصر من النظام العراقي السابق إليها، مع تقديم الاستشارات العسكرية والأمنية لقيادات هذه المؤسسات وللشركات الاقتصادية العاملة في مجال إعادة إعمار العراق.
ج- تنفيذ عمليات عسكرية ذات صبغة خاصة ضد أهداف (إرهابية) منتقاة عند اللزوم.
د- حماية المنشآت النفطية وخطوط نقل النفط وحقوله وخزانات المياه ومحطات الكهرباء والماء، وغيرها من منشآت البنية الأساسية المهمة في العراق، بالإضافة لتوفير الحماية للشركات الأجنبية العاملة في مجال إعادة إعمار العراق.
ولا يخلو هذا التعاون بين قوات الاحتلال والشركات الخاصة، الذي تشارك فيه عناصر من المخابرات المركزية وقيادات الجيش الامريكي، من مشاكل مهنية أثناء سير العمليات، بالنظر لأن هذه الشركات لا تنتمي في الواقع إلى مؤسسة الجيش، ولا إلى مؤسسة أمنية أو عسكرية خاصة واحدة ذات قيادة موحدة تنفذ مخططاً استراتيجياً موحداً ذا أهداف ومهام محددة، ولكنها عدة شركات كل منها مستقلة عن الأخرى ولا رابط بينها، والقليل منها يعتبر بمثابة شركة قابضة تضم عدة شركات لها قيادة واحدة، لذلك برزت المشاكل بصفة خاصة عند تحديد الأدوار والمسئوليات والعواقب، وتحقيق قدر من التعاون والتنسيق فيما بينها. وقد شاركت عناصر هذه الشركات في معارك شرسة ضد المقاومة العراقية، وخسرت العديد من مقاتليها.
وقد أثار الكشف عن هوية الأمريكيين الأربعة الذين قتلوا في الفلوجة وتم التمثيل بجثثهم، أنهم تابعون لشركة (بلاك ووتر) الخاصة للخدمات العسكرية، تساؤلات عديدة عن حقيقة الدور الذي تلعبه هذه الشركات في الحرب الدائرة في العراق، وسبب استعانة البنتاجون بهم في تنفيذ مهام قتالية هي من صميم عمل القوات النظامية، ومدى ارتباط البنتاجون والجيش الأمريكي بهذه الشركات.
وقد اتضح أن الشركات تعد بالمئات وتشغل آلافاً من الموظفين والمقاتلين السابقين، وتتقاضى مليارات الدولارات من البنتاجون في مقابل ما تؤديه من أعمال يهدف البنتاجون من ورائها إلى تقليل حجم خسائر القوات النظامية الأمريكية، وتخفيف الكلفة السياسية للحرب، خاصة أنها ليست ملزمة كما هو الحال مع العسكريين النظامين بإبلاغ أهل هؤلاء المرتزقة في حالة وفاتهم، بل تترك الأمر لأرباب العمل.
أبرز شركات الخدمات العسكرية الخاصة في العراق
وفي دراسة مهمة أعدها الباحث الاستراتيجي ديفيد إيزنبرج رصد من خلالها عمل شركات الخدمات العسكرية الخاصة في العراق، ذكر فيها أن العراق تحول إلى (البازار) الأكبر للجيوش الخاصة، وأصبحت شركة (هاليبورتون) والفروع التابعة لها الأكثر اهتماماً من بين اربعين شركة تعمل في العراق، وبلغ حجم عقود هاليبورتون في العراق حوالي 6 مليارات دولار، وأبرز هذه الشركات الآتي:
1- شركة الموارد المهنية العسكرية (MPRI) ، ويديرها مجموعة من ضباط الجيش والمخابرات الأمريكية المتقاعدين، ممن يتمتعون بشبكة واسعة من العلاقات بكل من البنتاجون ودوائر المخابرات ورئاسة هيئة الأركان المشتركة، فبجانب كارل فيونو المدير التنفيذي للشركة، يوجد نائب المدير التنفيذي الجنرال السابق كروسبي سانت، وكان قد تولى قيادة الجيش الأمريكي في أوروبا في الفترة من 1988-1992. أما نائب المدير التنفيذي للعمليات فهو الجنرال السابق إد سويستر الذي شغل منصب مدير المخابرات العسكرية وتقاعد في العام 1988، ومعظم عقود الشركة تتم مع الحكومة الأمريكية لتنفيذ سياستها الخارجية لاسيما في بعديها الدفاعي والأمني، خاصة في مجال تدريب الجيش الأمريكي والجيش العراقي الجديد، بالإضافة لعقود لها في نيجيريا وكرواتيا والبوسنة وأفغانستان، وتتميز هذه الشركة بتجنيد العسكريين السابقين وعناصر القوات الخاصة السابقة والجواسيس السابقين، لاسيما كبار الجنرالات المتقاعدين بأعداد تحسدها عليها وزرة الدفاع نفسها، فهي تستخدم أكثر من 1000 موظف غالبيتهم من قدامى العسكريين، وحصلت خلال السنوات الأخيرة على أكثر من 200 عقد مختلف لتدريب وحدات عسكرية امريكية.
2- شركة Corp Dyn ومركزها في كاليفورنيا. وتقوم بتدريب الشرطة العسكرية بعقود تصل إلى 800 مليون دولار، وتتولى عملية تجنيد المرتزقة من مختلف بلاد العالم، وذلك بالتعاون مع شركة Vinell Security التي لديها مسرح عمليات كبير في منطقة الشرق الأوسط.
3- شركتا SAIC Betac تتوليان تجنيد العسكريين السابقين في الجيوش الامريكية والأجنبية للخدمة في العراق، والقيام بالعمليات الخاصة، وتعمل شركة Betac مع قيادات العمليات الخاصة بالبنتاجون، وتنظيم العمليات الخاصة، وتنظيم عمليات عسكرية للإطاحة بأنظمة حكم في العالم الثالث.
4- شركة (إيرينيس Erinys) تتولى قوة شبه عسكرية لحماية خطوط النفط ومنشآته وحقوله في العراق. وقد لفت النظر إليها عندما استخدمت عسكريين سابقين من جنوب أفريقيا سبق أن شاركوا في عمليات القمع إلى جانب نظام التمييز العنصري في تلك الدولة.
5- شركات (Corp Vinnell) ومركزها فرجينيا، و (MPRI) ،(NOR- USA) تشارك في تدريب وتشكيل وتجهيز الجيش العراقي الجديد بكلفة تبلغ ملياري دولار. واللافت أن عقود شركة (USA-NOR) قد علقت بعدما ظهر أنها مرتبطة بعضو مجلس الحكم العراقي المؤقت السابق أحمد الجلبي.
6- شركتا (تيتان) و (كاسي إنترناشيونال)، تتوليان عمليات المراقبة والأمن واستجواب المعتقلين. وقد سلطت الأضواء بشكل خاص على هاتين الشركتين بعد أن اتهم بعض العاملين فيهما بالضلوع في عمليات تعذيب المعتقلين، وقد ورد ذكرهما في تقرير الجنرال انطونيو تاجوبا عن أحداث التعذيب في سجن أبوغريب ونشرته صحيفة نيويوركر. وبعد تفجر هذه الفضيحة ارتفعت أصوات في الكونغرس تطالب الرئيس بوش بتعليق فوري للعقود المبرمة مع هذه الشركات. وتحاول شركة تيتان إخفاء فضيحتها الجديدة بعدما تبين مشاركة اثنين مع موظفيها في عمليات التعذيب في أبو غريب. وكانت قبل ذلك قد تعرضت لاتهامات تلتها تحقيقات معمقة من قبل إدارة الأسواق المالية الأمريكية ووزارة العدل، لاتهامات بدفع مبالغ غير شرعية لمسئولين في دولة أجنبية. وتحاول عملاق الصناعات الحربية الأمريكية (شركة لوكهيد- مارتن) شراء شركة تيتان بحوالى 5،2 مليار دولار، لكن الغموض يلف قضية الشراء بعد تفجر الفضيحة الجديدة المتهم فيها كل من (جون إسرائيل) و (عادل نخلة) العاملين لديها بصفة رسمية كمترجمين لدى إحدى مجموعات الاستخبارات والاستجوابات في العراق.
7- شركة (كيلوج براون آند روت) التابعة لمجموعة (هاليبورتون) تقوم بتأمين الخدمات اللوجيستية للقوات الأمريكية في العراق، ومن قبلها أفغانستان بموجب عقد قيمته 4 مليارات دولار، وكان قد سبق لها أن قدمت هذه الخدمات للقوات الأمريكية في البلقان مقابل 2،2 مليار دولار.
8- شركة (بلاك ووتر) Black water se curity consulting تتولى مهام حراسة الشخصيات السياسية والعسكرية الأمريكية والعراقية المهمة، فقد تقاضت فقط من أجل حماية الحاكم الأمريكي السابق في العراق جول بريمر) 21 مليون دولار في السنة، وكانت تؤمن له كل تنقلاته بواسطة مروحيتين عسكريتين. وقد قام مرتزقة هذه الشركة بدور مهم في عملية استعادة مقر قوات الاحتلال في محافظة النجف بعد أن سيطرت عليها قوات جيش (المهدي) التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر. وقد كشف الناطق الرسمي باسم الشركة عن حقيقة الدور الذي لعبته هذه الشركة في صدامات النجف التي وقعت في ابريل عام 2004 وأن الشركة لديها عقود لتوفير الامن لسلطة الاحتلال، وأن عناصرها تعمل في ظل ظروف محفوفة بالمخاطر الجديدة ومناطق حرب حقيقية.
***

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق