بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

حوارات ومناقشات (4)

ملاحظات حول بحث »إشكاليات والتباسات في التجربة العراقية«، المقدَّم إلى المؤتمر السياسي في صور المنعقد بتاريخ 25 حزيران 2003م.
علي قبيسي: ما هي القواعد الفكرية التي علينا العمل على أساسها، ومع من؟
-تعاون البعض مع الصهاينة في لبنان، أما بالنسبة للعراق فيجب عدم تعميم العمالة على كل الطائفة بجريرة موقف فردي. كما يجب أن لا نحكم على كل المعارضين العراقيين بالمقياس ذاته، بين يجب التمييز بين التيارات.
-يجب نقد كل التجربة العربية.
النقاش مهم، لكن علينا أن نعود إلى الواقعية:
1-استيعاب ما حصل في العراق.
2-مواجهة العولمة.
3-النقد لا معنى له إذا لم نواجه.
4-على أدعياء الوطنية أن يقوموا بدور إعلامي. (أن يترافق النقد مع مواقف عملية).
د. محمد مراد: الواقع السياسي هو نتيجة لأزمة الفكر السياسي. ولا يمكن الفصل بين نقد الفكر السياسي والواقع السياسي. الفكر يواكب أسباب الأزمة. والأزمة هي نتيجة أزمات فكرية اقتصادية سياسية.
هناك التباس في الوعي العربي للقضية العراقية، وهناك ظلم لاحق بها. وهنا نتساءل: لماذا هذا التحامل السلبي على القضية العراقية؟ لماذا هي محاصرة: النظام والشعب… هل هي مخطئة؟ هل يتحمل النظام المسؤولية؟
علي محي الدين: من الضروري أن نعود إلى التاريخ للاستناد إليه في البحث عن الخلاصات والنتائج. وما حصل في العراق يفرض نفسه على الجميع. وما موقف الأنظمة إلاَّ نتيجة للتبعية للاستعمار. فما العمل؟
-هل هناك قبول لقطب واحد في العالم؟ فكيف نواجه الأمر كتيارات وقوى سياسية؟
-الاحتلال الأميركي يثبت نفسه ليؤمن مصالحه؟ ماذا نريد نحن؟ ما هو مشروعنا السياسي؟
-الاحتلال يولِّد مقاومة، فكيف ننتج نحن حركة جديدة؟ وكيف ننتج مشروعاً سياسياً، بثقافته وأدواته، ليصل إلى مستوى المقاومة؟
-كيف نواجه الاحتلال بشكل عام؟ احتلال العراق مقدمة لاحتلال المنطقة.
-كيف نتواصل مع الشارع العالمي؟
-حول الاقتصاد: كيف نتواصل مع الجماهير على أساس الابتعاد عن الصدفة وأقرب إلى التنظيم؟ ومن العناوين المطروحة: الديموقراطية، والحركة المطلبية.

د. بدر الدين: هذه الأسئلة مطروحة، والجواب عندنا سهل. أما الإعلام فيعمم كل الجوانب السلبية. أما أسباب التركيز عليها فلإنجاح المؤامرة.
فلنخرج من النقد، ولندخل إلى صلب الموضوع التي حددها البحث بإشكاليات والتباسات.

يوسف نصار: هناك مسألتان: السؤال مهم لأنه أتى بدون إملاءات. أما الثانية، فالباحث أجرى مقارنات واضحة بين تجربة لبنان وتجربة العراق.
هناك قوى تحالفت مع الغزو، وجماعات عفوية تعاملت أيضاً، ولكن بعضها تراجع مع بداية المقاومة.
الصهيونية في لبنان اختارت طريق التحريض الطائفي، وهناك بعض المسلمين الذين أسهموا في المقاومة، وبعض المسيحيين تعاملوا مع الصهيونية. بعض العراقيين صدَّقوا بنوايا حسنة الاحتلال، وبعض الذين كانوا في الخارج عادوا مع المحتل.
تتشابه لعبة الأميركيين مع لعبة الصهيونية في التحريض الطائفي والعرقي.
لماذا اتهم حداد بالعمالة، بينما لم يُوجَّه الاتهام للحكيم والجلبي؟ من يحدد ذلك هو الاحتلال والأنظمة العربية (سكتوا عن سعد حداد وهم الآن يسكتون عن الحكيم). أحزاب العراق موقف بعضها واضح ضد العدو وغير متأثرة بنظام صدام حسين. وبعض الأحزاب العربية تدمج بين التحرير والديموقراطية (الحزب الشيوعي العراقي من الضروري أن يحدد الماركسيون العرب موقفاً منه). الجماهير العفوية مواقفها غير مستقرة، تنقم ثم ترضى.
ليست هناك إشكاليات بل الإشكاليات هي الالتباس الحاصل في واقف الأحزاب والجماهير، بينما الحكم على القضية واضح عندنا.

علي غريب: أبدأ بملاحظة حول النقاش، كان يجدر القول نقد التجربة العراقية، لم أفهم الموضوع هكذا.
مشروع الوثيقة منهج تساؤلي: تحديد التناقض بين المشروعين الأميركي والعراقي.
دور المفكرين وأزمة الفكر العربي، وقصورهما عن نقد التجربة العراقية.
للتجربة العراقية خصوصيات، فالعراق أساس للأمة العربية في الدور والإشكاليات، وهي قضية قومية وليست قطرية.
مجلس الحكم يمثل كل التيارات تحت إملاء أميركي.
الربط بين المشروعين ينعكس على العالم كله، فهل نستطيع أن نواجهه بواقعنا الراهن؟
هذه هي تساؤلاتنا الأساسية، وقد تكون جزءًا من حالة عربية.
هل نواجه الاحتلال بالمقاومة؟
تكلم نيكسون في كتابه الفرصة التاريخية عن المشروع الذي يجري تنفيذه الآن.
وفي فلاسفة أميركا (نهاية التاريخ) وصراع الحضارات.
يتم تتويج المشروع بشعار محاربة الإرهاب.
بعد أن انتهى الصراع السوفياتي الأميركي تحول إلى صراع أوروبي أميركي. لذا نواجه المشروع الأميركي بدون أصدقاء بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا ننظر إلى العراق بغير هذا المنظار.
من الملاحظات على البحث: لقد ركَّز على المعارضة العراقية، لكن هذا أصبح من الماضي، وهذا أصبح بلا فائدة.
المعارضة العراقية يجب أن ننظر إليها نظرة نقدية جدية، فهي الآن معارضة تحت سلطة أميركية.
كان في العراق جو غير ديموقراطي، لماذا خرج عشرات آلاف العراقيين إلى إيران؟
هذا يطرح أزمة النظام العربي الرسمي الذي ربط نفسه بالوطن فأصبح النظام مثال للوطن.
الموقف من الديموقراطية: بررنا لمن ضحى بها لمصلحة الديموقراطية الاجتماعية، والأخرى بررنا غيابها تحت ذريعة الولاء للوطن.
لم نعط مساحات للحرية أمام المثقف (وهذا يأتي داخل نقاش للمشروع العربي النهضوي).
الطائفي لا يعترف بالوطن إلاَّ على قاعدة حصته السياسية لهذا اعتمد على الخارج من أجل ذلك.
الإشكاليات مسؤولية الجميع على المستوى العربي، وهي غائبة حتى داخل الأحزاب، وهذا من التحديات الموضوعة أمامها.
بالعودة إلى العراق:
1-الوجود الأميركي هو تحرير من الديكتاتورية، يقول أصحاب الموقف علينا أن نتعامل معه. وخطأ بعض المثقفين هو تأييدهم للاحتلال تحت حجة القضاء على الديكتاتورية.
2-هناك غزو استعماري يندرج في المشروع العام، وعلينا مقاومته ودعم تلك المقاومة. أما المقاومة فمنظمة أكثر مما كنا نتوقع. أما مخاطر المجلس الانتقالي فيشكل قوى أمنية سوف تتعرض لها المقاومة. والمقاومة ما زالت يتيمة، وهذه نقطة ضعفها بالإضافة إلى أنها لم تنتشر على كل الأرض العراقية. وقد يُستَغلُّ هاجس الخوف من صدام، مثل سوريا وإيران، لذلك يجب التفكير بتوحيدها.
مواجهة المشروع:
تحديد طريق موضوعي ومعرفي، يجب إعادة النظر ليستقيم العقل العربي في مواجهة المشروع، وأرى أنه بعيد.
المصالحة مع الذات: الاعتراف بوقائع التاريخ، وإننا متخلفون. والاعتراف بالرأي الآخر. وتأسيس أحزاب من طراز جديد بحيث لا تكون أحزاب سلطة، بل توجيه للسلطة.
دراسة تجربة الأحزاب في السلطة وخارجها.

هشام الدبسي: أوقعنا الكاتب بمتاهة، وهي الخلط بين نقد الفكر السياسي، ونقد الواقع السياسي. فكان عليه أن يحدد أي نقد يريد.
لنبحث إشكالية لماذا هزمنا؟ إن الهزائم تتوالى كل عقد من الزمن. والحديث عن الانتصارات وهم.
وضعنا الكاتب أمام إشكاليات، وهي:
-الدولة القومية بدون الإشارة إلى مضمونها. وهي مختلفة من تعريف إلى آخر. وهذا ما يجب أن نناقشه.
-الديموقراطية وكأنها تفصيل في المشروع النهضوي العربي، والمشروع يفترض السؤال التالي: هل هو مسلَّمة؟
-هل تصلح أدوات فكرنا لأن تستطيع الإجابة حول تلك الأسئلة؟
-الورقة تعكس مرارة أكثر من أنها استبصار للمستقبل، وهي تتناول المثقفين العرب، بينما علينا تعريف من هم العرب. فهل نحن أمة متحققة؟
-إشكالية العلاقة بين السياسة والفكر.
-تناول القضية الفلسطينية بإشارة سريعة.
-لماذا العداء بين العراق وسوريا، أي وجود حزبين للبعث؟
-لماذا تتهم محمد باقر الحكيم ولا تتهم حسن نصر الله؟
-المعارضة العراقية الموجودة في دمشق هل هم من الخونة أم من الوطنيين؟
-يواجه الكاتب المشكلة بمنهجية مرتبكة.
إذا أردت أن تبحث عن طريق لبحث الأزمة بدون العودة إلى أدوات التحليل، سوف لن تنتج ثوابت. فهل مشروع عبد الناصر نهضوي؟ هل هو قومي أم مصري؟
المشروع في العراق: كيف نتحدث عنه لنصل إلى مناقشة واقع العراق؟
قد نشاهد مشروعاً في سوريا، ونحن متمسكون بأدوات التحليل ذاتها: التشخيص والعلاج.
الأمن القومي: المشروع العراقي هل عمل على بناء الأمن القومي؟ نحن نشك في ذلك، فاقتصاد الاتحاد السوفياتي لم يحمي الاقتصاد والأمن من التفتت.
كان العراق قوياً ولكن لماذا انهار؟
لماذا لم ينهار نظام عرفات؟
تناقضات المعادلة الدولية لا تحمينا.
ما هو السبب الذي دفع بالشارع العالمي إلى التظاهر؟
أين نحن بالمعادلة السياسية؟ لماذا لم نهتم بما حصل في البلقان، ولم نتحرك إلاَّ بعد أن وصلت المشكلة إلى منطقتنا؟
-اتخاذ موقف برد الفعل على الهزيمة لن يؤدي إلى نتائج.
-القضية ليست في العراق فقط، بل هي شاملة. فلماذا هذا الاستثناء؟
-كان يجب أن تتخذ موقفاً متكاملاً من العراق.
-الأمن القومي، بالمعنى المطبَّق في العراق، هو أمن النظام، أي أمن الرئاسة والقيادة.
-ليس هناك مثقف عربي، بل هناك مثقف قطري.
-ما هي علاقة المثقف بالسلطة؟
-النقد كعملية منسجمة غير موجودة. النقد يجب أن يكون مبدأي، وأن تفكر بحلول جديدة.
وهنا نتساءل: ما العمل؟
حركة التحرر موجودة، والسؤال: هل تستطيع دعوتها للقيام بمناقشة صريحة لوضع خطة عملية؟
بعض عناوين الرد:
-كل العناوين التي طرحها المداخلون ضرورية.
-لم يأخذ البعض بالاعتبار أن البحث محدود. لذلك طلبوا المزيد مما يريدون أن يناقشوه لا شك بأن هناك إشكاليات أخرى على شتى الصُعُد. ولا مانع من مناقشتها، لكن بأبحاث أخرى. وهنا أريد أن ألفت النظر إلى أن للباحث أدواته المنهجية، وطريقته في معالجة إشكالية ما، وهو غير ملزم بأن يفرض الآخر منهجه عليه إلاَّ إذا تبيَّن أن منهج الباحث الخاص عقيم. ولإثبات عقمه على الناقد أن يبيِّن مواقع العقم في منهج الباحث وأن يقدَّم البديل.
ومن جانب آخر، إن الباحث يتناول إشكالية ما، ويقدمها بالمظهر والجوهر، مستنداً إلى مفاهيمه الخاصة –بمكاييلها ومعاييرها- أما إذا أراد أن يطبق مفاهيم الآخرين ومكاييلهم ومعاييرهم –وهو قد لا يكون مقتنعاً بها- فكأنه يقدِّم قناعات الآخرين وليس قناعاته. فمن واجب الناقد أن يتناول معايير الباحث ومكاييله بالنقد ويثبت أنها غير صالحة في الوصول إلى نتائج. وهنا، وإذا اختلفت تلك المنهجية بالبحث مع المعايير والمكاييل بين الناقد والمنقود عليهما أن يناقشاها ليتوصلا إلى جوامع مشتركة تساعدهما على الوصل إلى نتائج يتفقان عليها، وليس النقد أن تفرض منهجية محددة على البحث أو أن تفرض معايير ومكاييل غير مقتنع بها، وأن لا تثقل النقد بتجاوز الإشكاليات التي طرحها الباحث وإشغاله بإشكاليات أخرى، قد تصلح لأن تكون موضوعات لحوارات أخرى.
وحول هذه النقطة أسبغ السيد هشام كماً كبيراً من الإشكاليات والأسئلة التي لا علاقة لها بإشكاليات البحث المحدود التي أثارها الباحث:
-كمثل التشكيك بأن يكون المشروع العراقي مشروعاً نهضوياً عربياً.
-أو أن الباحث أشار إلى المسألة القومية العربية التي لم تحظ حتى الآن بإجماع والنقاش الدائر من حولها هل القضية القومية العربية متحققة التكوين أم لا.
-أو أنه من الواجب علينا أن نهتم بمسألة البلقان لأنها كانت مدخلاً للدخول إلى أفغانستان والعراق.
-أو أن القضية الفلسطينية لم تأخذ من اهتمام الباحث إلاَّ إشارة عابرة. مع العلم أننا نؤمن -وهذا مثبت في قناعاتنا التاريخية السياسية والنضالية- بأن التفريط بالمسألة الفلسطينية قاد إلى التفريط بكل المسألة العربية.
وكأن بالسيد هشام، ولأنه يمتلك رؤية خاصة حول المعارضة العراقية والديموقراطية –على أسس إيديولوجية مسبقة- يريد وضع كل المسائل دفعة واحدة ببحث واحد وبجلسة واحدة. إن الكاتب يتطرق إلى موضوع واحد على قاعدة أن المواضيع الأخرى المرتبطة به لا تكون –عادة موطن خلاف بين مجموعة من المتحاورين- وإذا كان الأمر هو العكس من ذلك، فيمكن لعناوين طاولات الحوار أن تتغير. فإذا ما وجد السيد هشام أن هناك ضرورة –ويبدو أن هناك أكثر من ضرورة- وقبل الدخول في مناقشة بحث محدود أن يتم تحديد الكثير من المفاهيم قبل الدخول إلى موضوع البحث.
-حول آليات التحليل والمنهج، لم يحدد الطالب ما هي آليات التحليل التي اعتمدها الكاتب، وما هي آليات التحليل البديلة. بقي نقده عاماً جداً. فآليات التحليل كثيرة ومتشعبة. ولكل باحث آلياته. أما بالنسبة للألم الواضح في البحث، فهو شيء طبيعي أن يظهره الباحث في معالجته إشكاليات والتباسات تدخل في صميم العمل النضالي، والعمل النضالي الذي يدفع فيه الكاتب ثمناً، وهذا الثمن لا بُدَّ من أن يولد الألم عند المتألم من أن لا يشعر به المثقفون الليبراليون الذين لم ينخرطوا في أية عملية نضالية.
-حول المعارضة، وتعريفها: يرد الأستاذ هشام، حول نقد الكاتب للمعارضة العراقية بسيل من الأسئلة، يتمظهر منها وكأنها دفاع في المطلق عن المعارضة العراقية مستنداً إلى عناوين عامة سمعها من المعارضين العراقيين، وبخكم موقفه الإيديولوجي من النظام السياسي السابق في العراق، وكأنه لا يعمل على التفتيش عن وضوح في الموقف من المعارضة بأكثر من أنه يريد أن يدافع عن إيديولوجية مسبقة عن كل الذين عارضوا النظام ومن أي موقع كان.
أما حول المعارضين العراقيين الذين آوتهم سوريا، فهم جزء من المعارضة، أمنت إيواءهم لأغراض الخلافات السياسية والأمنية السابقة مع العراق. لكن البعض منهم استغل الإيواء والحماية لفتح علاقات مع المخابرات الأميركية والبريطانية، وهذا ما هو خارج عن حدود الحماية السورية. فالحكم على معارض لاجئ إلى أي بلد عربي مرتبط بحدود وقيود سقفها الأدنى أن لا يرتبطوا مع أية قوة معادية للأمة العربية.
-لقد كيلت الاتهامات الطائلة لصدام حسين بينما كان موجوداً في السلطة، تحت عناوين القتل والاعدام وملاحقة المعارضين في الداخل والخارج. فكان علينا، وللموضوعية، أن نستند إلى معلومات موثوقة ومحددة وليس بعناوين. بل كان يجب علينا أن نحدد اتجاهات ووقائع الأذى اللاحق بالمعارضين العراقيين.
وهل يمكن اعتبار من أعدم على قاعدة التعاون مع أعداء الوطن والأمة، أو من نُفي بتهمة تعامله مع تلك الجهات ذات علاقة بالديكتاتورية؟
-حول الاتفاق حول مفاهيم للمصطلحات، مثل تعريف للمثقف العربي، أو تعريف للخيانة، أو آليات البحث، فيجب أن نميز بين مضامين مناهج البحث الأكاديمي وبين مضامين المصطلحات التي طرحها السيد هشام، وهنا نتساءل: هل نحن بحاجة إلى بحث إشكالية العرب أمة متحققة أم غير متحققة؟ وهذا ما يعود بنا إلى نقطة الصفر. أنا كنت أفترض عندما أعددت البحث للمؤتمر المذكور أن تلك الإشكالية محسومة، من حيث إن الشريحة الكبرى من الماركسيين العرب –الذين كانوا طرفاً في إنكار وجود قومية عربية- قد أصبحوا أشد قرباً من الموافقة على أن الأمة العربية هي أمة متحققة في التاريخ.
فمن العبث –في ظل الاختلاف حول إشكالية تحقق الأمة العربية أو لا تحققها- أن نتابع النقاش حول المسألة العراقية من منظار قومي، بل كان من الممكن أن نبدأ في النقاش من إشكالية تحقق الأمة أو في عدمه قبل أن ندخل إلى معالجة بعض الإشكاليات ذات العلاقة بالعراق.
إننا نتفق في السياق العام مع معظم الذين قدموا مداخلاتهم، حتى ولو كانت خارج اهتمام البحث، والمحدودة على صعيد الخصوصية، وهو التجربة العراقية، بما له علاقة بالديموقراطية وتعدد مفاهيمها، تلك التعددية التي قادت إلى التباسات في تعريف مفهوم للمعارضة الوطنية العراقية. وتلك الالتباسات قادت إلى ضياع المسافة في رؤية المثقفين السياسية بين الوطنية والخيانة الوطنية.
المسائل المتفق حولها، هي التالية:
-عدم تعميم مفهوم العمالة على كل أطياف التيارات العراقية التي كانت تقف في صف المعارضة سابقاً.
-رفض القبول بأحادية القطب العالمي الوحيد.
-الاتفاق حول تبعية النسبة الكبرى من الموقف العربي الرسمي للنظام الاستعماري الجديد.
-يعمم الإعلام، بجزئه الكبير، الجوانب السلبية في التجربة العراقية، وأسباب التركيز عليها تعود إلى إنجاح المؤامرة على العراق من خلال التشويه الإعلامي.
-احتلال العراق هو مقدمة لاحتلال المنطقة. وصراع المشروعين العراقي العربي والأميركي يتطلب مواجهة متطورة تتجاوز واقع الحركة العربية الثورية الراهن. ومن أهم مفاصله :
1-الاتفاق حول العمل من أجل مواجهة موحدة للمشروع الأمبريالي العالمي الجديد عبر التواصل مع الجماهير الشعبية على أساس الابتعاد عن الصدفة وبأقرب ما يمكن من تنظيم العلاقة بشكل تؤدي الغرض منها.
2-الاتفاق حول ضرورة إنتاج حركة ثورية عربية جديدة تتفق حول مشروع سياسي مقاوم، بثقافته ونضالاته، لمواجهة المرحلة الجديدة. ومن أهمها دعوة تيارات حركة التحرر العربية إلى القيام بمناقشة نقدية صريحة موضوعية من أجل وضع خطة عملية يكون من أولى مهماتها ما يلي:
أ-تحديد طريق موضوعي ومعرفي وإعادة النظر بآليات العقل العربي السابقة.
ب-الاعتراف بالرأي الآخر، وتأسيس أحزاب من طراز جديد، بحيث لا تكون أحزاباً للسلطة، بل أحزاب لتوجيه السلطة.
ج-أن تبني مثقفاً عربياً وليس مثقفاً قطرياً، وتحديد علاقة المثقف مع السلطة، وأن يتمتع المثقف بقدرة على النقد وجرأة على ممارسته. وفي الجانب الآخر أن لا يقتصر على النقد إلاَّ كخطوة على طريق إنضاج حلول للإشكاليات التي تحصل هنا أو هناك.
د-أن تترابط الحركة النقدية والثقافية مع وضع خطة نضالية عملية لكي تتكامل النظريات مع التطبيق.
3-ما هي البدائل الدولية والعالمية التي يستند إليها العرب بعد أن غاب الاتحاد السوفياتي؟ –ضرورة التواصل مع الشارع الإنساني العالمي المؤيد لقضايانا القومية.
تباين مواقف الحركة الثقافية العربية حول القضية العراقية –قبل الاحتلال وبعده- تتمثل بالمواقف التالية:
1-تأييد الاحتلال تحت ذريعة القضاء على الديكتاتورية.
2-مقاومة الغزو الاستعماري قبل كل شيء.

حول المقاومة في العراق: هي مقاومة منظمة، لكنها ما زالت تحتاج إلى انتشار على مستوى المساحة العراقية جغرافياً وديموغرافياً. وهي تحتاج إلى دعم قومي. أما انتشارها على الصعيد الوطني فلانتزاع الخوف الإيراني والسوري من هاجس الخوف من النظام السابق. ومن أهم ما هو مطلوب –في هذه المرحلة- أن يقوم الوطنيون والقوميون بدور إعلامي يدعم المقاومة في العراق.
التفصيلات المختلف من حولها والتي تحتاج إلى المزيد من التوضيح هي التالية:
في العام حول منهج البحث:
حول أدوات الفكر التي نستخدمها في البحث عن الإشكاليات. كان من الواجب على السائل أن يحدد ما هي أدوات التحليل التي استخدمها الباحث والتي لا تنال قبول السائل، وكان من الواجب عليه أن يحدد الأدوات التي يراها صالحة للبحث كما يراها هو. وما يصح على أدوات الفكر يصح على أدوات التحليل. وكان من المفترض به أن يحدد أدوات الفكر والتحليل المرفوضة وأن يقدم أدوات أخرى يرى أنها مقبولة.
-الورقة تحمل ألماَ أكثر مما تحمل استبصاراً للمستقبل.(جواب): إن المنهج الذي أتبعه في البحث ليس إملاءات، وإنما إثارة إشكاليات يدعو الآخرين للمشاركة في بحثها والاتفاق حول رؤية موحدة حولها، وهو من أدوات الفكر الديموقراطي).
-حول المتاهة التي وضع الباحث فيها القراء: لقد وضع القارئ أمام متاهة أي مشكلة يناقش: هل المسألة تدور حول نقد الفكر السياسي، أم حول نقد الواقع السياسي؟ كما أن هناك نقد حول المنهجية المرتبكة التي يستخدمها الباحث، بينما لم يشر الناقد إلى جوانب الارتباك في المنهجية ولم يقم بتقديم البديل. ومن جانب آخر، ليست هناك متاهة على الإطلاق، لأن الفكر يواكب الأزمة على أرض الواقع، فالفصل بين الفكر السياسي وأزمة الواقع السياسي هو فصل تعسفي.
-لتكامل المنهج كان على الباحث أن يقيِّم التجربة العراقية بشكل كامل. (وكأن الناقد يريد من المؤتمر المحدود أن يتحول إلى بحث ورقة واحدة، وأن تتحول ورقة البحث المحدودة إلى سلسلة من الأبحاث). لم يأخذ الناقد بالحسبان محدودية الزمان ومحدودية المواضيع، فلو كان الأمر كذلك لكان من الواجب أن لا نبحث أية إشكالية إلاَّ من خلال الإطلالة على الوضع العالمي والعربي والقطري بكل ما تحتويه من ملفات وإشكاليات، بتاريخيتها وراهنيتها).
-وضع البعض، في جلسة مناقشة مخصصة لإشكاليات محدودة، عدة أخرى من الإشكاليات قد يكون لها ارتباط مع الإشكاليات المطروحة، والبعض منها بعيد عنها ولا يمت لها بصلة، والبعض الآخر غير متفق عليه، بينما اعتبرها الباحث من الأسس والآليات الواضحة عنده، ولم يجد فائدة في تعريفها. ومن أخطرها العودة إلى النقاش القديم حول وجود الأمة العربية أو لا وجودها. والعودة إلى تحديد هذه الإشكالية يعيدنا –في حلقة مماثلة من المفترض أن يكون موضوع تحقق الأمة أو لا تحققها محسوماً، فالحلقة تضم قوميين وماركسيين من المفترض أنهم قد حسموا تلك الإشكالية بعنوانها العام والرئيس. ومن تلك الإشكاليات ما أحسب أن إثارتها يشكل هروباً من بحث الإشكاليات المحدودة التي أثارها البحث، ومنها الأسئلة التالية: لماذا العداء بين سوريا والعراق؟ ولماذا نتهم محمد باقر الحكيم ولا نتهم حسن نصر الله؟
-هناك التباس في الوعي العربي، على صعيد التيارات السياسية والقوى الفكرية والثقافية، حول القضية العراقية.
-حول مضمون تقييم مواقف المعارضة العراقية سابقاً. هل أصبحت من الماضي فعلاً؟ وهل زالت تأثيراتها حول تثبيت كيان سياسي يعمل على تشريع الاحتلال؟ وهل لا يجوز أن نستفيد من ظاهرة المعارضة العراقية على صياغة مفاهيم لأية معارضة في المستقبل؟ ومن تفصيلات هذا الجانب تأتي التساؤلات التالية:
1-دليل غياب الجو الديموقراطي خروج عشرات الآلاف من العراقيين إلى إيران.
2-لم نعط، في التجربة العربية عامة، مساحات من الحرية أمام المثقف.
3-هل المعارضات العراقية الموجودة في الأقطار العربية هي خائنة أيضاَ، ومنها المعارضة الموجودة في سوريا.
حول المضامين الديموقراطية:
-تعارض الطائفي مع الديموقراطي.
-إشكالية الديموقراطية مسؤولية قومية عربية، على الصعيدين الرسمي النظامي وصعيد التجربة الحزبية عند كل الحركة الحزبية العربية.
-هل يمكن التأكيد بأن هناك مشروعاً عراقياً يصح اعتباره مشروعاً نهضوياً عربياً؟
-هل ننقد التجربة العراقية كاملة أم من الممكن –كما جاء في البحث المحدود- أن نركز على بعض جوانبها؟ وإذا كان من المفترض أن ننقد التجربة العراقية كلها، فهل قام المفكرون العرب، والفكر العربي بدوره في هذا المجال؟
-هناك لا إتفاق كامل حول اعتبار الأمة العربية كياناً متحققاً. طلب البعض أن نحدد مضمون الدولة القومية في البحث المحدود، فهي مختلفة من تعريف إلى آخر.
حول المشروع النهضوي العربي:
هناك عدة مشاريع تنسب لنفسها النهضوية: المشروع النهضوي الناصري، والمشروع النهضوي السوري، والمشروع النهضوي العراقي. والتي تثير عدداً من التساؤلات، ومنها: هل هي مشاريع قومية أم مشاريع قطرية؟
ولكي نقيمها تقييماً صحيحاً علينا أن نحدد أدوات التحليل التي على أساسها يكون التقييم موضوعياً من حيث التشخيص والعلاج.
هل اهتمت تلك المشاريع ببناء الأمن القومي العربي؟ (الأمن القومي المطبَّق في العراق هو أمن النظام، أي أمن الرئاسة والقيادة).
إذا كان العراق قوياً فلماذا انهار؟ بينما نظام عرفات الصغير لم ينهار.
حول الدعائم الدولية لأي مشروع عربي نهضوي: تناقضات المعادلات الدولية لن تحمي العرب. ولماذا لم نهتم بما حصل في دول البلقان.
***

(66): مراجعة وعرض كتابين عن المقاومة العراقية لمؤلفهما حسن خليل غريب
(من معركة الحسم ضد الأمركة إلى بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية)
عرض: عمر أبو زيد / الأردن
عن دار الطليعة في بيروت صدر كتاب (المقاومة الوطنية العراقية/الإمبراطورية الأميركية بداية النهاية" "الكتاب الثاني" وذلك في حزيران/2004 للكاتب والسياسي العروبي الأستاذ حسن خليل غريب/ جاء هذا الكتاب (الثاني) بعد كتابه الاول والذي صدر في تشرين الاول/ 2003 والذي حمل عنوان (المقاومة الوطنية العراقية/ معركة الحسم ضد الامركة).
يقول المؤلف "لقد فرضت انطلاقة المقاومة العراقية السريعة نفسها علينا في الكتاب الاول "المقاومة الوطنية العراقية: معركة الحسم ضد الامركة" وتلك هي حالة التراكم النضالي في طفرة نوعية غير مسبوقة في تاريخ الثورات في العالم" مما فرض عليه الإسراع في إصدار كتابه الثاني (المقاومة الوطنية العراقية: الإمبراطورية الأميركية بداية النهاية).
ويسجل الاستاذ حسن غريب مبادرته الرائعة والشجاعة بإصداره الكتاب الأول حيث كان سباقا بإصدار كتاب يتحدث عن جذور المقاومة الوطنية العراقية ومعركتها الحاسمة ضد الامركة وفي وقت قياسي حيث صدر كتابه في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2003 أي بعد أقل من ستة أشهر على احتلال العراق. ويقول المؤلف ان مواد الكتاب الأول كانت ناجزة في ذاكرته بتأثير من فكر حزب البعث العربي الاشتراكي وأيديولوجيته التي تربت عليها أجيال وأجيال من القوميين، قد مهدت الطريق أمامه لرؤية استشرافية مسبقة لما حصل في العراق وما قد يحصل قبل العدوان وفي أثنائه وبعد الاحتلال. وقد اسهم كل ذلك في تسهيل وضع الكتاب الأول.
وقد عالج المؤلف في كتابه الاول المنهج السياسي الاستراتيجي لتيار الأميركيين المتطرفين الجدد وهو التيار الحاكم الآن في الولايات المتحدة الاميركية، واعتبر معالجته تلك مدخلا سريعا، يعالجه بشكل اوسع في كتابه الثاني/ كما انه توقف في كتابه الاول حول اشكالية افتعلتها بعض الاوساط (اميركية، صهيونية، عملاء) وهي مسألة تجهيل هوية المقاومة العراقية - وعزا ذلك لأسباب ذات علاقة بالمشروع الاميركي وأخرى ذات علاقة بأغراض أيديولوجية - تهدف الى الخداع والتضليل لإنكار دور حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وبتوجيه وتخطيط صدام حسين الرئيس الشرعي والأمين العام للحزب، فالمقاومة الوطنية العراقية مقاومة خطط لها وقادها البعث ويشاركه فيها كل القوى والأطراف الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال الاميركي الصهيوني للعراق.
أما الكتاب الثاني، المقاومة العراقية (الإمبراطورية الأميركية: بداية النهاية) والذي جاء في (560) صفحة، كتاب يتسم بمنهجية علمية دقيقة مستندا بذلك الى الكثير من المراجع العلمية الراهنة إضافة إلى احتوائه الكثير من الوثائق الهامة - حيث يوجد في كل فصل مجموعة من الوثائق الهامة تتعلق بمحتويات الفصل حيث بلغت هذا الوثائق ما يزيد عن 100 وثيقة، إضافة إلى ملحق الكتاب والذي خصصه الباحث لرسائل الرئيس صدام حسين وبيانات قطر العراق لحزب البعث وتصريحات قيادة المقاومة الوطنية العراقية للفترة من حزيران 2003 إلى حزيران 2004 وقد احتوى هذا القسم (يغطي عاما كاملا) على (55) وثيقة.
واحتوى الكتاب على مقدمة وثلاثة أبواب (ثمانية فصول) وخاتمة هي عبارة"النتائج الراهنة واحتمالات المستقبل : نحو تاريخ عالمي جديد".
مشروع القرن الأميركي - فلسفة وآليات
جاء الفصل لمعالجة هذا العنوان وذلك من خلال ثلاثة فصول، الفصل الاول "تصنيع الحلم الاميركي، حيث عالج المؤلف بعد دراسة عميقة للتاريخ الاميركي، مؤثرات صناعة القرار السياسي الاميركي على الثقافة الشعبية الامريكية، وتأصيل تاريخي لتكوين مشروع "القرن الاميركي الجديد" - وبين المؤلف كيف ان ادارة جورج بوش الابن تقوم على تنفيذ خطة رسمها تحالف ثلاثي تقوم اعمدته على:
- اليمين الرأسمالي الاميركي.
- تيار المبشرين الاميركيين المتطرفين.
- اليمين اليهودي المتطرف (الليكودي).
مضافا لهم تحالف القوى الدولية المالية والمصرفية.
كما عالج المؤلف موقع اعضاء ادارة جورج بوش الابن في منظومة الشركات الكبرى وانتقل للحديث عن الخطة المخصصة لاجتياح العالم (اهداف الخطة، التخطيط لاحتلال العراق ـ الحلقة الاساسية من خطة السيطرة على العالم، حيث وضعت الخط عام 1996 وتم تطويرها عام 1997 وبدئ الإعداد للتنفيذ منذ عام 1998 واتخذ القرار في العام 2001، ويشير المؤلف أن كل تعليمات صناع "جورج بوش" جاهزة قبل انتخابه - وأنه جيء به لتنفيذ تعليمات الثلاثي المتطرف.
أما الفصل الثاني - المنظور الصهيوني لاحتلال العراق، فقد عالجه المؤلف من خلال تمهيد سياسي - تاريخي - الدور الصهيوني في المخطط الاميركي - الركائز الداخلية للاختراق الامريكي - الصهيوني في العراق (العملاء) - الجلبي والقوى الكردية - اما الفصل الثالث فقد كان - حول التوظيف الاميركي - الايراني لما يسمى بالمعارضة العراقية - المراحل التمهيدية لتصنيع التيار العميل للاميركان - وتفصيل المعارضة على مقاييس جسم المشروع الاميركي - حيث ان المخطط الاميركي كان يستهدف نظام حزب البعث في العراق لما يمثله من خطورة على المشروع "امركة العالم".
ويتحدث المؤلف عن الدور الذي رسمته الادارة الاميركية لتيارات المعارضة العراقية لتنفذ هذه المعارضة (تحت الإشراف والمراقبة الأميركية) مشاريع ما يسمى بالاصلاح السياسي والاقتصادي في العراق.
ويتحدث في هذا الفصل عن علاقة المصالح المتبادلة بين الصهيونية والحركة الانفصالية الكردية، والدور الايراني والحسابات الخاطئة، واشكاليات الالتباسات حول المعارضة العراقية.
مشروع البعث المقاوم: فلسفة ووقائع
اما الباب الثاني والذي يحتوي على ثلاثة فصول ، فكان الفصل الرابع الذي يتحدث عن المقاومة العراقية في المواجهة، وكيف ان هذه المقاومة جذورها عميقة ومتجذرة في فكر وممارسة حزب البعث في العراق ـ حيث ان الاعداد لمرحلة حرب التحرير الشعبية كان منذ سنين طويلة، وكيف ان الادارة الاميركية فوجئت بالمقاومة وقدراتها العسكرية في العراق، مما اعاق مخططاتها في العراق والمنطقة.
وتحدث المؤلف حول واقع المقاومة الوطنية العراقية ـ تعريف المقاومة ـ حق الشعوب بالمقاومة ـ هوية المقاومة ـ المقاومة في العراق مقاومة عراقية شكلا ومضمونا ، وان التحق بها العديد من المجاهدين العرب ـ اما حكاية "الزرقاوي" ودوره، فيعود الى تكتيكات إعلامية أميركية لتحريض الرأي العام الدولي والاميركي ضد المقاومة العراقية باعتبارها ليست حركة مرتبطة بالإرهاب ويقودها ـ غير العراقيين.
ويشير المؤلف الى الوقائع التي تؤكد ان البعثيين هم الذين اعدوا لها وبدأوها واستمرت تتصاعد بجهود (مجاميع البعث، عناصر الجيش والحرس الجمهوري، وفدائيي صدام وجيش القدس وعناصر الأجهزة الأمنية) وكل هذه المجموعات تملك رؤية مشتركة وموقفا سياسيا واضحا يعبر عنه حزب البعث، واذا كانت تلك هي الحقيقة، فمن الإنصاف أن نقول أن البعثيين لم يذهبوا إلى الاستئثار بها أو الادعاء بعدم وجود تيارات أخرى فيها، فهناك القوميون والوطنيون والاسلاميون والمتطوعون العرب.
أما أهداف المقاومة فهي:
- استمرار المقاومة طالما كان هناك احتلال بأي صيغة وعلى اي جزء من ارض العراق وبغض النظر عن القرارات الاممية اللاحقة للاحتلال.
- شرعيتها وحقها في العمل العسكري وغيره، وشرعية وواجب التعامل القتالي مع المحتل والعملاء.
- منع وعرقلة جهد الاحتلال من الاستقرار والتمكن والاستغلال لثروات ومرافق وممتلكات العراق.
- تعميم المقاومة المسلحة على ارض العراق كلها وبمشاركة العراقيين كلهم والتأكيد على واجبهم وحقهم المتكافئين في المقاومة وتحرير العراق تحت أي عنوان أو مسمى.
- العمل على تحقيق جيش تحرير العراق.
- العمل من اجل مشاركة قومية شعبية في معركة تحرير العراق.
ويتحدث عن امتداد عمل المقاومة لتشمل العراق وكيف ان الحاضنة الشعبية للمقاومة هي التي ساعدت في تطور المقاومة ونجاح عملياتها. وتأثير هذه المقاومة على مخططات الاحتلال وانعكاساتها على الحالة النفسية لجنود الاحتلال.
وذلك وصولا الى ان المقاومة العراقية هي ذراع اممي في منع امركة العالم. ويضيف المؤلف في قراءته السياسة في واقع فصائل المقاومة الوطنية العراقية والتي يشكل عمودها الفقري والاساسي حزب البعث العربي الاشتراكي وبمشاركة القوى الاسلامية والقومية والوطنية واليسارية العراقية والتي تتفق على مشروعية تحرير العراق من براثن الاحتلال الاميركي الصهيوني وعملائه.
ويعدد هذه القوى الرافضة والمقاومة للاحتلال:
- الحركة الاسلامية في العراق.
- اللجنة القيادية للتنظيم الناصري في العراق.
- الحزب الشيوعي العراقي - الكادر.
- التحالف الوطني العراقي.
- التيار العراقي الوطني الديمقراطي.
يوميات المقاومة العراقية
قراءة عسكرية في يوميات المقاومة العراقية
لقد جاء الفصل الخامس ليعكس الجهد الكبير الذي بذله المؤلف لمتابعة ورصد كافة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية (العربية والأجنبية) إضافة إلى مواقع الإنترنت ليرصد وبشكل إحصائي دقيق معظم العمليات العسكرية التي قامت بها المقاومة الوطنية العراقية ليسجل لهذه المقاومة صفحة مشرقة ومتألقة من العمل العسكري الشجاع والمحترف حيث بلغ معدل العمليات لهذه المقاومة ما يقرب من (1500) عملية شهريا ولقد اعد الباحث جداول يومية بهذه العمليات وبالخسائر الأميركية (البشرية والمعدات) المعلنة فقط وردود الفعل على هذه العمليات وخاصة في وسائل الإعلام الأميركية، والتي تتحدث عن الورطة الأميركية في العراق هي بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية - لأن هذه الورطة - العسكرية - السياسية - الاقتصادية - الثقافية - تحمل في طياتها الخطر الكبير والممتد على المشروع الأميركي الا وهو امركة العالم.

إشكاليات تعيق المقاومة المسلحة: رؤى واحتمالات
يتحدث المؤلف في الفصل السادس عن الاشكاليات التي تواجه المقاومة المسلحة منها:
- إعداد منهج سياسي لبناء جبهة وطنية عراقية من الرافضين للاحتلال مشيرا الى اهمية العمل الجبهوي في طروحات الرئيس صدام حسين، وإلى اشكالية التفاضل بين التحرير والديمقراطية ـ الأولوية لتحرير الارض الوطنية العراقية - وهذا المنهج بحاجة إلى معالجة العديد من القضايا اهمها:
- الموقف من العملاء.
- استمرارية المقاومة طالما هناك احتلال وبأي صيغة وعلى أي جزء من ارض العراق، بغض النظر عن القرارات الاممية اللاحقة للاحتلال.
- منع وعرقلة جهد الاحتلال من التصرف والتمكن من الاستغلال لثروات ومرافق وممتلكات العراق.
- تعميم المقاومة المسلحة على ارض العراق كلها وبفعل ومشاركة العراقيين كلهم والتأكيد على واجبهم وحقهم المتكافئ في المقاومة وتحرير العراق تحت أي عنوان أو مسمى.
الصعوبات الحالية والمحتملة التي تواجه المقاومة العراقية:
- اشكاليات الفتاوى الدينية الاسلامية بالجهاد ضد الاحتلال.
- احتمالات الفتنة العرقية والطائفية.
ويدعو الى وقوف جميع العراقيين في خندق المقاومة الوطنية وصولا الى تحرير العراق كل العراق ليعود حرا واحدا موحدا.
نهاية "القرن الأميركي الجديد" بداية التاريخ المعاصر
ويجيء الباب الثالث من الكتاب والذي يتحدث فيه المؤلف بالفصل السابع إلى عوامل فشل المشروع الأميركي ومظاهره:
أولا: وضع العراق بعد الاحتلال.
- تخريب الامن السيادي للدولة العراقية.
- الديمقراطية المسجونة، عناوين جنة الديمقراطية الموعودة.
- الاغتيال السياسي مخطط لتفريغ المجتمع من النخبة القيادية.
- ملاحقة العلماء العراقيين واغتيالهم واحتوائهم.
- التباعد أقوى من التلاقي بين تلوينات العملاء.
ثانيا: الخطط الاميركية لتصفية المقاومة العراقية المسلحة.
- استئصال فلسفة حزب البعث.
- وسائل الانتقام الجماعي.
- التضليل والخداع، فلسفة إعلامية في خدمة المخطط السياسي العسكري.
- الجندي الأميركي - آلة النصر الأساسية - بدون قضية وطنية.
وسائل قوات الاحتلال في إخفاء الخسائر البشرية
ثالثا: الكذب والتمويه منهج الأداة الأميركية مع حلفائها.
رابعا : مظاهر فشل المشروع الأميركي في العراق:
1 - كشف أكاذيب الإدارة في الذرائع التي مهدت للحرب.
2 - مظاهر الفشل في اتخاذ القرار السياسي.
3 - ظاهر الفشل في اتخاذ القرار السياسي.
4 - مظاهر الفشل في علاقاتها الدولية.
5 - مظاهر الفشل في السيطرة على الساحة العراقية، والأمثلة على ذلك.
- عجز قوات الاحتلال عن احتواء المقاومة.
- طلب المساعدة العسكرية والمالية من الدول الاخرى.
- الضغط على الدول العربية والاسلامية للمساعدة في العراق.
- مظاهر الفشل في المراهنة على عملائها من تيارات وقوى المعارضة العراقية سابقا.
- مظاهر الفشل في تجميع الرأي العام الاميركي لتأييد مغامرتها في العراق.
هروب الصقور إلى الأمام
دخلت القوات الاميركية الى العراق، بدون تصور واقعي لما ستؤول اليه الاوضاع بعد الانتهاء من العمليات العسكرية النظامية - وهذا كشفت عنه التقارير الاميركية - حيث كانت التصريحات الاميركية "لقد أسأنا التقدير" وأسأنا التخطيط - وأسأنا الفهم لمرحلة عراق ما بعد صدام حسين، ذلك اننا كنا غير مستعدين لذلك بشكل فاجع ومثير للشفقة.. لدينا الآن مشكلة أمنية، لدينا مشكلة واقعية التصور.. ولدينا مشكلة في الحكم.. والأهم ان الوقت ليس في صالحنا".
تحت أقدام المقاومة العراقية يتكسر "القرن الأميركي الجديد"
يتحدث المؤلف في كتابه عن مقدمات انهيار المشروع الاميركي في العراق:
أولا: استمرار احتلال العراق استنزاف اخلاقي للمحافظين الجدد.
- كذب الادارة حول ذرائع الحرب (اسلحة الدمار الشامل ـ علاقة العراق بالقاعدة).
- التعتيم حول الخسائر البشرية الحقيقية في العراق.
- نفط العراق ودم الجنود الاميركيين.
- الحرب وسيلة الرأسمالية اللااخلاقية ـ في الهيمنة على العالم.
ثالثا: احتلال العراق والانقسام العامودي في المجتمع الاميركي.
رابعا: استمرار الاحتلال الاميركي للعراق استنزاف لعلاقات اميركا الدولية.
خامسا: كيف تخرج امريكا من المستنقع العراقي.
- الادارة الاميركية تفتش عن حلول تسمح بخروجها من المأزق العراقي.
- الخروج من العراق هو الحل الوحيد.
ان المقاومة العراقية البطلة والباسلة والتي وضعت الادارة الاميركية وحلفاءها في مأزق بل في ورطة كبيرة، اذ ان الاستمرار في احتلال العراق يعني المزبد من الخسائر الاميركية - عسكرية - اقتصادية - سياسية وحتى أخلاقية، واما الخروج من العراق تحت ضربات المقاومة فيعني هزيمة المشروع الأميركي في امركة العالم، وهذا كله بفضل المقاومة العراقية. التي هشمت هذا المشروع وأفشلته.
فتحية لكل المقاومين على ارض العراق الذين افشلوا ويفشلون المشروع الأميركي الصهيوني.
وتحية للأستاذ حسن خليل غريب، على كتابيه المقاومة الوطنية العراقية من معركة الحسم ضد الامركة إلى بداية النهاية لإمبراطورية الشر الأميركية.
عن أسبوعية (الوحدة) الأردنية
العدد132 التاريخ 24-11-2004
وردت المراجعة التالية التي نشرها الأستاذ عمر أبو زيد (الأردن) في جريدة الوحدة الأردنية عن الكتابين التاليين:
1 - المقاومة الوطنية العراقية: معركة الحسم ضد الأمركة.
2 - المقاومة الوطنية العراقية: الإمبراطورية الأميركية بداية النهاية.
والكتابان صدرا عن دار الطليعة في بيروت للكاتب حسن خليل غريب.

(9): مراجعات نُشرت في صحف ومجلات
جاء في مجلة الشراع، العدد 914، تاريخ 27/12/1999، الصفة 41، ما يلي:
كتابان جديدان لحسن غريب
صدر لحسن غريب كتابان، الأول عن دار الطليعة بعنوان: "في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام: بحث في التاريخ والإيديولوجيا". والثاني عن دار الكنوز الأدبية بعنوان: "الردة في الإسلام – قراءة تاريخية وفكرية في الأصول والاتجاهات والنتائج".
من كلمة الغلاف الأخير لكتابه "في سبيل علاقة سليمة…" نقتطف: "لم تعرف الأمة العربية مرجعية سياسية ذات هوية عربية إلا في محطات قصيرة جداً إذا ما قُورِنت بامتدادها التاريخي الطويل؛ وإنما كانت مرجعيتها السياسية دولة إسلامية بقيادة غير عربية لأكثر من ثمانية قرون، كانت آخرها الخلافة الإسلامية لبني عثمان الأتراك. فهل عرف الإسلام والعروبة وئاماً وائتلافاً فيمت بينهما خلال هذه القرون، أم كانت علاقتهما علاقة تضارب واحتراب.
لطالما كانت إشكالية العلاقة بين الإسلام والعروبة من أكثر المواضيع استقطاباً لاهتمام الأوساط الثقافية والسياسية، ومادة أساسية للدراسة أمام الباحثين والمفكرين، ناهيك عن أصحاب الإيديولوجيات المختلفة. وقد استنزفت هذه الإشكالية، وما زالت، الكثير من الطاقات الفكرية والسياسية والتنظيمية والإعلامية؛ كما استغلَّت القوى الخارجية المعادية الثغرات الناشئة عنها لصب مزيد من الزيت على نار التفتيت والتجزئة.
***
وجاء في مجلة "كتابات معاصرة"، العدد 40:(نيسان/أيار 2000 الصفحة 158، ما يلي:
مؤلَّفان لحسن غريب:
"بين العروبة والإسلام" و "الردة في الإسلام".
-كتابان صادران حديثاً لحسن غريب بكثير من الجهد والتعمُّق. الأول "في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام"، وهو بحث في التاريخ والإيديولوجيا، صادر عن دار الطليعة – بيروت. والثاني "الردة في الإسلام" عن دار الكنوز الأدبية – بيروت ص. ب. 117226 تلفاكس 739696/01
-يتناول "بين العروبة والإسلام" المراحل التاريخية العربية المعروفة كلها حتى مرحلة تأسيس الفكر القومي العربي العقائدي والسياسي والأحزاب، مُنَبِّهاً إلى الدور المطلوب أن يلعبه هذا الفكر ضد اللاقومية، حيث يُوَفَّق حسن غريب في رسم الإطار التاريخي وتشريح النتائج من خلال منهجية علمية عارفة.
-بينما يتناول المؤلَّف الثاني "الردة في الإسلام"، في قراءة تاريخية فكرية بحثاً عن بديل ل"اتفاق المسلمين" الذي ظهر مستحيلاً عملياً... وهنا "تأويلية" لمبدأ الردة قام بها غريب بجرأة معرفية تذكر الدماء لردع المنافقين عن ارتكابها باسم الشعائر، وإعادة ارتكابها باسم المقدَّسات... وكل ما في الأمر أن كل فئة تخترع "مقدَّسَها" وتحميه بالسلطة! وهنا يلعب الوعي المعرفي دور المخترق.
-هكذا نحن مع "موضوعات" كانت قد طُرِحَت منذ قديم وأُعيد استحداثها، ومبرر حسن غريب في إعادة طرحها هو هذه الإحاطة الشاملة الواعية (من خلال الأرشيف والأرقام والمراجع غالباً) بكل موضوع على انفراده، ثم بها مجتمعة في تاريخ، وما تُؤوِّل لغة هذا التاريخ وترى بعين العقل الفاحصة بجرأة وسياقية مُعبِّرَة.
***
إصدارات دار الكنوز الأدبية
الردة في الإسلام (قراءة تاريخية وفكرية في الأصول والاتجاهات والنتائج)
في محاولة تنويرية مطلوبة في الوقت الحاضر، يغوص الأستاذ حسن غريب في التاريخ العربي-الإسلامي والأوروبي المسيحي، في الأحداث والنصوص والوقائع، ليسلِّط الأضواء على مسيرة القمع والاضطهاد الفكري في تاريخ الأديان، وبالتحديد المسيحية والإسلام، ليكشف الخط البياني المتعرِّج لمسألة الردة من موقف القوى السياسية-الاجتماعية المتصارعة في المجتمع العربي-الإسلامي والأوروبي على حد سواء. وكيف أن هذه الظاهرة ليست معزولة عن الصراع الطبقي والفكري، وبالتالي السياسي الذي شهدته هذه المجتمعات.
في فصول ستة، يتناول في الأول موضوع: اعتناق الإسلام بين الحوار والإكراه. وفي الثاني مرحلة التأسيس لتكفير الجماعة. وفي الثالث افتراق الأمة سياسياً في المرحلتين الأموية والعباسية، وانعكاس هذا الصراع السياسي على الافتراق العقائدي، وبالتالي العلاقة الجدلية بين الصراع السياسي والصراع المذهبي، حيث يستعرض ذلك في الفصل الرابع. ويأخذنا في الفصل الخامس إلى أوروبا، والدور الخطير الذي لعبته الكنيسة في مرحلة هيمنتها العقائدية والسياسية، والصراع الكبير على المستوى الأوروبي الذي قاد إلى تحجيم المؤسسة الدينية وانتصار العقل الفلسفي والعلمي، وانحسار مبدأ الردة. أما الفصل السادس، فقد خصَّصه للإجابة على سؤال: هل يمكن المقاربة بين الردة وعصرنا الحاضر؟ وإشكالية مقاربة النص الإسلامي مع انتشار العولمة / الأنسنة. ثم يختتم البحث في الوقوف أمام ظواهر التكفير والتكفير المضاد التي نشهدها في عدد من البلدان العربية والإسلامية، والخطر الكبير الذي يهدِّد مستقبل بلداننا وشعوبنا من عقلية الفرقة الناجية، والارتهان إلى النص بدلاً من تحكيم العقل، ليؤكِّد رفضه لفكرة الردة، وإيمانه بضرورة تحكيم العقل، والتسامح المذهبي والتنوع والابتعاد عن الإرهاب الفكري، الذي يدفع دفعاً نحو النفاق. معتمداً في بحثه على مئات المصادر التاريخية والمعاصرة.
كتاب يستشهد بالتاريخ للتدليل على الحاجة إلى حركة تنوير واسعة ليتمكن الإنسان العربي والمسلم من مواكبة العصر، معتمداً على أثمن ما وهبه الله: العقل.
***
مراجعـة كتاب "الرِدَّة في الإسـلام"
حسن خليل غريب: الـردة في الإسـلام:
دار الكنوز الأدبيـة: بـيروت: طبعة أولى في أيلول/ 1999.
يقع الكتاب في 494 صفحة من الحجم الكبير، ويتألَّف من ستة فصول تشتمل على ما يلي:
- الفصل الأول: إعتناق الإسلام بين الحوار والإكراه.
- الفصل الثاني: مرحلة التأسيس لتكفير الجماعة.
- الفصل الثالث: إفتراق الأمة سياسياً.
- الفصل الرابع: إفتراق الأمة عقائدياً.
- الفصل الخامس: الغرب المسيحي يجتاز مسافة الردة.
- الفصل السادس: هل يمكن المقاربة بين الردة وعصرنا الحاضر؟
لما كان مبدأ الردة عن الدين يُكَبِّل حق العقل بالحرية، وحق الإنسان بالاختيار، إنطلق الباحث من فرضية التناقض، في الإسلام، بين النص القرآني والنص النبوي؛ فكان الفصل الأول منطَلَقاً لمناقشة مستفيضة تستند إلى النصوص والوقائع التاريخية في محاولة إلى تأصيل النص الذي له علاقة بمبدأ الردة عن الإسلام، ناقداً الأسباب والذرائع التي ساقها الفقهاء المسلمون في تبريرهم محاكمة المسلمين وتكفيرهم على أساسه.
توصَّل الباحث في الفصل الأول إلى أن النص القرآني لا إكراه في الدين  هو ثابت قِيَمي؛ وإلى أن النص النبوي { من ارتدَّ منكم عن دينه فاقتلوه} هو مرحلي تكتيكي. فكانت نتائج بحثه تقضي بضرورة إلغاء مبدأ الردة، مستندةً إلى أدلة نقلية وتاريخية، معزَّزَةً بأدلة عقلية.
فالأصول التي قام عليها مبدأ التكفير على أساس الردة، إذاً، كانت واهية وضعيفة. ويؤسِّس الباحث في نهاية الفصل الأول إلى فرضية أخرى: هي أن مبدأ الردة – كما اتَّفقت عليه كل الفرق الإسلامية – قد أسَّس، عبر التاريخ الإسلامي الطويل لسلسلة طويلة من الاقتتال والمذابح الإسلامية-الإسلامية من جهة؛ وإلى سلسلة من وقائع الاضطهاد والقتل والتعذيب بين الفرق الإسلامية الأصولية وبين المسلمين من الذين اتَّبعوا منهج العقل الفلسفي والنقدي للتحرر والتفكير بحرية من جهة أخرى.
ولهذا فقد تضمَّنت الفصول: الثاني والثالث والرابع وقائع تاريخية ميدانية عدَّها الباحث شهود إثبات لفرضيته، وإنه وإن كان قد أغرقها بكثير من التفاصيل الميدانية – التي قد تُثْقِل القارئ – إلا أنه حَسِبَ أنه بدونها لا يمكن للقارئ أن يقتنع بصحة الاستنتاجات التي توصَّل إليها. لكن هل يمكن تجاوزها منهجياً ليصبح البحث أكثر سلاسة وأكثر سرعة للوصول إلى النتائج؟ ربما يكون هذا ممكناً على أساس أن يكون القارئ قد أطَّلع على كتب التراث وألمَّ بمجريات تلك الأحداث بشكل شامل وغير مُجْتَزأ، أما بالنسبة للذين قرأوها من زاوية واحدة أو الذين لم يقرأوها أبداً، فلا يمكن للبحث أن يكون واضحاً أمامهم ومقنعاً لهم، وبالتالي لن يكون موضوعياً وعلمياً بدون الإطلالة عليها.
أما الفصل الثاني فيتعلَّق بمرحلة أواخر حياة الرسول وبداية التعارضات الأساسية بينه وبين عدد لا يُستهان به من أصحابه المقرَّبين، من الذين وقفوا وقفات تتناقض مع الرسول ومع النص الديني الذي من الواجب أن يكون عندهم مقدَّسَاً. وقد برَّر الفقهاء المسلمون -كل حسب مذهبه وفِرقَته- كل تلك المواقف بأساليب توفيقية ترقيعية بينما كان من الواجب عليهم أن يطبِّقوا حدود النص على أصحاب الرسول كما كانوا، وما زالوا، جريئين في تطبيقه على المستضعفين من المسلمين من الذين حاولوا استخدام حقهم في حرية التفكير، والذين لم يكن يحميهم أي سقف سلطوي. فالتساهل واضح أمام ما ارتكبه أصحاب الرسول، والمنطق التبريري الذي استخدمه الفقهاء لردم الهوة بين مواقفهم وبين النص، فكان منطقهم تبريراً سياسياً مدعَّماً بنص ألبسوه صفة القداسة.
أما في الفصل الثالث، فيتَّضح افتراق الأمة سياسياً، فيفترق الإسلام إلى اتجاهات سياسية متعددة متناحرة ومتقاتلة؛ وبالتالي إلى افتراقه إلى عشرات الفِرَق إن لم يكن مئاتها وهو ما يفصِّله الفصل الرابع. وفيه يسوق الباحث الأدلة التاريخية والعقائدية التي على أساسها كانت كل فرقة تستحل دم الفرقة الأخرى وأعراضها وأرزاقها. ولم يكن ليتم ذلك بدون الاستناد إلى مبدأ التكفير القائم على مبدأ الردة. ويستفحل الأمر أكثر عندما تحسب كل فرقة نفسها أنها الناجية الوحيدة من النار مستندة إلى الحديث النبوي القائل: "تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة". والأغرب من كل ذلك هو توحُّد كلمة شتى المذاهب ومواقفهم على ملاحقة كل مسلم كانت تسوِّل له نفسه بتحكيم العقل، فسقط نتيجة لذلك مئات بل آلاف من هؤلاء المسلمين صرعى مقصلة الاتهام بالردة…
ويتساءل الباحث في نهاية تلك الفصول: الثاني والثالث والرابع، عن النتائج التي حصدها الإسلام والمسلمون من مبدأي "من ارتدَّ منكم عن دينه فاقتلوه"، وحديث "تفترق أمتي إلى… الناجية منها واحدة"؛ لكي يجيب على تساؤله بأن النتائج لم تكن أكثر من صراع دموي طويل ومرير: إسلامي-إسلامي ذهب ضحيته مئات الآلاف بل الملايين من المسلمين على مذبح التكفير والاتهام بالردة عن الإسلام.
وفي سبيل المقاربة، ودراسة تجارب الأديان الأخرى مع الردة، يخصِّص الباحث الفصل الخامس لدراسة موضوع الردة في المسيحية، فيصل فيه إلى أن المسيحية واليهودية لهما نص مقدَّس في وجوب قتل المرتد عنهما؛ وقد امتدَّت محنة الردة في المسيحية إلى قرون كانت فيها محاكم التفتيش التي شكَّلتها الكنيسة قد عذَّبت وقتلت وأحرقت مئات الألوف من المسيحيين، وهي القرون التي استسلم فيها الشرق الإسلامي إلى سيادة الفقهاء النصوصيين فتجمدت الحالة الفكرية كلياً فيه، بينما استطاع المفكرون والفلاسفة الأوروبيون المسيحيون – بعد صراع طويلٍ ودامٍ مع محاكم الكنيسة -أُحْرِق فيه الكثيرون منهم، وكذلك كتبهم، على مقصلة الاتهام بالهرطقة/الردة، إلى الانتصار على مبدأ الاتهام بالردة عن المسيحية، بل إلغائه كلياً، فأسسوا بانتصارهم ذاك لغربٍ متحررٍ متمدنٍ متقدمٍ حضارياً وصناعياً وفكرياً.
ويخصص الباحث الفصل السادس والأخير، من بحثه، ليدرس، مستنداً إلى وقائع العصر السياسية والفكرية والاجتماعية وحالة التواصل العالمي والإنساني بين شتى المجتمعات والإثنيات الدينية، إمكانية المقاربة بين الإكراه على اعتناق الدين الإسلامي وبين حالة الانفتاح على الحضارات العالمية الإنسانية الأخرى، فيرى استحالة المقاربة بينهما من دون حالة صراع جديدة لا مجال للوصول من خلالها إلى تسوية سلمية من دون النظر إلى النص بعين عصرية متحركة متجدِّدة تأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة وليست النصوص الجامدة، ويأتي على رأسها إلغاء مبدأ الردة وإهمال حديث الفرقة الوحيدة الناجية من النار. ويحسب الباحث أنها مسألة سهلة المنال إذا ما أُخِذَت الأدلة النقلية والعقلية التي ساقها في الفصل الأول وإذا ما نُوقِشّت، من قبل الفقهاء المسلمين والمؤسسات الدينية الإسلامية المعترف بها، بانفتاح وبعين الجد والاهتمام والإخلاص.
إن مسألة الإصرار على الأخذ بمبدأ الردة –كما يرى الباحث- لن تعني حالة الاحتراب الدائم بين الإسلام والأديان الأخرى فحسب، وإنما يعِدُّ الباحث أن هذا المبدأ هو مشروع دائم لحالة الاحتراب الدائمة بين المسلمين أنفسهم أيضاً.
ويصل الباحث في نهايـة بحثـه إلى استنتاج أنه بعد ألف وأربعماية سنة من التكفير والتكفير المضاد، لم تحصل الدعوة الإسلامية فيها إلا على الدم والرماد والاقتتال في داخل الأمة الإسلامية، لذلك آن لهذه الأمة أن تخرج من مبدأ الإكراه على اعتناق الإسلام الذي ليس هو إلاَّ مبدأ يساعد تكاثر المسلمين المنافقين، بالإضافة إلى استحالة فرض الإسلام على الآخرين بالقوة. وليس أمام الفِرَق الإسلامية من أفق لإنهاء الصراع بينها حول احتلال موقع الفرقة الوحيدة الناجية من النار، هذا الصراع المعلن حيناً والمستتر أحياناً أخرى، إلا بالاتفاق بينها على إلغاء المبدأين اللذين يحسبانهما مقدَّسين وهما ليسا كذلك، فيكون البديل أن تعترف كل فِرقة بخيارات الفرق الأخرى بعيداً عن تكفيرها واتهامها بالردة عن الإسلام الذي ليس إلاَّ سبباً لاستحلال دمائها وأعراضها وأموالها.
* * *
جاء في جريدة الكفاح العربي العدد 2428 تاريخ 8/11/1999، ما يلي:
"الرِدَّة في الإسلام".. "قراءة في الأصول والاتجاهات والنتائج"
مساوئ التكفير والتكفير المضاد
يقدِّم الباحث حسن خ. غريب "قراءة تاريخية وفكرية في الأصول والاتجاهات والنتائج"، في كتابه الصادر حديثاً عن "دار الكنوز الأدبية"، تحت عنوان "الردة في الإسلام". ويبني مضمون دراسته، على أسس ونظريات إجتماعية، تستند إلى وصف الحالة في مراحلها التاريخية وفي جذورها الفكرية، وأيضاً، في اتجاهاتها العقائدية.
وقد سلك الباحث في دراسته هذه "خطوات البحث الاجتماعي" مستنداً إلى كتب التراث التاريخية، لا سيما أن من أهم أهداف هذا البحث –يقول غريب- أن يعمل على مقاربة الأصول والاتجاهات التاريخية –في السياسة والعقائد- مع النتائج التي ترتَّبت على مسيرة مجتمعاتنا العربية والإسلامية، في الماضي السحيق والقريب، على حد سواء، والذي ما زالت تأثيراته مخيِّمَة، بشكل جدِّي ومُعوِّق، لمسيرة التغيير في البُنى الثقافية والاجتماعية والسياسية لمجتمعاتنا.
… لماذا البحث عن الردة في الإسلام؟ سؤال يُفرِد له غريب صفحات المقدِّمة داعياً فقهاء المذاهب والفِرَق الإسلامية، إلى النظر في الردة نظرة موضوعية جادَّة، لكي تصب هذه الموضوعية في مصلحة وحدة الإسلام والمسلمين.
يُضمِّن الباحث غريب فصول دراسته الستة قراءته التحليلية، بدءاً من المُعطى التاريخي للقضية، حيث نقرأ في الفصل الأول، المندرج تحت عنوان "اعتناق الإسلام بين الحوار والإكراه، أكثر من محطة تاريخية وتحوُّليَّة في حياة الإسلام. ونتوقَّف مع الباحث عند مرحلة "الحوار الثابت القِيَمي في الدعوة إلى الإسلام، وعند "مرحلة الدعوة إلى الإسلام بالقوة"، والقتال المتغيِّر المرحلي في الدعوة إلى الإسلام"، و "الردة السيف المسلَّط على رقاب المسلمين، حيث ذكر الباحث الآيات التي تناولت مبدأ الردة والأحاديث النبوية التي تناولته أيضاً، متوقِّفاً عند الردة: لغةً، والردة: فقهاً. من قبيل، من هو المرتد؟ وما هي عقوبة المرتد عن دينه؟
ويتناول غريب في الفصل الثاني من الدراسة "رحلة التأسيس لتكفير الجماعة" متسائلاً عن المسافة التي تفصل بين تعارضات الصحابة وموافقاتهم مع الرسول، وبين النص؟ متناولاً تشكيك بعض المسلمين في قضايا معيَّنَة، ومُسجِّلاً موافقات عمر بن الخطَّاب مع القرآن ومع الرسول؛ وعارضاً لمحطات تاريخية متواصلة زمن الخلافة الراشدة وانتشار الفِتن العديدة.
غريب في وصوله إلى مضمون الفصل الثالث، يتحدَّث عن "افتراق الأمة سياسياً"، وبين هلالين عن (مقدمات تاريخية وسياسية للعصرين الأموي والعباسي)، متناولاً عدداً من الصراعات التي نشبت في العصر الأموي والعصر العباسي أيضاً.
أما في الفصل الرابع، فقد خاض الباحث ف "افتراق الأمة عقائدياً"، وتناول العلاقة الجدلية بين "الصراعات السياسية وافتراق الأمة إلى مذاهب"، مستشهداً بالاتجاهات المختلفة التي سادت في العصرين الأموي والعباسي، وبالنتيجة التي جناها الإسلام والمسلمون من مبدأ الاتهام بالردة.
الباحث خصَّص الفصل الخامس لتحليل "الغرب المسيحي وتجاوزه مسافة الردة"، مستعرضاً لمراحل تاريخية وفكرية واجتماعية، شهدت تحولات عديدة في قراءة اللاهوت، وتفسير معنى الردة ومحاربة المرتدِّين. كما استعرض دور العقل الأوروبي في اكتساب موقع التوازن مع اللاهوت، وفي كسب الجولة وتحقيق تقدم لمصلحة العقل الفلسفي والعلمي.
الفصل السادس والأخير، ضمَّنه حسن غريب بحثاً عن إمكانية تحقيق المقاربة بين الردة وعصرنا الحاضر. مُستعرِضاً مواقف الحركات الإسلامية "السنية والشيعية"، بنماذجها العربية المختلفة، المنتسبة إلى بلاد عربية محددة، مثل الجزائر ومصر ولبنان، متوقِّفاً عند إشكالية مقاربة النص الإسلامي مع انتشار العولمة.
إلى ذلك أورد الباحث في ختام دراسته، النتائج التي خلُص إليها، والناجمة عن التكفير والتكفير المضاد.
***
جريدة " الرأي العام" الكويت العدد (11897): 17/1/ 2000
مؤلِّف "في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام" و"الردة في الإسلام":
حسن غريب: من دون العقل والديموقراطية مصيرنا، كما تاريخنا، مشحون بالحروب.
كتابان جديدان صدرا حديثاً، يعرضان موضوعات في غاية الأهمية والخطورة في زمننا الراهن، نظراً لارتباطهما بواقعنا وبتاريخنا وبالدين الإسلامي الأكثر انتشاراً في المجتمع العربي، وبعض تجلياته الأصولية.
الكتـابان: الأول هو "في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام" (بحث في التاريخ والإيديولوجيا) (دار الطليعة – بيروت). والثاني "الـرِدَّة في الإسلام" (قراءة تاريخية وفكرية في الأصول والاتجاهات والنتائج) (دار الكنوز الأدبية – بيروت) لحسن غريب.
يحاول الباحث في الكتابين إظهار ما للعقل من دور ومكانة وحضور في الدين الإسلامي، وما له من حاجة بالنسبة إلى العرب والمسلمين في سبيل تقدُّمهم.
وهو – الباحث – لا يرى فعلاً ما بين الديموقراطية والعقل، بل إن الديموقراطية مناخ العقل ولغته، ولا يمكن لأحد ما أن يحيا من دون الآخر.
من هنا يرى الباحث أن العقلانية ضرورة لِتَقَدُّم العرب والمسلمين، حتى لو كان ذلك يختلف مع تعاليم "الإسلام"، كما هو عند فقهاء اعتبروا العلمانية والديموقراطية خطراً يستهدف الإسلام والمسلمين.
***
جاء في مجلة الحوادث، العدد 2254، التاريخ 14-20 كانون الثاني 2000، ما يلي:
عن دار الطليعة في بيروت صدر كتاب جديد بعنوان: في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام (بحث في التاريخ والإيديولوجيا). وقد مهَّد المؤلف لكتابه بمقدمة وافية ورد فيها:
لم تعرف الأمة العربية مرجعية سياسية ذات هوية عربية إلا في محطات قصيرة جداً إذا ما قُورِنت بامتدادها التاريخي الطويل؛ وإنما كانت مرجعيتها السياسية دولة إسلامية بقيادة غير عربية لأكثر من ثمانية قرون، كانت آخرها الخلافة الإسلامية لبني عثمان الأتراك. فهل عرف الإسلام والعروبة وئاماً وائتلافاً فيمت بينهما خلال هذه القرون، أم كانت علاقتهما علاقة تضارب واحتراب؟
عدد كبير من المفكرين والباحثين، القوميين والإسلاميين على السواء، حاولوا أن يسلكوا منهج البحث الأكاديمي سعياً وراء الحقيقة المجرَّدَة، وهذا هو الطريق الأسلم والأصح والأقرب ما يكون إلى الموضوعية العلمية البعيدة عن الأغراض والأهواء. لذلك كان بحثنا هذا بحثاً موسَّعاً ومُعمَّقاً في علاقة العروبة والإسلام عبر استقراء التفاصيل والجزئيات، وحتى الجزئيات المجهرية منها، مما مكنَّنا من رسم لوحة بانورامية شاملة لنشأة وتفاعل الإشكالية المطروحة في إطارها التاريخي/الإيديولوجي، وصولاً إلى يومنا الحاضر حيث يحتدم الصراع العنيف بين قُطْبَيْ هذه الإشكالية مع صعود ما يُعرَف بحركات الإسلام السياسي التي تنفي إمكانية إقامة علاقة سليمة بين القومية والدين، وتضعهما دائماً على طرفَيْ نقيض لا سبيل إلى تجاوزه بأي شكل من أشكال التسويات أو التنازلات المُتبادَلَة.
***
جاء في مجلة التضامن، التي تصدر في بيروت، بتاريخ 31 آذار / مارس – نيسان / أبريل من العام 2001، (العدد 16)، حول كتاب «نحو تاريخ فكري – سياسي لشيعة لبنان»، ما يلي:
عن دار الكنوز الأدبية في بيروت، وضمن سلسلة أبحاث للكاتب والمفكر العربي اللبناني حسن خ. غريب، صدر هذا الكتاب الذي كرَّسه مؤلفه لدراسة شيعة لبنان من منظور تاريخي يسهم في تحديد أسباب النزاعات والصراعات الطائفية في لبنان.
ولكي يتجنَّب الصعوبات الناشئة عن طبيعة الموضوع، وعن التداخل بين الجماعات الدينية الذي يميِّز المجتمع اللبناني عن غيره، فإنه يعمد إلى قاعدة الفرز، حيث يعزل تاريخ كل طائفة من الطوائف عن مجمل التاريخ العام للطوائف ليخلص إلى تحليل صحيح لتاريخ كل طائفة انطلاقاً من البناء الفكري لها.
وهنا يتصدَّى لدراسة الموضوع من الأعماق، إذ أن فهم أية جماعة ودراستها لا تكون ممكنة إلاَّ إذا تمكنا من فهم فكرها، ومدى التأثير الذي يحثه هذا الفكر في نمو الجماعة وتطورها.
وهو يلقي الضوء في ثنايا الكتاب على العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى انصهار الجماعات. ويبحث في إمكانية التفاعل الفكري بين طائفتين أو جماعتين مختلفتين تعيشان في المجتمع نفسه.
وإذ يعرض الأسس الدينية والفكرية والمعرفية التي يقوم عليها المذهب الشيعي فإنه يقوم بذلك مستنداً إلى المصادر المتفق عليها من قبل علماء الشيعة.
والكاتب لا يخفي انحيازه الواضح للفكر الوطني والقومي، حيث أثبت قدرته على صياغة مشروع توحيدي تتعايش فيه شتى المذاهب. كما يدعو لأن يكون الفكر المذهبي، بل الفكر التعددي الديني / السياسي عامل توحيد للمجتمع، فالأمة لا تتحقق مصلحتها بتوزيع المكاسب على أساس طائفي. ومن هنا جاء فهمه لطبيعته القومية الواحدة المتعددة الأديان.
يبتعد المؤلف، بحسه العربي الإسلامي، عن التناول التقليدي للموضوع، فيعمد إلى التحليل النقدي والموضوعي، لكنه وهو يقصر بحثه على الشيعة، لم يستثنِ الطوائف الأخرى من بحثه إلاَّ لأسباب منهجية. فجاء كتابه هذا ضمن مشروع لدراسات تتناول بقية الطوائف والمذاهب التي انخرطت في الحرب اللبنانية من منطلقات دينية ومذهبية، وهو حلقة من سلسلة أبحاث ينوي الكاتب إتمامها.
***
جاء في مجلة الوطن العربي، التي تصدر في باريس، بتاريخ 11/ 5/ 2001، (العدد 1262)، الصفحة 45، حول كتاب »نحو تاريخ فكري – سياسي لشيعة لبنان«، ما يلي:
ضمن سلسلة أبحاثه العلمية والفكرية صدر للكاتب والباحث اللبناني حسن خ. غريب، الجزء الأول من كتابه »نحو تاريخ فكري – سياسي لشيعة لبنان« عن دار الكنوز الأدبية في بيروت. وقد كرَّس الباحث غريب مؤلفه لدراسة تاريخ شيعة لبنان من منظور تاريخي أسهم في تحديد أسباب النزاعات والصراعات الطائفية في لبنان. والكتاب يتحدث عن تاريخ الشيعة من العام 635 إلى العام 1943. وسوف يكمل أبحاثه عن تاريخ الشيعة من العام 1943 إلى تاريخنا هذا في كتاب لاحق سوف يصدر قريباً.
ولكي يتجنَّب الصعوبات الناشئة عن طبيعة الموضوع، وعن التداخل بين الجماعات الدينية التي يتميِّز بها المجتمع اللبناني عن غيره، فإنه يعمد إلى قاعدة الفرز، حيث يعزل تاريخ كل طائفة من الطوائف عن مجمل التاريخ العام للطوائف ليخلص إلى تحليل صحيح لتاريخ كل طائفة انطلاقاً من البناء الفكري لها.
ولا يخفي الكاتب انحيازه الواضح للفكر الوطني والقومي، حيث أثبت قدرته على صياغة مشروع توحيدي تتعايش فيه شتى المذاهب. ويدعو الفكر المذهبي، وتعدد الأفكار الدينية لأن تكون عامل توحيد للمجتمع خدمة للأمة العربية. ومن هنا جاء فهمه لطبيعة القومية الواحدة المتعددة الأديان.
وهو يلقي الضوء في ثنايا الكتاب على العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى انصهار الجماعات. ويبحث في إمكانية التفاعل الفكري بين طائفتين أو جماعتين مختلفتين تعيشان في المجتمع نفسه.
يبتعد المؤلف، بحسه العربي الإسلامي، عن التناول التقليدي للموضوع، فيعمد إلى التحليل النقدي والموضوعي، لكنه وهو يقصر بحثه على الشيعة، لم يستثنِ الطوائف الأخرى من بحثه إلاَّ لأسباب منهجية. فجاء كتابه هذا ضمن مشروع لدراسات تتناول بقية الطوائف والمذاهب التي انخرطت في الحرب اللبنانية من منطلقات دينية ومذهبية، وهو حلقة من سلسلة أبحاث ينوي الكاتب إتمامها.
***
مراجعـة كتاب »الرِدَّة في الإسـلام«
يقع الكتاب في 494 صفحة من الحجم الكبير، ويتألَّف من ستة فصول تشتمل على ما يلي:
- الفصل الأول: إعتناق الإسلام بين الحوار والإكراه.
- الفصل الثاني: مرحلة التأسيس لتكفير الجماعة.
- الفصل الثالث: إفتراق الأمة سياسياً.
- الفصل الرابع: إفتراق الأمة عقائدياً.
- الفصل الخامس: الغرب المسيحي يجتاز مسافة الردة.
- الفصل السادس: هل يمكن المقاربة بين الردة وعصرنا الحاضر؟
لما كان مبدأ الردة عن الدين يُكَبِّل حق العقل بالحرية، وحق الإنسان بالاختيار، إنطلق الباحث من فرضية التناقض، في الإسلام، بين النص القرآني والنص النبوي؛ فكان الفصل الأول منطَلَقاً لمناقشة مستفيضة تستند إلى النصوص والوقائع التاريخية في محاولة إلى تأصيل النص الذي له علاقة بمبدأ الردة عن الإسلام، ناقداً الأسباب والذرائع التي ساقها الفقهاء المسلمون في تبريرهم محاكمة المسلمين وتكفيرهم على أساسه.
توصَّل الباحث في الفصل الأول إلى أن النص القرآني لا إكراه في الدين هو ثابت قِيَمي؛ وإلى أن النص النبوي { من ارتدَّ منكم عن دينه فاقتلوه} هو مرحلي تكتيكي. فكانت نتائج بحثه تقضي بضرورة إلغاء مبدأ الردة، مستندةً إلى أدلة نقلية وتاريخية، معزَّزَةً بأدلة عقلية.
فالأصول التي قام عليها مبدأ التكفير على أساس الردة، إذاً، كانت واهية وضعيفة. ويؤسِّس الباحث في نهاية الفصل الأول إلى فرضية أخرى: هي أن مبدأ الردة – كما اتَّفقت عليه كل الفرق الإسلامية – قد أسَّس، عبر التاريخ الإسلامي الطويل لسلسلة طويلة من الاقتتال والمذابح الإسلامية-الإسلامية من جهة؛ وإلى سلسلة من وقائع الاضطهاد والقتل والتعذيب بين الفرق الإسلامية الأصولية وبين المسلمين من الذين اتَّبعوا منهج العقل الفلسفي والنقدي للتحرر والتفكير بحرية من جهة أخرى.
ولهذا فقد تضمَّنت الفصول: الثاني والثالث والرابع وقائع تاريخية ميدانية عدَّها الباحث شهود إثبات لفرضيته، وإنه وإن كان قد أغرقها بكثير من التفاصيل الميدانية – التي قد تُثْقِل القارئ – إلا أنه حَسِبَ أنه بدونها لا يمكن للقارئ أن يقتنع بصحة الاستنتاجات التي توصَّل إليها. لكن هل يمكن تجاوزها منهجياً ليصبح البحث أكثر سلاسة وأكثر سرعة للوصول إلى النتائج؟ ربما يكون هذا ممكناً على أساس أن يكون القارئ قد أطَّلع على كتب التراث وألمَّ بمجريات تلك الأحداث بشكل شامل وغير مُجْتَزأ، أما بالنسبة للذين قرأوها من زاوية واحدة أو الذين لم يقرأوها أبداً، فلا يمكن للبحث أن يكون واضحاً أمامهم ومقنعاً لهم، وبالتالي لن يكون موضوعياً وعلمياً بدون الإطلالة عليها.
أما الفصل الثاني فيتعلَّق بمرحلة أواخر حياة الرسول وبداية التعارضات الأساسية بينه وبين عدد لا يُستهان به من أصحابه المقرَّبين، من الذين وقفوا وقفات تتناقض مع الرسول ومع النص الديني الذي من الواجب أن يكون عندهم مقدَّسَاً. وقد برَّر الفقهاء المسلمون -كل حسب مذهبه وفِرقَته- كل تلك المواقف بأساليب توفيقية ترقيعية بينما كان من الواجب عليهم أن يطبِّقوا حدود النص على أصحاب الرسول كما كانوا، وما زالوا، جريئين في تطبيقه على المستضعفين من المسلمين من الذين حاولوا استخدام حقهم في حرية التفكير، والذين لم يكن يحميهم أي سقف سلطوي. فالتساهل واضح أمام ما ارتكبه أصحاب الرسول، والمنطق التبريري الذي استخدمه الفقهاء لردم الهوة بين مواقفهم وبين النص، فكان منطقهم تبريراً سياسياً مدعَّماً بنص ألبسوه صفة القداسة.
أما في الفصل الثالث، فيتَّضح افتراق الأمة سياسياً، فيفترق الإسلام إلى اتجاهات سياسية متعددة متناحرة ومتقاتلة؛ وبالتالي إلى افتراقه إلى عشرات الفِرَق إن لم يكن مئاتها وهو ما يفصِّله الفصل الرابع. وفيه يسوق الباحث الأدلة التاريخية والعقائدية التي على أساسها كانت كل فرقة تستحل دم الفرقة الأخرى وأعراضها وأرزاقها. ولم يكن ليتم ذلك بدون الاستناد إلى مبدأ التكفير القائم على مبدأ الردة. ويستفحل الأمر أكثر عندما تحسب كل فرقة نفسها أنها الناجية الوحيدة من النار مستندة إلى الحديث النبوي القائل: "تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة". والأغرب من كل ذلك هو توحُّد كلمة شتى المذاهب ومواقفهم على ملاحقة كل مسلم كانت تسوِّل له نفسه بتحكيم العقل، فسقط نتيجة لذلك مئات بل آلاف من هؤلاء المسلمين صرعى مقصلة الاتهام بالردة…
ويتساءل الباحث في نهاية تلك الفصول: الثاني والثالث والرابع، عن النتائج التي حصدها الإسلام والمسلمون من مبدأي "من ارتدَّ منكم عن دينه فاقتلوه"، وحديث "تفترق أمتي إلى… الناجية منها واحدة"؛ لكي يجيب على تساؤله بأن النتائج لم تكن أكثر من صراع دموي طويل ومرير: إسلامي-إسلامي ذهب ضحيته مئات الآلاف بل الملايين من المسلمين على مذبح التكفير والاتهام بالردة عن الإسلام.
وفي سبيل المقاربة، ودراسة تجارب الأديان الأخرى مع الردة، يخصِّص الباحث الفصل الخامس لدراسة موضوع الردة في المسيحية، فيصل فيه إلى أن المسيحية واليهودية لهما نص مقدَّس في وجوب قتل المرتد عنهما؛ وقد امتدَّت محنة الردة في المسيحية إلى قرون كانت فيها محاكم التفتيش التي شكَّلتها الكنيسة قد عذَّبت وقتلت وأحرقت مئات الألوف من المسيحيين، وهي القرون التي استسلم فيها الشرق الإسلامي إلى سيادة الفقهاء النصوصيين فتجمدت الحالة الفكرية كلياً فيه، بينما استطاع المفكرون والفلاسفة الأوروبيون المسيحيون – بعد صراع طويلٍ ودامٍ مع محاكم الكنيسة -أُحْرِق فيه الكثيرون منهم، وكذلك كتبهم، على مقصلة الاتهام بالهرطقة/الردة، إلى الانتصار على مبدأ الاتهام بالردة عن المسيحية، بل إلغائه كلياً، فأسسوا بانتصارهم ذاك لغربٍ متحررٍ متمدنٍ متقدمٍ حضارياً وصناعياً وفكرياً.
ويخصص الباحث الفصل السادس والأخير، من بحثه، ليدرس، مستنداً إلى وقائع العصر السياسية والفكرية والاجتماعية وحالة التواصل العالمي والإنساني بين شتى المجتمعات والإثنيات الدينية، إمكانية المقاربة بين الإكراه على اعتناق الدين الإسلامي وبين حالة الانفتاح على الحضارات العالمية الإنسانية الأخرى، فيرى استحالة المقاربة بينهما من دون حالة صراع جديدة لا مجال للوصول من خلالها إلى تسوية سلمية من دون النظر إلى النص بعين عصرية متحركة متجدِّدة تأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة وليست النصوص الجامدة، ويأتي على رأسها إلغاء مبدأ الردة وإهمال حديث الفرقة الوحيدة الناجية من النار. ويحسب الباحث أنها مسألة سهلة المنال إذا ما أُخِذَت الأدلة النقلية والعقلية التي ساقها في الفصل الأول وإذا ما نُوقِشّت، من قبل الفقهاء المسلمين والمؤسسات الدينية الإسلامية المعترف بها، بانفتاح وبعين الجد والاهتمام والإخلاص.
إن مسألة الإصرار على الأخذ بمبدأ الردة –كما يرى الباحث- لن تعني حالة الاحتراب الدائم بين الإسلام والأديان الأخرى فحسب، وإنما يعِدُّ الباحث أن هذا المبدأ هو مشروع دائم لحالة الاحتراب الدائمة بين المسلمين أنفسهم أيضاً.
ويصل الباحث في نهايـة بحثـه إلى استنتاج أنه بعد ألف وأربعماية سنة من التكفير والتكفير المضاد، لم تحصل الدعوة الإسلامية فيها إلا على الدم والرماد والاقتتال في داخل الأمة الإسلامية، لذلك آن لهذه الأمة أن تخرج من مبدأ الإكراه على اعتناق الإسلام الذي ليس هو إلاَّ مبدأ يساعد تكاثر المسلمين المنافقين، بالإضافة إلى استحالة فرض الإسلام على الآخرين بالقوة. وليس أمام الفِرَق الإسلامية من أفق لإنهاء الصراع بينها حول احتلال موقع الفرقة الوحيدة الناجية من النار، هذا الصراع المعلن حيناً والمستتر أحياناً أخرى، إلا بالاتفاق بينها على إلغاء المبدأين اللذين يحسبانهما مقدَّسين وهما ليسا كذلك، فيكون البديل أن تعترف كل فِرقة بخيارات الفرق الأخرى بعيداً عن تكفيرها واتهامها بالردة عن الإسلام الذي ليس إلاَّ سبباً لاستحلال دمائها وأعراضها وأموالها.
* * *
مراجعة كتاب (في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام)
حسن خليل غريب: في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام: دار الطليعة: بيروت: تشرين الأول/أكتوبر 1999: ط1. يقع الكتاب في 474 صفحة من الحجم الكبير.
محتويــات الكتـــاب
البـاب الأول: القومية العربية ومرحلة التراكم التاريخي، السياسي والاجتماعي
- الفصل الأول: مرحلة الصفاء العربي: منذ الجاهلية حتى العصر الأموي.
- الفصل الثاني: العصر العباسي: تمهيد للانتقال من الدولة القومية إلى الدولة الأممية.
- الفصل الثالث: العصران المملوكي والعثماني: مرحلة الإسلام الأممي وانهيار التجربة السياسية.
الباب الثاني: مرحلة التكوين والتأسيس للفكر القومي العربي (العقائدي والسياسي).
- الفصل الرابع: بين الثوابت السياسية الامبريالية والحضارة الغربية، مساحة للتمييز بين الرفض والتفاعل.
- الفصل الخامس: مظاهر تأسيس الفكر القومي العربي (العقائدي والسياسي).
- الفصل السادس: مظاهر البناء السياسي وقضايا الصراع القومي العربي.
يؤسِّس الباحث في مقدمة كتابه لتوضيح ضرورة حسم إشكالية الصراع الدائر حول العلاقة بين العروبة والإسلام، فيقول: "للموضوع أهمية مُلِحَّة؛ والفصل بين طَرَفيْ الإشكالية التي يطرحها بنجاح أو فشل، يترتَّب عليه نتائج مصيرية على وضع الأمة العربية".
والسبب في ذلك أن هذه الإشكالية استنزفت الكثير من الطاقات الفكرية والسياسية والتنظيمية والإعلامية... وانخرط في معارك الاستنزاف تيارات عديدة، من أهمها طرفان:
-أحدهما ينفي العلاقة بين القومية والدين، ويضعهما في موقع الطرفين المتناقضين، وفيه تساوى كل من الرافضين للدين بحجة رجعيته، والأصوليون الرافضون للقومية بحجة استنكارهم إحلال أية رابطة غير الرابطة الدينية بين أفراد المجتمع الإسلامي.
- أما الثاني، فهو الموقف التوفيقي، الذي يحسب أنصاره أنه لا تعارض بين الإسلام والعروبة.
ولأن كلاً من التيارين لم يلاق أي قبول عند الباحث، أدلى بدلوه في بئر هذه الإشكالية العميق؛ فاستخدم، للوصول إلى نتائج يحسب أنه يتجاوز بها مواقف التيارات المذكورة، منهج البحث التاريخي-الاجتماعي، أي دراسة الحالة (العلاقة بين العروبة والإسلام) كما حصلت في التاريخ فعلاً، وما هي النتائج التي انعكست على وضع المجتمع العربي بفعل تلك العلاقة. فكيف توصَّل الباحث إلى ما عدَّه صحيحاً؟
قسَّم حسن غريب بحثه إلى بابين: يتناول في الأول منهما أُسُسَ العلاقة بين العروبة والإسلام قبل تمظهر الفكر القومي في نظريات. وفي الباب الثاني مرحلة التكوين والتأسيس للفكر القومي العربي.
ففي الباب الأول، بحث غريب، وعلى مدى ثلاثة فصول، التاريخ العربي-الإسلامي منذ عصر الجاهلية، والدعوة الإسلامية، مروراً بالعصر الأموي، وانتهاء بالعصر العباسي، الذي أورث للمماليك والأتراك العثمانيين دولة إسلامية أممية بمصادر تشريعها وتركيبها السلطوي، وقد تُوِّجت بخلافة غير عربية، فاكتمل عقد دولة إسلامية أممية برئاسة أممية غير عربية.
ففي الفصل الأول: توصَّل الباحث إلى أن الدولة الإسلامية –دولة المدينة المنوَّرَة- التي فرضت سلطتها بالكامل على قبائل شبه الجزيرة العربية، أحدثت مُتغيِّريْن أساسيين: توحيد القبائل تحت سلطة سياسية واحدة، ونشرت الدعوة للإسلام، الدين الذي وحَّد العرب وخلَّصهم من تعددية الأصنام.
لكن تلك المرحلة، وإن كانت قد وحَّدت القبائل فهي لم تستطع أن تلغ العصبية العشائرية، التي استمرت حتى القرن العشرين. وإن كانت قد وحَّدت العرب تحت لواء دعوة دينية واحدة، لكنها لم تصل بهم إلى وحدة فكرية عميقة. فما أن توفي الرسول المُوَحِّد حتى أخذ الإسلام يتفتت إلى مذاهب وفرق دينية مُسلَّحَة بالنص الديني الإسلامي، من جهة؛ وإلى العودة للعصبيات العشائرية والقبلية في صراع سياسي متواصل على السلطة، وتمظهرت في سلسلة طويلة من الفتن والصراعات الدموية.
ثم جاءت الفتوحات الإسلامية، التي أُنْجِز معظمها في العصر الأموي، لتشكِّل الجامع الأكبر للعرب، لعبت عدة من العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية دوراً كبيراً فيه، لكنها كانت تسير كلها تحت ذريعة نشر الإسلام، فجاءت لتُلبِّي طموحات الطبقات الحاكمة في السيطرة والتوسع.
ولما جاء العصر العباسي، كان مجتمع الدولة الإسلامية، التي تأسست بواسطة السيف العربي، يضم إليه الكثير من التناقضات على غير صعيد، ومنها: الإثنيات القومية، والتعدديات الدينية، والطبقية، والحضارية.
وإن كان هذا المزيج الكبير من الإشكاليات قد أسهم في تأسيس حضارة عربية إسلامية ذات شأن، فقد حمل، في الوقت ذاته بذور التفتيت والتجزئة، التي تمظهرت في سلسلة طويلة من الصراعات السياسية والمذهبية والقومية والطبقية... كان من أهم نتائجها أن العصر العباسي أسَّس لقيام دولة إسلامية أممية بتعددية شعوبها وحضاراتها، وتوَّجتها بقياد إسلامية غير عربية في عهد كل من المماليك والأتراك العثمانيين.
لم تستطع الدولة الأممية الإسلامية أن تحقق العدالة والمساواة بين رعاياها من المسلمين. وكانت اللاعدالة واضحة أكثر بحق رعاياها من غير المسلمين. ولذا تعددت الصراعات بين الدولة المركزية وبين كل تلك الإثنيات والتعدديات بأشكال مختلفة وعلى أكثر من صعيد.
كان من نتائج تلك المرحلة، موضوع الباب الأول، تعريب معظم المجتمعات الخاضعة للدولة الإسلامية، وكان للإسلام فضل في تعريبها لأن فهم تعاليم الإسلام وقراءة القرآن لن تتم إلا بمعرفة المسلم للغة العربية. وعندما تعرَّبت تلك الشعوب أخذت تتوحَّد: بتقاليدها وعاداتها وثقافتها. وانعكست وحدة اللغة على نوع من التكامل الاجتماعي والمصالح الاقتصادية والسياسية، وأخذت تشعر بالحاجة إلى وحدة سياسية عسكرية تحميها من الأطماع الخارجية، وهذا لم يكن يخفي توقها إلى نوع من القطرية/الانفصالية للمحافظة على استقلاليتها السياسية والاقتصادية وهذا ما كان يترافق مع خضوعها لمركزية الدولة في وقت واحد. ولكن بقيت عدة شعوب أسلمت ولكنها لم تتعرَّب لا باللغة ولا بالعلاقات الاجتماعية والفكرية ولا بالانتماء القومي، ولم تشعر بأي انشداد وحدوي مع الدولة المركزية إلا بحكم الخضوع لقوَّتها وسطوتها...
هذه هي الحال التي رست عليها الدولة الإسلامية الأممية عندما لحقت الهزيمة بالإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وهنا ، وفي نهاية الباب الأول، نتلمَّس أن الباحث يرى أن للإسلام فضل في تكوين ما يُعرَف اليوم بالأمة العربية، لكن هذا لا يعني –على الإطلاق- أن هذا الفضل يُرتِّب على الأمة أن تخضع لنظام إسلامي يحكم على أسس الشريعة الإسلامية بشكل كلي وكامل. إن التجربة السابقة، وعمرها مئات السنين، أثبتت فشلها وعدم صلاحيتها لأكثر من دليل تفصيلي في التاريخ عمل الباحث كل ما في وسعه للبحث عنها وأثبتها في الباب الأول من البحث.
لم يحل النظام الإسلامي، كما أثبتت وقائع التاريخ، مشكلات رعاياه، على الرغم من أنه كان يحكم على أساس ما نصَّت عليه قواعد الشريعة الإسلامية، التي كان يفتي بها فقهاء مسلمون. ولا يغيِّر من نتائج الحكم السلبية للدولة الإسلامية الواحدة، شيئاً ما كان يدَّعيه فقهاء مسلمون من مذاهب إسلامية كانت في صف المعارضة، من أن تلك الدولة لم تكن تحكم فعلاً على أسس الشريعة الإسلامية.
فهل تصلح الشريعة، إذاً، بعد تجربة مئات السنين لإقامة دولة تحقق العدالة والمساواة لكل رعاياها؟ وهذا ما حاول الباحث أن يفتِّش عن جواب عليه في الباب الثاني.
ففي الباب الثاني لم يُظهِر العرب أسفاً كبيراً على انهيار الدولة العثمانية باستثناء ما له علاقة بالخوف على الإسلام من الطغيان المسيحي الديني. وعندما تبيَّن أن البديل لن يكون نظاماً دينياً مسيحياً أخذت النُخب العربية تفتِّش عن هوية وحدوية تعيد تجميعهم.
كيف واجهت الشعوب، التي كانت تخضع لحكم الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، زلازل انهيار الرأس القائد للدولة الإسلامية الأممية؟
لم يحصل انهيار تلك التجربة، التي بنتها مئات السنين، بفعل التآمر الخارجي فحسب، بل ساعد على ذلك العديد من الإشكاليات السياسية والدينية والعرقية والطبقية، حيث كانت الشعوب الخاضعة لنفوذ الدولة تعمل في سبيل التحرر من هيمنتها، ومن تلك الشعوب كان الناطقون باللغة العربية، والذين أصبحوا من المحسوبين في دائرة العروبة، يعملون للتخلُّص من نير الحكم العثماني الإسلامي أيضاً.
واللافت في الأمر، كما يحسب الباحث، أن كل الشعوب التي لم تتعرَّب، عادت مطمئنة إلى أحضان قومياتها من دون اتهامات ضدها من قبل الإسلاميين أو من الأمميين العلمانيين، ولكن بقي الاتهام موجَّهاً إلى العرب الذين يعملون في سبيل لم شمل الأجزاء الناطقة باللغة العربية، والتي بقيت من دون هوية مُتَّفَق عليها.
ويتابع الباحث في الباب الثاني، فيرسم صورة شاملة للوضع الذي رست عليه ما أصبحت تُعرَف بالأمة العربية؛ فنرى، من خلال بحثه، أنه قد تساوى في الهجوم على الداعين لوحدتها كل من: واضعي إتفاقية سايكس-بيكو، والأمميين الماركسيين والأصوليين الإسلاميين. فهل هذه الاتفاقية ترضي الماركسيين، وهل ترضي الأصوليين الإسلاميين؟ إنه سؤال يرفعه الباحث بحدة ووضوح، ويطالب كل من يدعو إلى رفض الفكر القومي أن يتحمَّلوا مسؤولياتهم في الإجابة عليه.
يصبح من الواضح أن الصورة البانورامية الشاملة، التي رسمها الباحث، للوضع الذي رست عليه الأوضاع الجغراسية للأمة العربية، في أعقاب انهيار تجربة الدولة الإسلامية الأممية، أن عدة تيارات سياسية تتمزقها: منها القادم من الغرب الاستعماري، ومنها ما هو موجود في رحمها. والموجود في رحمها هو ما يجب أن يُحْسَم أولاً، لأنه لا يمكن لأمة أن تقاوم الغزو القادم من الخارج في الوقت الذي يتصارع فيه أبناؤها في الداخل. ويأتي على رأس تلك الأمراض الخلاف الكبير حول تحديد الهوية، بحيث أنه ما لم يتم الاتفاق حولها يصبح من غير الممكن أن نحدِّد أي نظام سياسي نريد أن يحكمها.
بعد اتفاقية سايكس- بيكو أصبحت الصورة على الشكل التالي:
- الماركسيون: وقفوا موقفاً سلبياً من القومية والوحدة العربية، ولم تشفع لهم مواقفهم المستجدة منذ الربع الأخير للقرن العشرين لأنهم لم يبلوروا، حتى الآن، أي مشروع نظري قومي جدي.
- الأصوليون الإسلاميون: الذين ما زالوا يضعون العوائق في وجه أي توجه عربي قومي وحدوي، وهم ما زالوا يحلمون ببناء دولة إسلامية مُوَحَّدَة، ويحسبون أن العمل في سبيل قيام دولة قومية عائقاً جدياً في سبيل مشروعهم، ولذلك ما زالوا يحسبون أن القومية ما خُلِقَت إلا لمحاربة الإسلام. وهم بذلك يرفضون قيام وحدوية قومية عربية، بينما أثبت التاريخ استحالة نجاح المشروع، الذي يحلمون فيه، مرة أخرى.
- القطريون: الذين يدعون للتقوقع في داخل أسوارهم القطرية، وهم على الرغم من تراجع تأثيرهم فإنهم غير متضررين من إدامة الصراع بين القوى والتيارات الرئيسة: الإسلاميون، الماركسيون، القوميون.
فهل كل هؤلاء إلا من الذين يتوافقون، بشكل واعٍ أم بشكل مُضَلَّل، مع ما فرضته اتفاقية سايكس-بيكو وما زالت تفرضه، من أهداف ومشاريع تقسيمية تطال الأمة العربية وحدها؟
ولأن تجربة الدولة الإسلامية الأممية لاقت فشلاً في تطبيق العدالة بين كل رعاياها، على شتى انتماءاتهم الدينية والعرقية … دعا الباحث للاستفادة من تراث الحضارة الإنسانية، ومنها الحضارة الغربية، فوجد أن من أهم المبادئ السياسية التي يمكن للعرب أن يستفيدوا منها هي تلك المبادئ السياسية الحديثة كالديموقراطية والعلمانية. وإن الاستفادة من نتائج الحضارة العالمية يجب أن يتمَّ من دون خوف أو تخويف، ففي الحضارة الإنسانية ما يمكن أن يُسهم في معالجة بعض أمراضنا، ومن الممكن أن نُجري على الأدوية القادمة من الخارج أية تعديلات نراها مناسبة لمعالجة أمراضنا التي نتميَّز بها. وليس العلاج أن نرفض الدواء لأنه مصنوع في مختبرات الغرب.
ثم يخلص في نهاية بحثه إلى دعوة للحوار الجاد والجدي في سبيل الخلاص من مرحلة الصراع حول الهوية.
***
مراجعة كتاب ( نحو تاريخ فكري – سياسي لشيعـة لبنان)
حسن خ. غريب: نحو تاريخ فكري – سياسي لشيعة لبنان: دار الكنوز الأدبية: بيروت: 2000: ط 1: عدد صفحاته: 300 صفحة من الحجم الكبير.
في محاولة للبحث عن أسباب وجذور الطائفية السياسية، بواسطة سلسلة من الأبحاث التي تتناول الجذور الفكرية والسياسية لشتى الطوائف في لبنان، يبدأ الباحث حسن غريب مشروعه بالبحث عن تاريخ فكري – سياسي للشيعة فيه.
في مقدماته المنهجية، التي تهم الباحثين، وهي طويلة نسبياً، يقول الباحث إنه على القارئ أن لا يُفهم من خلال نقده الموجَّه للفكر الشيعي أنه يفضِّل مذهباً دينياً على آخر، فهو يقف على المسافة ذاتها من شتى المذاهب الدينية الإسلامية. وهذا ما ينطبق، أيضاً، على موقفه من شتى الأديان. وهو لهذا السبب يعد بحثه عن شيعة لبنان حلقة أولى في مشروع فكري يجهد الباحث لاستكماله.
يقسِّم الباحث كتابه إلى أربعة أبواب، وثمانية فصول. وقد أنجز البابين الأول والثاني، وصدَّرهما في جزء أول، وهو الكتاب الذي نتكلم عنه، وتكلَّم فيه عن تاريخ شيعة لبنان منذ العام 635م حتى العام 1943م، تاريخ استقلال لبنان؛ ووعد بأن يكمل البابين الآخريْن في موعد لاحق، بحيث يستكمل البحث منذ العام 1943م وحتى الآن.
عرض غريب، في الفصل الأول، بمنهجية نقدية الفكر الشيعي بشكل عام، والمذهب الإثني عشري بشكل خاص، لأنه المذهب الذي تنتمي إليه أكثرية الشيعة في لبنان. وقد تناول فيه مرحلة ولاية الفقيه التي كثُر مؤيدوها بعد العام 1980م.
وعرض في الفصل الثاني مسألة عامة لها علاقة بالشيعة، بشكل عام، وهي مسألة سياسية شائكة، أي العلاقة بين الشيعة والشعوبية. وحسب الباحث أن هذه المسألة قد عفى عليها الزمن إلى أن استعادت أهميتها بعد أن حاول الخطاب السياسي المعاصر أن يعيد طرحها من جديد. وقد توصَّل الباحث إلى نتيجة مفادها أن علاقة الشيعة بالفرس، وهم الطرف الذي وُجِّهت إليه الاتهامات بإثارة المسألة الشعوبية، لم تتعد إطار الأهداف السياسية المشتركة للطرفين، وقد كانت تحصل في ظروف الصراعات بين شتى المذاهب الإسلامية، والتي كانت ظروفاً مؤقتة. فلا علاقة بين الظروف السياسية التي كانت تفرض التحالف بين الطرفين وبين أصول الفكر الشيعي.
وهو يزيح الستار عن ذلك الإلتباس التاريخي الذي عمَّمه الخطاب السياسي يرى الباحث أن العلاقة السليمة بين الشيعة وبين المذاهب الإسلامية الأخرى، أو بينهم وبين السلطات غير الشيعية، لن تكتمل فصولاً إلا من خلال عدالة سياسية واجتماعية يأخذ فيها الشيعة حقوقهم كمواطنين وليس كمذهبيين.
يتابع غريب في الفصل الثالث بحثه عن العلاقة التاريخية بين الفكر الشيعي النظري وبين تطبيقات هذا الفكر على الصعيد السياسي والاجتماعي في لبنان. وفي بحثه حول هذا الجانب يُخضع وقائع تاريخ الشيعة فيه لإرادة البحث النقدي الاجتماعي. ومنه يصل إلى النتائج التالية:
- كانت شتى السلطات السياسية الإسلامية، وآخرها السلطة التركية العثمانية، تحكم الولايات العربية بواسطة أدوات نخبوية عائلية محلية. وكانت تلك الأدوات في جبل عامل الشيعي من النخب العائلية الشيعية.
- كانت العلاقة بين زعماء الشيعة والباشاوات والولاة الأتراك علاقة التابع مع المتبوع. وهي عبارة عن علاقة يتبادل فيها الطرفان المصالح السياسية والمالية، بحيث كان المتبوع / الحاكم التركي يبتزُّ التابع / الزعيم الشيعي، وهذا بدوره يبتز العامة من الشيعة.
-كانت العلاقة بين زعماء الشيعة وبين قواعد الشيعة علاقة استغلال واستبداد، يمارسها الزعيم بحق تابعيه؛ بحيث كانت القاعدة الشعبية الشيعية رعية تخدم مصالح زعمائها. وعلى الرغم من وسائل القهر التي كان يستخدمها الزعماء، كان رضوخ عامة الشيعة واستسلامها لإرادة الزعيم قائماً، كما يحسب الباحث، على إيمانها بمسلّمتيْن، وهما:
الأولى: تستند إلى إيمان ديني يدعو إلى إطاعة أُولي الأمر.
الثانيـة: تستند إلى تعبئة نفسية، كانت توهم عامة الشيعة بأن الزعيم هو الذي يستطيع وحده أن يحافظ على المذهب وعلى كرامة المنتسبين إليه، والدفاع عنه وعنهم ضد اعتداءات المذاهب الأخرى.
يتناول الباحث في الفصل الرابع مرحلة انهيار الحكم التركي العثماني، وانتقال لبنان إلى الخضوع لسلطة الانتداب الفرنسي. وفي تلك المرحلة يتحوّل الزعيم الإقطاعي، سابقاً، إلى زعيم سياسي يمثّل الطائفة الشيعية في مؤسسات السلطات الجديدة، تلك المؤسسات التي بناها الانتداب على قاعدة المفاهيم السياسية والإدراية الأوروبية الحديثة.
وفي هذه المرحلة، التي ابتدأت منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وأنهاها الباحث منهجياً في العام 1943م، وللمرة الأولى تعترف سلطة سياسية بالمذهب الشيعي وبحقوقه السياسية. فمنذ تلك اللحظة أخذ شيعة لبنان موقعهم السياسي إلى جانب خمسة عشرة طائفة دينية من المسلمين والمسيحيين.
وإن كان الشيء الجديد هو اعتراف للشيعة بحقوقهم، إلا أن ممثليهم السياسيين لم يتغيّروا، فبقي الزعماء التقليديون أولياء للأمر مُطاعون، ولا سيما هم ورثة الزعماء الذين كانوا يتولون أمر رعيتهم في أيام الحكم التركي العثماني.
لقد ظلت المسلمات التي كانت تحكم علاقة الزعيم بالقاعدة الشعبية هي ذاتها على الرغم من تغير الظروف السياسية والإدارية:
فالزعيم كان الوسيط بين السلطة الجديدة والقاعدة الشعبية.
والزعيم هو الذي يحفظ المذهب الشيعي، ويحافظ على كرامة الشيعة.
ما هي النتيجـة الأخـيرة، للسؤال الذي استند إليه البحث، والقائل: هل هناك علاقة ما تربط الفكر الشيعي النظري مع الواقع السياسي والاجتماعي للشيعة؟
-بقي الخضوع لولي الأمر ووجوب إطاعته سائداً.
-كان الظلم الذي يمارسه ولي الأمر / الزعيم يتنافى مع دعوة المذهب للعدل بين الشيعة وممارسة الرحمة فيما بينهم.
-كان رجل الدين الشيعي – في أكثر الأحيان – يؤيد ولي الأمر / الزعيم الإقطاعي، ومن بعده الإقطاعي السياسي، ويدافع عنه. وكانت تلك الممارسة على العكس مما ينص عليه الفكر الشيعي من وجوب الوقوف في وجه الظالم وإلى جانب المظلوم.
فالنتيجة الأخيرة هو أن هناك طلاق بين الشيعية الفكرية والشيعية السياسية. وكانت كفتا الميزان غير متوازيتين، إذ كانت إحداهما ترجح لمصلحة السياسيين.
ولم تكن المظالم تلحق بالقواعد الشيعية من الآخر، بل أشدها كانت تنزل بهم بواسطة زعمائهم السياسيين وسكوت فقهائهم الدينيين.
***
ورد في مجلة المشاهد السياسي، في العدد 274، بتاريخ 10 - 16 حزيران / يونيو 2001م، مراجعة كتاب »نحو طاولة حوار بين المشروعين القومي والإسلامي«
المؤلف: حسن خليل غريب.
الناشر: دار الطليعة - بيروت.
يحتوي الكتاب على مجموعة من الأبحاث، التي نشرها الباحث في عدد من الدوريات الفكرية، بدءًا من العام 1994م، وتدور حول موضوعين رئيسين: القومية والدين، العروبة والإسلام.
وهذه الأبحاث هي التالية:
1- العلاقة الجدلية بين المؤثرات الذاتية والخارجية في واقع التفتيت القومي والإسلامي.
2- محمد عمارة: مفكر إسلامي يشد لحاف التيار القومي نحو كامل الإسلام.
3- وجهة نظر ودعوة إلى الحوار بين العروبة والإسلام.
4- هل يحقق الفقه المذهبي الإسلامي وحدة الدولة والقانون؟
5- بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي مسافة عبور محنة الردة.
يُمهِّد الباحث لأبحاثه المنشورة بدعوة إلى الحوار بين المشروعين القومي والإسلامي. وهو يعني أولاً الإسلاميين الذين أقفلوا أبواب الحوار بين الإسلام والقومية على قاعدة أن الإسلام هو نصوص ثابتة، وليس هناك أية رابطة بين البشر غير رابطة الدين، وثانياً:الإسلاميين الذين يدعون إلى الحوار على قاعدة أن يشدوا اللحاف، بكامله، نحو تطبيق الإسلام بكل جوانبه الحضارية والشرعية، وهم يحسبون أن هناك حالة من العداء موجودة بين المشروع القومي العربي والمشروع الإسلاميً. والباحث يدعو الجميع، في أبحاثه، إلى التخلي عن أصولية يحسبون أنها إلهية بنصوصها، ولا يمكن إحداث أي تغيير فيها.
يتساءل، في بحثه الأول، عن أسباب تخلف الأمة: أهو صادر عن مؤامرة خارجية، أم هو صادر عن قصور ذاتي في داخلها؟ ويخلص إلى نتيجة مفادها: أننا تناسينا في غمرة نقدنا الخارج / الآخر أننا مسؤولون ذاتياً عن وجود هذا التخلف، وهو الوجه الآخر للإشكالية التي علينا أن نوليها عنايتنا ونقدنا.
أما في بحثه الثاني، الذي جاء رداً على المفكر الإسلامي، محمد عمارة، فيتوجه إلى المفكر المذكور مناشداً أن يتخلَّى، وهو الداعي للحوار، عن مسلَّماته، لكي يصبح للحوار جدوى. وإذا لم يفعل ذلك فكأنه يقفل أبواب الحوار قبل أن يفتحها. وهو يصبح، بمنهجه الحواري، كمن يريد أن يستدرج الآخر إلى القفص / السجن، أي هو غير مستعد أن يغيِّر قناعاته، بل يشدُّ الآخر إلى الاقتناع بها. وهو بهذا كمن لا يدعو إلى الحوار، بل أن يعطي للآخر فرصة أن يقتنع بتلك المسلمات.
ويأتي الباحث، حسن غريب، في بحثه الثالث، لكي يلقي الضوء على مفهوم المقدسات السائدة في الفكر الديني، وهو يخلص بنتيجة إلى أن المقدسات الدينية ليست مطلقة بل هي نسبية. ولهذا تصبح مقدسات كل دين مطلقة بالنسبة إليه، ونسبية بالنسبة للأديان الأخرى. ففي مثل هذه الحالة يضيع المقدس، ولا يبقى ثابتاً ومطلقاً. فلن يتميَّز، إذاً، عن الحقائق الوضعية، التي هي منهج للفكر القومي، الذي هو الوحيد الذي يستطيع أن يضع قوانين يرتضيها كل المنتسبين إلى الأديان لأنها تنظر إلى مصالح الجميع بمكيال واحد، من دون النظر إلى دينهم أو أفكارهم.
ويأتي دور البحث الرابع، ليثبت أن فقه المذاهب الإسلامية غير موحَّد؛ فهو، إذاً، لن يكون موحِّداً. ولأن المجتمع يضم مذاهب وأديان متعددة، فلن يكون ذلك الفقه عامل توحيد في المجتمع الواحد المتعدد. ويتساءل الباحث: إذا كان الفقه المذهبي لا يملك المقدرة على أن يوحِّد شتى التيارات في داخل المذهب الواحد، فهل يستطيع، إذاً، أن يوحِّد شتى المذاهب في داخل الدين الواحد؟ وإذا كان لا يستطيع ذلك، إذاً، سيكون عاجزاً عن توحيد القوانين التي ستحقق مصالح شتى شرائح المجتمع الدينية. فهو، إذاً، لن يحقق وحدة الدولة والقانون. وهنا، يصل الباحث إلى نتيجة أساسية، أنه لن يحقق تلك الوحدة سوى القوانين الوضعية.
ويتصدَّى الباحث في بحثه الأخير إلى أهم قانون يستخدمه المتدينون من شتى الأديان السماوية وغيرها، في محاكمة الخارجين عن النصوص الدينية بحجة قدسيتها، فيتهمونهم على أساسه أنهم مارقون وكافرون ومرتدّون. وقد برهن الباحث غريب في بحثه الثالث، وجهة نظر، عن ضعف تلك القدسية. وفي بحثه الأخير يسلِّط الأنظار إلى أن مبدأ الردة عن الدين هو مخالف لحق العقل في التفكير، وهو من أهم أسباب التخلف التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية. ويقف أمام المفارقة التالية: عندما اجتاز المجتمع الغربي المسيحي مسافة الردة وأعطى للعقل حقه بالتفكير وأخذ »ينعم بعطايا الله سبحانه وتعالى. أما نحن، فما زلنا نعيش ونحيا في زمن الردة وعقوباتها، ولا نحظى بما حظي به الغرب«. فبين ظاهرة اجتياز الغرب لمسافة الردة وإبقاء سيفها مسلَّطاً في الشرق الإسلامي، لم نر أن إلغاء مبدأ الردة قد أدَّىِ إلى عقوبات إلهية للمجتمع الغربي المسيحي. ولم نر أن تمسُّك الأصوليين الإسلاميين بها قد أدّى إلى مكافآت إلهية للمجتمع الشرقي الإسلامي.
***
مراجعة كتاب »الماركسية بين الأمة والأممية«
الماركسية بين الأمة والأممية: لمؤلفه حسن خليل غريب، صدرت الطبعة الأولى عن دار الطليعة: بيروت: أيار / مايو 2002م، في 206 صفحات من الحجم الوسط.
صدر للباحث حسن خليل غريب، عن دار الطليعة في بيروت، كتاب جديد يحمل عنوان »الماركسية بين الأمة والأممية«،. يتوزَّع البحث إلى مقدمة وأربعة فصول، وهي:
-الفصل الأول: مقدمات ماركسية فكرية حول المسألة القومية.
-الفصل الثاني: مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من المسألة القومية.
-الفصل الثالث: محطات نقدية حول الفكر الماركسي وموقفه من المسألة القومية وقضايا الأمة العربية.
-الفصل الرابع: الماركسية بين خيارين مركزيين: الحلم الأممي أم الواقع القومي.
يدعو الباحث، في مقدمته، التيارين القومي والماركسي إلى العودة للجلوس إلى طاولة للحوار حول المسألة القومية العربية، لأنهما معنيان:
-أولاً: بأن يتفقا حول رؤية فكرية موَّحدة حول قضايا الأمة العربية، الأمة التي يجمعهما الحرص على إعادة استنهاضها والسير بها نحو التغيير والتطور، ونحو بنائها بما يضمن خيرها وتقدمها.
ثانياً: للتيارين جذور تاريخية، في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين، كانا فيها متفقين حول هوية الأمة العربية. لكن لم يُكتَب لها الاستمرار بسبب الاختلاف حول هوية المركزية السياسية، أهي مركزية أممية سوفياتية، أم مركزية سياسية عربية.
-ثالثاً: لدى التيارين رغبة بإعادة الحوار، ينقل الباحث بعض نصوص الدعوات الحوارية التي تعبّر عن رغبتهما تلك.
ينتقل الباحث إلى الفصل الأول، فيحاول أن يقرأ موقف الماركسية من المسألة القومية من وجهات نظر ماركس وإنجلز ولينين، وتطور الموقف الستاليني، ثم مواقف العهود المتتالية للاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى عهد غورباتشيوف. فيجد أن ماركس كان يولي المسألة القومية اهتمامه ما دامت تشكل فاتحة سليمة لدخول الباب الأممي. والباب الأممي في فكر ماركس يرتبط ارتباطاً وثيقاً مع مصلحة البروليتاريا. ولأن مصلحة البروليتاريا مسألة إنسانية، ولأن الظلم اللاحق بها هو ذاته في كل زمان ومكان، فعلى كل بروليتاريا العالم أن تتحد عالمياً لمواجهة مصدر الظلم الأممي، وعليها أن لا تتعلق بقومياتها لأنها سوف تكون عائقاً، بشوفينيتها، دون تعاون البروليتاريين الأممي. ولا ضير أن تكون القومية مرحلة من مراحل نضال البروليتاريا، بحيث تنتقل من مرحلة »أمة البروليتاريا« نحو دولة أممية تقودها البروليتاريا بنفسها على قاعدة نظام اقتصادي يسميه ماركس بالنظام الاشتراكي. ولما انتقلت الماركسية إلى مجال التطبيق العملي على أيدي لينين، كانت القوميات في أوروبا قد شقت طريقها بجدية وأصبحت مركز الاهتمام في الفكر الفلسفي والسياسي لمعظم دول العالم، فتحول العصر من عصر الإمبراطوريات الكبرى إلى عصر الدول القومية التي أخذت تبني حدودها القومية بحماية فكرية إنسانية وسياسية دولية.
أخذت المسألة القومية حيزاً واسعاً في فكر لينين وسياسته، لكنه لم يصل باهتمامه إلى الدرجة التي يعطي فيها للقومية تحديداً علمياً ثابتاً. لكننا نرى أن مواقفه منها كانت تتطور باستمرار كلما كانت القوميات تشق طريقاً جديداً في الفكرين الإيديولوجي والسياسي لشعوب الأرض، لكنها لم تكن لتخرج عن دائرة أن تبقى القومية متغيراً أساسياً يعمل لمصلحة الدولة الأممية.
ولما أتى ستالين، رأى أن الأممية حلم مستحيل التحقيق، وعمل على أساس أن بناء الاشتراكية يمكن أن يحصل في دولة واحدة. لهذا السبب دعا الشيوعيين في العالم إلى حماية الدولة الاشتراكية الأولى في الاتحاد السوفياتي، ورأى أن لها حقوقاً على شيوعيي العالم ومن أهمها حقها الأول بحمايتهم في وجه الهجمة الرأسمالية. وبهذا تحوَّل الفكر الأممي لشيوعيي العالم إلى حماية دول الاتحاد السوفياتي، لأنهم من خلال حمايتهم لها يرسمون طريق تحررهم وانتسابهم إلى الدولة الأممية الأم في المستقبل.
ولما انتهى عهد ستالين كانت حدة الصراع بين النظامين الاشتراكي / الشيوعي والرأسمالي / الغربي تزداد وتفرض على الدولتين شدة في الإنفاق العسكري لإبقاء عامل الرعب متوازناً بينهما، السبب الذي أخذت فيه مصاريف التسلح تأكل كثيراً من قوت البشر، اضطرَّ فيه الدولتان على عقد صفقات من الاتفاقيات السياسية للتوفير من نفقاته. انتهت في أواخر القرن العشرين إلى عجز واضح عند الدولة الاشتراكية وأعلنت خسارتها في معركة عض الأصابع الاقتصادية. وكأن الحلم الأممي قد انتهى عندها أعلن غورباتشيوف نهايته في حملة إصلاحية جديدة لا تتابع بناء الحلم الأممي بل تبقيه حلماً تتربى على أسسه الفكرية كل البروليتاريا في العالم على أن يصبح الواقع القومي أكثر واقعية ومنالاً يسترشد بإيجابيات الفكر الأممي.
أما في الفصل الثاني، فيتابع الباحث، من خلال وثائق العديد من الأحزاب الشيوعية العربية، مواقفها من القومية العربية وقضاياها الرئيسة: الفكر القومي بشكل عام، والوحدة العربية بشكل خاص، والقضية الفلسطينية كونها القضية القطرية / القومية الأكثر تأثيراً وتفجراً في الصراع بين الاستعمار الرأسمالي والصهيونية العالمية. وجد الباحث أن بعض تلك الأحزاب وقفت، في بداية الثلاثينات، موقفاً واضحاً في إيجابيته من تلك القضايا لكنه لم يستمر طويلاً، فتتبنى مواقف أخرى سلبية تستمر في سلبيتها إلى أواسط الستينات من القرن العشرين. ومن تلك المرحلة يجد الباحث أن أكثر الأحزاب الشيوعية العربية أخضعت مواقفها السابقة إلى مبضع النقد وقامت بمراجعتها، وأعلنت منها مواقف جديدة تقترب أكثر من ملامسة قضايا الأمة العربية بمسؤولية.
أما في الفصل الثالث، فيتابع الباحث مهمة التفتيش عن الزوايا التي واجهت فيها الماركسية والأحزاب الشيوعية العربية جملة من حملات النقد قامت بأودها تيارات بعضها ماركسي وبعضها الآخر قومي. ومن خلالها لا يجد الباحث في النقد أكثر بكثير مما جاء في نقد الأحزاب العربية لنفسها، مع فارق وحيد هو أن الأحزاب الشيوعية العربية من مواقف متعصبة، استناداً إلى موجة التعصب الإيديولوجي الذي مارسته كل الأحزاب العربية، حاولت التخفيف من مقدار مسؤوليتها في الأخطاء التي ارتكبتها.
لم تنته مهمة الباحث عند حدود العرض والنقد، بل يتابع في الفصل الرابع، مهمته التي أشار إليها في مقدمة البحث، وهي التمهيد لمد طاولة للحوار بين المشروعين الماركسي والقومي، فيقوم في ذلك الفصل بمحاولة لمد تلك الطاولة من خلال التأسيس لجدول أعمال اجتماعات الحوار، فيقتطف عدة من القضايا التي يرى أنها أساسية ومركزية ورئيسة، ومنها يكتشف أن شتى التيارات قد توافقت، من دون أن تلتقي، حول الكثير منها. وكان من أهمها: القومية العربية ليست متغيراً بل هي ثابت إنساني لا يجوز للعرب أن يتخطوه في معارك نضالهم الداخلية والخارجية. تلك القومية يجب أن تكون، بالضرورة، إنسانية المحتوى والمضمون، ولا يجوز أن تسلك طريق التعصب الشوفيني. ومن أهم مميزات تقدميتها أن تحارب الاستعمار والرأسمالية المتحالفتين مع الصهيونية العالمية.
وأخيراً يرمي الباحث الكرة في ملعب التيارين على مختلف اتجاهاتهما الفكرية والحزبية ولا يستثني منهم أحداً، لأنه لا يجوز لأي منهم أن يتنصل من مسؤوليته، لأن السقف العربي إذا تهدم فلن ينجو أحد من الموت خنقاً تحت الردم، ولن يبرّأ التاريخ أحداً بحجة أنه كان هو المصيب أما الآخرون فكانوا من الخطأة.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق