بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الجمعة، 22 يناير، 2010

الجريمة الأميركية المنظمة في العراق (الكتاب الثاني - الفصل الثاني)

الفصل الثاني
جرائم الحرب المنظَّمة
أولاً: في استخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً
أشار الخبراء الذين يعملون في منظمة حقوقية تدعى (بيسرايتس) إلى أن الطائرات البريطانية أسقطت 70 قنبلة عنقودية، وأطلقت قوات المدفعية البريطانية ألفي قذيفة منها. وأعلنت منظمة هيومان رايتس ووتش أن اكثر من 1000 مدني قتلوا أو أصيبوا بجروح من جراء انفجار نحو 13 ألف قنبلة عنقودية أمريكية وبريطانية في حرب العراق( ).
وطعنت مجموعة من أطباء الصحة العامة بالإحصاء الرسمي للقتلى المدنيين في الحرب العراقية الذي وضعته وزارة الصحة العراقية الذي يقول إن 3853 مدنياً عراقياً فقط قتلوا وجرح 15517 آخرين خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب على العراق. وطالبوا بإجراء تحقيق مستقل لتحديد أرقام القتلى بشكل دقيق. وهذه محاولة جديدة من المختصين الطبيين لتحديد عدد القتلى المدنيين بعد أن رفضت الحكومة البريطانية قبول تقديرات خبراء الأوبئة(*) في تشرين الأول/ أكتوبر 2004، بأن عدد القتلى هو 100 ألف قتيل( ).
وفي المؤتمر الذي نظمه نشطاء قانونيون عراقيون، عُقد في بغداد بتاريخ 22/ 3/ 2005، تحت شعار (جرائم الحرب في الفلوجة)، عُرض فيلم فيديو يبين حجم الدمار والخراب الذي فعلته الآلة العسكرية الأمريكية بالفلوجة، وتضمن مشاهد عدد كبير من المنازل والمباني السكنية والمحال التجارية التي دُمّرت بشكل كامل. كما عرض مئات الصور الفوتوغرافية لمقاتلين قتلتهم القوات الأمريكية ومارست ضدهم أعمالاً وحشية. وتبين هذه الصور عددًا من القتلى وقد أجريت لهم عمليات جراحية، قبل قتلهم، في أنحاء متفرقة من أجسامهم، مما يشير إلى سرقة أعضائهم. واتهم صباح ناجي العلواني، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وكمال حمدون، نقيب المحامين في مدينة الفلوجة، القوات الأمريكية باستخدام كل أنواع الأسلحة وبينها المحرمة دوليًّا في هجومها على المدينة (الصورة الرقم 1)( ). وتؤكد تلك الأقوال صور المآتم الجماعية التي تشهدها مدن العراق وقراه (الصورة الرقم 2).
كما عرض قسم حقوق الإنسان التابع لهيئة العلماء المسلمين في بغداد يوم 19/ 3/ 2005 المؤتمر أظهرت آثار حروق وتفحم على بعض الجثث، مما يشير إلى استخدام قوات الاحتلال أسلحة محرمة أثناء هجومها. واستعرض شهادات لعراقيين أكدوا تعرضهم لغازات سامة. و شهادات أخرى لجرائم ارتكبتها قوات الاحتلال في مناطق أخرى من العراق.
وقال حارث الضاري الناطق باسم الهيئة: «لقد تم توثيق هذه الانتهاكات بالصوت والصورة، حيث تم أخذ توقيعات من تعرضوا لتلك الانتهاكات». وأشار إلى أن «مرحلة التوثيق بدأت بتسجيل أسماء الشهداء القتلى على يد الاحتلال في منطقة بغداد، حيث قام فرعا الرصافة والكرخ (ببغداد) بمسح جغرافي لتلك المناطق التي شهدت مداهمات وعمليات قتل لمواطنين على يد جنود الاحتلال»( ).
وأعلن الدكتور خالد الشيخلي ممثل «وزارة الصحة العراقية»، أن المسوحات والأبحاث التي رفعها الفريق الطبي إلى الوزارة تؤكد استخدام مواد محرمة دوليًا مثل غاز الخردل والأعصاب والمواد الحارقة الأخرى، حيث إنها ستسبب للمواطنين أمراضًا خطيرة على المدى البعيد. ولم يستبعد استخدام المواد النووية والكيماوية, بدليل أن جميع أشكال الطبيعة انتهت فيها, كما أن الكلاب السائبة والقطط والطيور قد نفقت من تلك الغازات( ). ونقلت صحيفة الغد الأردنية عن مدير قسم الحروق في مستشفى الفلوجة القول إن (700) جثة محترقة، بفعل الأسلحة المحرمة دولياً، عثرت عليها الفرق الصحية في المدينة( ).
أعلن الدكتور محمود العامري مدير قسم أمراض السرطان في مستشفى اليرموك في بغداد أن الحرب على العراق نتج عنها أمراض فتاكة. وقال: إن الولايات المتحدة استخدمت في حربها 61 صاروخًا جربته لأول مرة في العراق, كما استخدمت اليورانيوم والنووي المحدود بكمية كبيرة جدًا خاصة في الفلوجة والرمادي وسامراء والموصل وتل عفر وبعقوبة والنجف. ونقل عن إحصائية رسمية للوزارة أن 40 حالة سرطان شهريًا تفتك بالعراقيين, فيما سجلت 7500 حالة سرطان للجلد في نهاية العام الماضي. أما عن مجمل الإصابات التي سجلت في صفوف العراقيين من بداية الاحتلال وحتى الآن فهي 140 ألف حالة سرطان في الجلد والدم. وقسم كبير منها لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين تسعة أشهر إلى تسعة أعوام, مبينًا أن قوات الاحتلال تحاول التكتم على الموضوع لأنه سيسبب لها فضيحة تاريخية( ).
الأسلحة الأمريكية التي استخدمها جيش الاحتلال الأميركي، تحتوي على الكثير من اليورانيوم، فهم استعملوا ما مقداره أربعة ملايين رطل من اليورانيوم في العراق.وحيث لا يمكن إزالة اليورانيوم من الجسم فإنه ليس له أي علاج. وسيبقى عملياً في الجسم إلى الأبد. فكم قنبلة نووية بحجم القنبلة النووية التي ألقيت على ناجازاكي يمكن أن تنشر أربعة ملايين رطل من اليورانيوم ؟ الجواب هو 250,000 قنبلة نووية . ويتساءل كاتب التقرير الأميركي قائلاً: من يمكن أن يفعل شيئاً كهذا ؟ ليجيب: نحن فعلنا ذلك. الوحيدون في تاريخ هذا العالم الذين شنوا حرباً نووية بهذا الشكل هم الأمريكان. وأوضح أن تأثيراته ستصل إلى أوربا، كما لن تسلم أميركا نفسها منها. فما نشره الأميركيون في العراق سيعود إلى أميركا، سيكون غبار اليورانيوم في أجساد الجنود الذين سيعودون فكل منهم قنبلة موقوتة( ).
إن كمية اليورانيوم المنضب، التي استخدمتها الولايات المتحدة في عدوانها على العراق، يشكِّل حرباً نووية . وعن ذلك نشرت صحيفة علم النفس الوقائي، في عددها 169، مقالة كتبها آرثر بيرنكلو، المدير التنفيذي لمنظمة «محاربين قدماء من أجل الدستور»، قال فيها: إن سبب استقالة انطوني برنسيبي سكرتير شؤون المحاربين القدماء هو فضيحة استخدام قذائف اليورانيوم في حرب العراق .ويضيف: إن تلك القذائف سبَّبت «المرض الذي أصيب به الآلاف من جنودنا وماتوا به، وقد كشفت الآن الحقيقة الشنيعة». وقال أيضاً: «إنه من بين 580400 جندي شاركوا في حرب الخليج الأولى مات حتى الآن منهم 11 ألفاً». وفي سنة 2000 كان هناك 325 ألف إعاقة طبية مستديمة. إن العدد المذهل للجنود المعاقين يعني أنه بعد عقد من السنين أصبح لـ 56% من الجنود الذين خدموا في هذه الحرب مشاكل طبية مستديمة. وكانت نسبة الإعاقة في حروب القرن الماضي 5% وحرب الفيتنام 10%، أما الآن فأصبحت 56%. ويقول بيرنكلو: «وقد كشفت الآثار طويلة المدى أن اليورانيوم المنضب هو بمثابة حكم بالإعدام».
ماريون لولك وهي كيماوية طبيعية نووية، تفسر أن سبب الأورام الجديدة والسريعة التي تصيب الجنود (من حرب العراق 2003) «منتشرة بشكل يبعث على القلق»( ).
أثبت بحث آخر أجرته الجمعية العلمية الملكية في بريطانيا أن مادة اليورانيوم المستنفد التي استخدمها الجيش الأميركي في العراق يمكن أن يؤدي إلى: تلويث مصادر مياه الشرب. ويزيد من احتمالات الإصابة بسرطان الرئة. ويعتبر مادة سامة ذات تأثيرات مختلفة على الجسم البشري وخاصة على الكليتين، حيث يعتقد العلماء أن التعرض لجرعات كبيرة منه يؤدي إلى عجز الكليتين خلال أيام معدودة( ).
وذكرت صحيفة زمان التركية، أن بيان الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، جاء فيه: أكد تقرير وزارة الصحة العراقية قيام القوات الأمريكية باستخدام غاز الخردل وغاز الأعصاب المحرمة دوليًا. وإن الجثث الذائبة، التي عثر عليها في الفلوجة، وكذلك فناء كل ما هو حي بالمدينة من كلاب وطيور ومزروعات، يمكن فقط أن يحدث إذا ما تم استخدام غاز الخردل. وهذا ما يجب أن يثير قلقًا بالنسبة للعالم بأسره، محذرًا من أن «العالم يواجه مشكلة غاية في الخطورة»( ).
رصاصة قاتلة خارقة للدروع من تصيبه لا بدَّ من أن يموت. الرصاصة يجب أن تجرب على «فئران تجارب حية». توماس مقاول أمريكي(*) يعمل في العراق. يجرب الرصاصة على عراقي . ويبعث بتقريره إلى الشركة المنتجة. وتوصف الرصاصة بأنها قاتلة في أي مكان تصيب من الجسم. وهذه الرصاصة قياس 56ر5 ملم لديها كل القوة الفتاكة التي تحتاجها ولكنك لا تستطيع استخدامها. الذخيرة هي من نوع (غير تقليدي) ولم يوافق عليها الجيش حتى الآن . رصاصة الآمو (ammo) ليس لها رأس متفجر. والرصاصة التي أطلقها توماس كانت مصنوعة من مادة خارقة للدروع ولها قابلية محدودة للتغلغل وقد صنعتها شركة RBCD في سان فراسيسكو. وبدلا من أن تخترق الجسد فإنها تتشظى محدثة جروحاً لا يمكن معالجتها( ).
على الرغم من الشائعات المتواصلة حول الإصابات التي تعرض إليها العراقيون المتزامنة مع استعمال الأسلحة الحارقة كالنابالم (الصورة الرقم 3)، فلقد طمأن وزير الدفاع البريطاني، آدم إنجرام، أعضاء البرلمان المنتمين لحزب العمل في كانون الثاني بأن القوات الأمريكية لم تستعمل جيلاً جديداً من الأسلحة الحارقة، من طراز إم كي 77(*)، في العراق. لكنه اعترف في رسالة، تمكنت جريدة الإنديبندنت من الحصول عليها، موجهة إلى عضو البرلمان وحزب العمل هاري كوهين بأنه ضلل البرلمان بشكل غير متعمد بسب المعلومات الخاطئة التي زودته إياها الولايات المتحدة، وقال أيضاً للسيد كوهين :«لقد أكدت الولايات المتحدة للمسؤولين في وزارتي بأنها لم تستعمل قنابل إم كي 77 في العراق وهذا هو أساس إجابتي لك». «أتأسف للقول بأنني قد اكتشفت أن هذه ليست الحقيقة ويجب علي الآن تصحيح المواقف»( ).

ثانياً: في انتشار المآسي الاجتماعية
معاناة الأطفال أنموذجاً
(الصورة الرقم 4)
تركت الحروب التي خاضها العراق الكثير من الندوب على وجه المجتمع العراقي، منها الظاهرة ومنها المخفية .. ندوبٌ مازالت شرائح كثيرة تعاني منها، وظواهر مأساوية لم تجد لها طريقاً إلى الظهور وتعريف العالم بها، بسبب طغيان ملفات عراقية أخرى عليها، بحيث لم تترك لها مجالاً ليعرفها العالم. ومن بين تلك الندوب، ظاهرة انتشار المعاقين في البلاد إلى الحد الذي وصل عددهم إلى المليون من بين نحو 27 مليون عراقي. لذا راحت المئات من المنظمات والهيئات المستقلة، تتاجر بقضية المعاقين، واتخذت منها مادة للربح على حساب معاناتهم ومآسيهم.
ويقول محمد العبيدي، عضو جمعية المعاقين العراقية، إنه لا توجد إحصائية دقيقة بشأن عدد المعاقين العراقيين، معظمهم تعرضوا للألغام الأرضية، أو عمليات عسكرية. كما أنه لا توجد إحصائيات دقيقة بعدد الذين تعرضوا للإعاقة في العامين الأخيرين من احتلال العراق. وجمعية المعاقين العراقية هي الوحيدة الآن التي تتولى رعاية شؤون المعاقين، غير أنها تعاني هي الأخرى من صعوبات، بسبب عدم وجود دعم حكومي، يتناسب مع ما تحتاجه تلك الشريحة. كما أن البعض منهم أصبح متهماً، لأنه شارك في حرب إيران، أو شارك في غزو الكويت. فجمعية المعاقين العراقية تقدم إعانات لعدد منهم لا يتجاوز الخمسين ألف معاق، من مجموع المليون( ).
أصبح العراقيون، في ظل الاحتلال، في وضع سيئ اضطرهم للقيام بعمليات سلب ونهب. وحسب ما قاله الكاتب الأمريكي مارك جوي تحوَّل العراقيون إلى مجموعة من اللصوص والمجرمين عندما توقفت أعمالهم. ولم تعد هناك صناعة أو تجارة والكل أغلق محلاته ومصانعه. وشُكِّلت عصابات منظمة ترتكب جرائم السطو والسرقة( ).
في تقرير رفعه جان زيغلر(*)، مقرر الأمم المتحدة للحق بالغذاء، أمام الدورة السنوية لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حذَّر من أن «وضع الحق بالغذاء في العراق مقلق جداً». وأشار إلى وجود صعوبات يعاني منها المواطنون العراقيون في التزود بالمياه الصالحة للشرب والى وجود «مزاعم أفادت بان قوات التحالف قامت بقطع المياه عمداً».
وقال زيغلر: «إن ما تم إثباته هو أن في الفلوجة تم استعمال الحصار وحظر دخول المواد الغذائية وتدمير خزانات المياه كسلاح حرب». وهي تعتبر «انتهاكاً واضحاً لمعاهدة جنيف». كما أنه وجَّه تنديداً صارماً «بالتداعيات الإنسانية التي نتجت عن الاستراتيجية العسكرية التي تطبقها قوات الاحتلال منذ آذار/ مارس 2003»، وندد «باستعمال أساليب إعاقة التزود بالغذاء وتدمير مجاري الصرف الصحي كسلاح حرب» .وكان قد أشار إلى أن «سوء التغذية لدى الأطفال العراقيين ما دون الخمس سنوات قد تضاعف منتقلاً من 4 % إلى 7،7% منذ سقوط نظام صدام حسين». مؤكداً أن «ربع الأطفال العراقيين يعانون من نقص حاد في الغذاء ونسبة الوفيات لدى الأطفال تزداد كل شهر»( ).
وتحدثت مي الدفتري، رئيسة ومؤسسة جمعية العون الطبي لأطفال العراق، عن سوء تعامل قوات التحالف مع المساعدات الطبية التي أرسلتها الجمعية إلى مستشفيات العراق، وعن سوء الأوضاع الصحية في هذا البلد المعذب والمحتل. وأشارت إلى انه منذ نهاية الحرب في العراق أرسلت المؤسسة ثلاث دفعات من المساعدات الطبية لمستشفيات الأطفال. وقد تم تسليمها إلى المسؤول الطبي البريطاني في قوات التحالف وأعطى إيصالاً بتسلمها ثم أكد إتمام توزيعها على المستشفيات. وتبين لاحقاً أن الحقيقة كانت مخالفة لذلك. إذ أن عملية توزيع هذه المواد استغرقت شهرين مما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الأدوية وأدوات الجراحة والكراسي الطبية، وإن تقديرات الخسارة بلغت حوالي نصف الشحنة. ولما استفسرت عما جرى لم تتلق أي رد وأشارت إلى أن نسبة وفيات الأطفال في العراق أصبحت من أعلى النسب في العالم، إذ ارتفعت من 40 وفاة من أصل ألف ولادة في العام 1989 إلى 108 وفاة من أصل ألف ولادة. مما يعني أنه في السنوات الـ 13 الأخيرة توفي في العراق ما يوازي المليون طفل لنقص المعدات الطبية اللازمة الناتج عن سياسة العقوبات والحرب. وقالت إن مستوى العناية الطبية انخفض إلى أقل ما كان عليه قبل 1995، ويموت الأطفال العراقيون بسبب عدم توافر المحضنات ونتيجة للأمراض المعدية أو التورمات التي كان بالإمكان معالجتها لو توافرت المواد المضادة للجراثيم أو لو أجريت العمليات الجراحية سريعاً. بيد أن عدم توافر المواد الطبية أدى ويؤدي إلى تزايد الوفيات( ).
وحسب وكالة (إسوشيتدبرس) قام المسئول عن حقوق التغذية بالأمم المتحدة جين تسيجلر بتقديم تقرير عن الأوضاع الغذائية في العراق. وقد تضمن إدانة واضحة للاحتلال الأمريكي في العراق. وأشار إلى أن عدد الأطفال الذين كانوا يعانون الجوع قبيل الغزو قد وصل إلى ما يقرب من الضعف منذ دخول القوات الامريكية والبريطانية إلى العراق. كما أكد أن نحو 7.7 في المائة من أطفال الشعب العراقي الأقل من خمس سنوات كانوا يعانون من نقص حاد في الوزن وسوء التغذية قبل الغزو الأمريكي، وأن هذه النسبة قفزت نحو 4 درجات أخرى لتصل إلى ما يقرب من 11.5 في المائة( ).
يعلِّق أحد الكتاب البريطانيين قائلاً: هذه النَتائِجِ الخطيرة تَخْذلُ البعض منا في قسمِ «إجعل حياة أطفال الشرق الأوسط أفضل بالقوة العسكرية» (الصورة الرقم 5).
وقد أثبتت المحاولاتِ السابقةِ مِن قِبل بريطانيا وأمريكا لتَحسين وضع الأطفالِ العراقيينِ فشلها. على سبيل المثال، سياسة تَطبيق العقوباتِ الأكثر تشدّداً قد أخفقتْ في تَحسين ظروف المعيشة كلياً، عندما فرضوا الحصار في 1990، فان عدد وفيات الأطفالِ تحت الخامسة قد تضاعف إلى ستّة أمثال. وبحدود العام 1995 قضى مليون ونِصْفِ مليون طفل عراقي نحبهم كنتيجة جُهودِنا المزعومة لمُسَاعَدَتهم. لكن جورج بوش أصر على قصفهم، وأْسرهم، وتعذيب آبائهم، وإذلال أمهاتهم، وقتلهم عند حواجزِ الطرق (الصورة الرقم 6). وبَعْدَ سَنَة، من هذا التاريخ حاولت مادلين أولبرايت أن تبرر ذلك عندما سُئلت: الأطفال الذين ماتوا في العراق خلال العقوباتِ هم أكثر مِنْ الأطفال الذين قُتِلوا في هيروشيما، أجابتْ: «نعتقد بأن النتيجة تستحق كل ذلك» (الصور الرقم 7 و8).
في المملكة المتحدةِ هناك الآن 3.6 مليون طفلَ يَعِيشونَ تحت حدِّ الفَقرِ، و12.9 مليون في الولايات المتّحدةِ، والحكومتان عاجزتان عن إيجاد أموال لمعالجة ذلك، ولكن جورج بوش وتوني بلير، يُمْكِنهما أَنْ يوفرا أية كمية من المالِ للقنابلِ والقذائفِ والرصاصِ لتَحسين حياةِ الأطفالِ العراقيين (الصورة الرقم 9)( ).
دانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات الأمريكية وذلك في أعقاب معلومات اتهمت هذه القوات بقتل عشرات العراقيين أثناء إحيائهم مراسم حفل زواج(*). وقالت المتحدثة باسم اللجنة الدولية في بغداد ندى دوماني إن «الاستخدام المفرط للقوة ينتهك حقوق الإنسان الدولية». و«حتى إذا تعرضت لإطلاق النار فهناك قواعد للرد المناسب وضرورة ملحة لتجنب إصابة مدنيين»( ).
كما حذرت منظمة هيومان رايتس ووتش من عزم الجيش الأمريكي نشر نظام ألغام «ماتركس»، المضاد للأفراد ذي التحكم عن بعد في العراق. هذا مع العلم أن البنتاجون لم يجر تقييمًا مناسبًا حول الأضرار التي قد تسببها مثل هذه الأسلحة للمدنيين الأبرياء( ).
والأجنَّة يُقتلون في بطون أمهاتهم: استهدفت القوات الامريكية بنيرانها امرأة في الموصل كانت حاملاً في شهرها الثامن. فأصيبت في بطنها وغادر الأميركيون المكان وكأن شيئاً لم يحدث. نقل ذوو السيدة المصابة الى مستشفى الجمهوري في الموصل. قام الاطباء بانقاذها. ولكن الجنين فارق الحياة حيث كانت الرصاصة قد اخترقت جسده (الصورة الرقم 10)( ).


ثالثاً: في تدمير البنى التحتية وارتكاب الجرائم ضد المدنيين العراقيين
مدينة الفلوجة أنموذجاً
أعلن الدكتور حافظ الدليمي رئيس لجنة تعويض أهالي مدينة الفلوجة أن الدمار الذي لحق بالمدينة جراء العدوان الأمريكي عليها، بلغ 7000 آلاف منزل مهدم بشكل كامل أو شبه كامل موزعة على عموم أحياء الفلوجة (الصورة الرقم 11).
8400 محل تجاري وسوبر ماركت ومحلات صناعية ومجمعات إنشائية ومكاتب بيع مواد البناء وعيادات طبية. و65 جامعًا ومسجدًا هدم أغلبها بشكل كامل ومُسح من وجه الأرض، والبعض الآخر هدمت مآذنه أو هدم الحرم الذي بداخله.
59 مدرسة ابتدائية ومتوسطة وإعدادية وثانوية ومعهد معلمين ومعلمات ومدارس التأهيل الصناعي والتجاري وروضات الأطفال. و13 بناية تابعة لدوائر الدولة العراقية.
تدمير محطتي الكهرباء ومحطات تصفية المياه الثلاثة الموجودة في المدينة ومحطتي سكك القطار الذي يربط العراق بالدول المجاورة, وإتلاف شبكة الصرف الصحي للمياه الثقيلة ومياه الأمطار بشكل كبير جدًا. وتدمير جسر واحد وهو الآن لا يصلح للعبور عليه على نهر الفرات غربي الفلوجة.
نفوق أكثر من 100.000 (مائة ألف) حيوان داجن وبري داخل الفلوجة بفعل الغازات السامة والمواد الكيماوية, مثل الأغنام والأبقار والجاموس والدواجن والطيور في الحقول المنتشرة في عموم الفلوجة.
إضافة إلى إحراق بعض المكتبات الأثرية في المدينة التي تحتوي على أنفس كتب العلم الإسلامي بواقع أربعة مكتبات تحوي مئات الكتب إن لم تكن الآلاف، بحسب قوله( ).
أكَّد الفريق الميداني الخاص بـ«مركز بغداد لحقوق الإنسان» من الدخول أن قوات الاحتلال انتهكت أعراض 149 امرأة عراقية داخل مساجد الفلوجة, وهدمت حوالي 17 ألف منزل سكني تمت تسويتها بالأرض, بالإضافة إلي هدم 45 مسجدًا بشكل تام و56 مدرسة و459 محلاً تجاريًا, وكذلك استشهاد ما يزيد علي 300 مدني عراقي أغلبهم من النساء والأطفال( ).
كما عقد قسم حقوق الإنسان التابع لهيئة العلماء المسلمين مؤتمرًا في بغداد يوم 19/ 3/ 2005 عرضت خلاله شهادات موثقة بالصوت والصورة لانتهاكات ارتكبتها قوات الاحتلال ضد مدنيين عزل في الفلوجة وفي مناطق أخرى في العراق، ومن بين تلك الانتهاكات تحرشات جنسية تعرضت لها عراقية من أهالي الفلوجة في أحد معتقلات الاحتلال. وأظهر الشريط السيدة العراقية وهي تبكي قائلة: «الله وحده يعلم ما فعلوه بي أثناء التحقيق، وقد تمنيت الموت على أن أبقى على هذه الحال». ولم يطلق جنود الاحتلال سراح السجينة إلا بعد أن سلم زوجها نفسه للأمريكان( ).
أصعب ما واجهني في بداية دخولي إلى المدينة رائحة الموت التي سوف لن أنساها ما حييت, مئات الجثث المتعفنة, داخل البيوت, والحدائق, والشوارع. جثث لرجال ونساء وأطفال, نهشتها الكلاب الضالة (الصورة الرقم 12), خلفتها موجة الحقد التي اكتسحت ثلثي المدينة, فدمرت البيوت والمدارس والعيادات الطبية. تلكم هي حقيقة الاجتياح الأمريكي الرهيب والمرعب لمدينة الفلوجة. قالها مسؤول إحدى قوافل المساعدات الإنسانية في مدينة الفلوجة (الصورة الرقم 13).
مستشفى الفلوجة احتلته القوات الأمريكية منذ اليوم الأول للحصار. أما المستشفى الثاني في حي النزال فقد ضرب لمرتين من قبل الأمريكان وقتل الطبيب ودمرت جميع مخازن الأدوية والمعدات. لا توجد أية سيارات إسعاف في المدينة فالسيارتان الوحيدتان اللتان ذهبتا لمساعدة الجرحى تم استهدافهما وضربهما من قبل الأمريكان. ولا يعرف أحد من الذين قتلوا. فقوات الاحتلال تدفن الجثث بالبلدوزرات لكي تغطي على جريمتها( ).
جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية أن يكون المدنيون في مدينة الفلوجة قد قتلوا على نحو يخالف القانون الإنساني الدولي (الصورة الرقم 14)، ونتيجة لعدم اتخاذ الأطراف المشاركة في القتال الاحتياطات الضرورية لحماية من لا يشاركون في القتال. فقد قُتل عشرون من الموظفين الطبيين وعشرات من المدنيين العراقيين الآخرين عندما ضرب صاروخ عيادة طبية في 9 نوفمبر/تشرين الثاني(*).وفي 11 نوفمبر/تشرين الثاني، بثت قناة الأخبار الرابعة للتلفزيون البريطاني برنامجاً تضمن لقطات ظهر فيها جندي أميركي وهو يطلق النار في اتجاه أحد المتمردين الجرحى، الذي لم يظهر على الشاشة. ثم غادر الجندي المكان قائلاً: «لقد مضى في سبيله». إن منظمة العفو الدولية تشعر ببواعث قلق من أن الناطق الرسمي العسكري للولايات المتحدث قد أورد تقديرات لعدد القتلى بين المتمردين، الذين قال إنهم بالمئات، إلا أنه لم يتحدث عن عدد القتلى أو الجرحى من المدنيين (الصورة الرقم 15). إن جميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان يجب أن تخضع للتحقيق، كما يجب أن يقدم للعدالة المسؤولون عن الهجمات غير المشروعة، بما في ذلك الاستهداف المتعمد للمدنيين والهجمات العشوائية وغير المتناسبة وقتل الجرحى. وهناك بواعث قلق من أن أزمة إنسانية تلوح في الأفق مع النقص الحاد في الغذاء والماء والأدوية، وبعد انقطاع التيار الكهربائي. كما إن هناك العديد من الأشخاص الجرحى الذين لم يتلقوا أي رعاية صحية بسبب القتال. وأورد الهلال الأحمر العراقي أنه قد طلب من الحكومة العراقية وقوات الولايات المتحدة السماح له بإيصال مواد الإغاثة للمدنيين في الفلوجة، وبإرسال فريق طبي إلى المستشفى الرئيسي، إلا أنه لم يتلق أي رد( ).
قد يكون قادة المليشيات الطائفية في العراق مشغولون بمواصلة حربهم ضد المجموعات المسلحة المناوئة للاحتلال، ويواصلون حربهم المتنقلة من بلدة إلى أخرى لينقلوا إليها البؤس والدمار ولأبنائها الاعتقالات وأعمال التعذيب. ولكن ماذا عن الضحايا الذين يتركونهم وراءهم؟ ماذا عن الأطفال؟
فإذا كانت الفلوجة واحدة من أبرز ضحايا أسلحة الدمار الشامل الأميركية (الصورة الرقم 16)، فكيف يعيش الأطفال فيها، وبماذا يحلمون وما هو شعورهم وما هي معاناتهم وبماذا يحلمون؟
أول ما يتبادر إلى الذهن وأنت تحاول الغوص في عالم الطفولة بمدينة الفلوجة وتستشعره بعمق هو أن هذا العالم خاو مقتول فالضحكة البريئة ضاع سبيلها إلى شفاه أطفال هذه المدينة، وعندما تتحدث إليهم تلمح في أعينهم نظرة حزن ممزوجة بخوف من المجهول وتوجس وقلق يعطيك انطباعا بأن البراءة والعفوية التي يتمتع بها الأطفال في أي بقعة من العالم قد فقدت من أطفال هذه المدينة( ).
وأفاد مراسل شبكة (إن بي سي) بشهادة قال فيها، إنه رأى أحد الجنود، في أثناء اقتحام القوات الأميركية لمدينة الفلوجة، وهو يطلق النار على أحد الجرحى العراقيين في رأسه بينما كان الجريح ملقى على الأرض، ولم تُشاهد بقربه أي قطعة سلاح. وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت سلطات الولايات المتحدة إلى التحقيق في حادثة سابقة بثتها قناة الأخبار الرابعة في المملكة المتحدة، وظهر فيها أحد الجنود الأمريكيين وهو يطلق رصاصة باتجاه أحد المتمردين الجرحى الذي كان خارج إطار الشاشة. وبعد ذلك غادر الجندي المكان وهو يقول: «لقد انتهى أمره» (الصورة الرقم 17)( ).
رابعاًً: جرائم تدمير التُراث الأثري وسرقته
في افتتاح المؤتمر الثاني للّجنة الدولية للتنسيق من أجل حماية التراث الثقافي العراقي في مقر المنظمة في باريس، ندّد المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة، اليونيسكو، بالأضرار الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن بناء قواعد عسكرية في العراق، كما طلب «التعبئة» ضد التنقيب غير الشرعي عن البقايا الأثرية في الدولة. كما أشار إلى أن أحد أقدم الموروثات في العالم تتعرض للخطر، مشيرًا إلى أن واجبهم هو القيام بكل ما يمكنهم القيام به. وأشار إلى الآثار التدميرية بالنسبة للتراث الوطني العراقي التي يمكن أن تسببها القواعد العسكرية المنشأة في مناطق مثل مدينة بابل، جنوبي بغداد، أو مدينة الحضر التاريخية، شمالي العراق، موضحًا أن مدينة الحضر على الأخص، التي تم إنشاء مواقع عسكرية أمريكية في ضواحيها، تشكل منذ العام 1985 جزءًا من التراث العالمي لليونيسكو. وندّد كذلك بعمليات التنقيب الخفية التي مازالت مستمرة، الأمر الذي يدمر التراث العراقي خاصة جنوبي الدولة في مناطق أثرية مهمة، كما جدد تنديده بالسرقة «الهمجية» التي تعرض لها متحف بغداد. وفيما يتعلق ببابل، كان المتحف البريطاني قد ندد، في شهر كانون الثاني/ يناير 2005، بأن القواعد العسكرية البولندية والأمريكية تسبب «أضرارًا خطيرة» على هذه المدينة التاريخية (الصورة الرقم 18)( ).
أكد مصدر مسؤول في مديرية الآثار العامة العراقية أن قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة لم تستطع الحيلولة دون وقوع جريمة في حق التاريخ، إن لم تكن ساهمت فيها. وقال كبير خبراء الآثار العراقيين الدكتور دوني جورج، في ندوة نظمتها وزارة الثقافة، إن سرّاق الآثار المحترفين، وعملاء مافيا التحف العالمية. تمكنوا من اختراق بعض الأبواب المغلقة في مخازن متحف بغداد، وسرق اللصوص عدداً من التحف التي لا تقدر بثمن، مثل مجموعة الأختام الاسطوانية وعدد كبير من التحف الآشورية المحفورة. وأضاف إن أكثر من 15 ألف تحفة سرقت وهرب الكثير منها إلى خارج العراق، وعرضت للبيع.
وقد تمت استعادة 3 آلاف قطعة حتى الآن في بغداد، بعضها أعادها مواطنون عاديون، وبعضها استعادته الشرطة، وصودرت أكثر من 1600 قطعة أثرية في الدول المجاورة، وأكثر من 300 في إيطاليا، وأكثر من 600 في الولايات المتحدة. وأضاف: «وبالرغم من ذلك، فإنه لا يوجد حصر لمعظم القطع المسروقة.
وجود هذه السوق ألهب عملية سرقة ونهب المواقع الأثرية جنوب العراق (الصورة الرقم 20). فالصورة هناك لا شك، تبعث على الإحساس بالصدمة. من جانب آخر، قال عالم الآثار المسؤول في منطقة الناصرية، عبد الأمير حمداني، إن السارق قد يبيع القطعة بخمسين دولاراً فقط.. إننا نشهد كارثة، تحدث أمام أعيننا، ولا نفعل شيئا لمنع وقوعها.
لكن بعض هواة اقتناء الآثار في الشرق الأوسط وأوروبا اعترفوا بامتلاك قطع تحمل ختم المتحف العراقي. كما تعرضت بعض القطع الأثرية والتي يرجع تاريخها إلى 7000 سنة للبيع على مواقع شبكة الإنترنت».وأشار إلى أن الذي لاشك فيه هو أن عدد القطع الأثرية المعروضة للبيع يفوق عدد القطع الأصلية.
وقد دمرت قوات التحالف نفسها عدداً من المواقع الأثرية استعملتها كمواقع عسكرية. وأشار إلى أن انسحاب هذه القوات من بابل كشف النقاب عن الدمار الذي لحق بإحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، والذي لا يمكن إصلاحه.. وأن أحد المواقع الأثرية وهو بوابة عشتار، سوي تماماً بالأرض لتجهيز مهبط للمروحيات الأميركية ومنطقة انتظار للعربات الثقيلة( ).
نظمت مؤسسة الفرقان للحفاظ على التراث الإسلامي محاضرة في لندن حول مصير المخطوطات في العراق على اثر التدمير الذي تعرضت له المراكز الثقافية والتراثية والتعليمية في بغداد والمدن العراقية الأخرى نتيجة للغزو الأمريكي
وتحدث في المناسبة الاختصاصي البريطاني والعالمي في حفظ المخطوطات والآثار جيفري روبر الذي وصف تدمير متحف بغداد والمكتبات الرئيسية في العاصمة والمدن وسرقة وحرق الكتب التراثية الثمينة في معظم هذه المراكز بواسطة الجيش الأمريكي وأعوانه بـ«عملية إبادة الحضارة» معتبراً دافعها النية السيئة والجهل والحقد وفي كثير من الأحيان الربح المادي عن طريق السرقة( ).
وتفيد بعض التقارير أن ثلاثة حاخامات من «إسرائيل» يقومون بالإشراف على عملية بحث وتنقيب في آثار بابل، وذلك بتغطية وحماية وحدات الجيش البولوني العاملة ضمن قوات الاحتلال، والتي تقع منطقة بابل تحت إشرافها( ).
لم تكن عملية تدمير الآثار العراقية، أو سرقتها، عائدة إلى عامل الفوضى التي تولدها الحروب عادة، بل كانت عملية منظَّمة خططت لها بعض الجمعيات المرتبطة بالمافيات الأميركية، تلك المجموعات كانت تتستَّر تحت غطاء ثقافي جهدت من أجل تغيير القوانين الأميركية ذات العلاقة بمنع دخول الآثار المسروقة إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستبدالها بقوانين تسمح بإدخال ذلك النوع من الآثار. وقد كشفت إحدى المحررات في مجلة (E I R) الأميركية أن تلك المحاولات حصلت في وقت سابق لاحتلال العراق على خلفية أن العراق سيقع تحت الاحتلال. وبالفعل قامت عصابات منظَّمة ولديها الخبرة بوضع يدها على أهم الآثار في متحف بغداد، والمناطق الأخرى في العراق. وإن تلك العمليات كانت تتمّ بتنسيق متكامل بين القادة العسكريين لقوات الاحتلال الذين حموا عمليات السرقة المنظمة( ). ويبدو أن ثمن تلك الحماية هو حصول أولئك القادة على حصتهم من عائدات بيعها.

خامساً: جرائم اجتثاث البنية العلمية في العراق:
ملاحقة علماء العراق، اغتيالهم – تهجيرهم...
1-دور الولايات المتحدة الأميركية:
تناولت الدراسات والكتابات الأهداف الأمريكية من الحرب على العراق، وتعددت اتجاهات الكتاب في تحديد وترتيب أولويات وأهمية هذه الأهداف. وبينهم من يرى أن الأولوية هي لتخلص الولايات المتحدة و«إسرائيل» من قدرات العراق الاستراتيجية( ). ومن بينها، ولعلها الأهم هي العلماء العراقيين.
شرح البريجادير جنرال فينسنت بروكس في مقر القيادة المركزية في قطر أهمية هؤلاء العلماء بقوله بأن الولايات المتحدة «لها أهداف أخرى غير الإطاحة بصدام، وعلى الأخص القضاء على مقدرة العراق على تطوير أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية». والذي ظهر بوضوح منذ صدور القرار 1441 لمجلس الأمن أن واشنطن أصرت على أن يتضمن بندًا حول استجواب العلماء العراقيين( ).
لقد بدأ الاهتمام الأمريكي مبكراً بموضوع العلماء العراقيين ، وبالخبرة العراقية المتراكمة في الفترة الأخيرة ، فمنذ بداية التسعينات أخذت مؤسسات أمنية وسياسية أمريكية تبحث في شأن هؤلاء العلماء والخبرة الكبيرة التي يملكونها. فهناك الآلاف منهم الذين يشكلون مصدراً خطيراً في الشرق الأوسط، قد يؤدي إلى نقل الخبرة العراقية إلى دول عربية وإسلامية أخرى. فطالبت المخابرات الأميركية، المحققين في لجنة الانفوميك، قبل الاحتلال، لتحضير قائمة معلوماتية موثقة ودقيقة بأسماء العلماء لتتم عملية ملاحقتهم وترتيب آليات التعامل معهم( ). وعبَّر السيناتور الأمريكي جوزيف بايران عن أن الهدف هو حرمان العراق من الكوادر الفنية والهندسية الضرورية لاستمرار برنامجه في إنتاج أسلحة الدمار الشامل. ولهذا صدر القرار الأمريكي، في تلك المرحلة، الذي قضى بتسهيل منح العلماء العراقيين الراغبين في إفشاء أسرار أسلحة الدمار الشامل الجنسية الأمريكية، ووصل الأمر لسن قانون خاص لهجرة العلماء العراقيين صادق عليه مجلس الشيوخ لمنح العلماء العراقيين، الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية، بطاقة الهجرة الأمريكية الخضراء. وليس أدل على اهتمام الأميركيين بملاحقة علماء العراق من وجود أسماء عدد من العلماء النوويين والبيولوجيين على القائمة الشهيرة التي وزعتها وزارة الدفاع الأمريكية للمطلوبين العراقيين( ).
وفي هذا الإطار مثّل استهداف العلماء العراقيين جانبًا مهمًا في توجهات وأهداف السياسة الأمريكية تجاه العراق، سواء قبل الغزو أو بعده، حيث عملت واشنطون من وراء ذلك على تحقيق مجموعة من الأهداف:
أولها: محاولة منع العراق بعد سقوط النظام السابق من إعادة بناء قدراته في مجال الأسلحة الكيماوية والجرثومية بعد وصوله إلى درجة متقدمة في هذين المجالين.
ثانيها: منع وصول هؤلاء العلماء إلى دول عربية أو إسلامية قد توظفهم في برامج لإنتاج أسلحة دمار شامل، مما قد يؤدي إلى تكرار تهديد العراق لجيرانه ولـ«إسرائيل».
ثالثها: معرفة المصادر التي استمد منها هؤلاء العلماء خبراتهم لتجفيفها ومنع العلماء العرب الآخرين من التفكير في الاقتراب من مجالات البحث التي ترى واشنطن أنها محظورة عليهم( ).
وتتَّبع الإدارة الأمريكية، بعد احتلال العراق، أسلوبين مع العلماء العراقيين : إما التصفية والاعتقال والمطاردة، وإما الإغراء بالمال والامتيازات للهجرة. وتبين تقارير غربية وأمريكية أن هناك حالات قتل وتصفية لعدد كبير من العلماء العراقيين ، فيما تم اعتقال عدد منهم ، بينما استطاع عدد آخر الهروب من العراق، ولكن من المتوقع أن يبقوا موضع اهتمام وبحث من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية. وخصصت الإدارة الأمريكية في كانون الأول/ ديسمبر 2003 برنامجاً بقيمة 22 مليون لـ «تأهيل العلماء العراقيين»، الذين عملوا في برامج التسلح العراقية حيث إن الهدف الحقيقي هو استغلال عدد كبير من هؤلاء العلماء من خلال ترحيلهم إلى الولايات المتحدة وإعطائهم الجنسية( ).
وتسهيلاً لمهمتها، وضعت الإدارة الأميركية خطة تغزو فيها علماء العراق في عقر دارهم. وأوضحها الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر معلناً تأسيس مكتب في بغداد في إطار برنامج التوظيف السلمي، يضم خبراء أسلحة الدمار الشامل العراقيين، قررت واشنطن أن تسميه «المركز الدولي العراقي للعلوم والصناعة». وغاية الخطة، كما أوضحها باوتشر، في بيان أصدره في 18/ 12/ 2003: «سيقوم المركز بتحديد الاحتياجات وتوفير التمويل لمشروعات علمية محددة تستخدم خبرة الأشخاص الذين كانت لهم علاقة في السابق ببرامج أسلحة الدمار الشامل بالعراق». وتغطي الخطة تكاليف العام الأول من البرنامج الذي سيعتمد بشدة على مساعدات تطوعية من مجتمع العلماء الأمريكيين. وستكون تكلفتها 16 مليون دولار في العام الأول. و تهدف إلى جذب العلماء العراقيين للعمل في برامج أبحاث سلمية في العراق، بدلاً من انتقالهم، هم وخبرتهم، إلى دول أخرى أو منظمات «إرهابية» يمكن أن تهدد الولايات المتحدة.
ويرى محللون أنه إذا كان العلماء العراقيون هم أحد محاور الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق، فإن الاحتلال الأمريكي للبلاد وتقويض الدولة العراقية المستقلة جاء إيذانا بعملية تصفية حسابات عسيرة مع طابور العلماء العراقيين، الذين يُعدون بمثابة ظاهرة فريدة في زخمها في العالم العربي بأسره( ).
كشف علماء عراقيون، في نداء استغاثة عبر البريد الإلكتروني، أن قوات الغزو الأمريكية والبريطانية، التي لديها كشوف بأسماء وعناوين هؤلاء العلماء، تدهم منازلهم وتحقق معهم وتعتقل بعضهم وتطالبهم بتسليم ما لديهم من أبحاث وأوراق. وأوضحت الرسالة أن قوات الاحتلال تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون بها؛ وهو ما يسهل لهم عمليات التهديد والتحقيق في ظل غياب كامل لأي سلطة وانشغال العالم بالفوضى الحادثة في العراق. وأشارت إلى أن جنود الاحتلال يشجعون أعمال السلب والنهب ويقومون بنقل غوغاء إلى المؤسسات العلمية، ومنها جامعة الموصل والمعاهد التعليمية، ويستغلون هذه الفوضى في تدمير مراكز الأبحاث ومصادرة كل الوثائق وأوراق المشروعات الأكاديمية الموجودة بهذه المؤسسات لحرمان العراق من أي نواة لنهضة علمية، على حد تعبير الرسالة( ).
كما أكد تقرير أعدته وزارة الخارجية الأمريكية أن أجهزة الاستخبارات الخارجية الصهيونية الموساد، التي تنشط في الأراضي العراقية منذ أكثر من عام ونصف العام، قتلت، بمساعدة من القوات الأمريكية في العراق، 350 عالمًا عراقيًا وأكثر من 200 أستاذاً جامعياً في مختلف المجالات العلمية. وجرت التصفية بعد أن فشلت الإدارة الأمريكية في جذبهم للعمل مع مراكز بحث حكومية أمريكية. أما من بقي منهم في العراق فتم استجوابهم والتحقيق معهم. وأوضح التقرير أن الموساد الصهيوني يرى في بقاء العلماء العراقيين أمر خطير للغاية بالنسبة لمستقبل الكيان الصهيوني. وأكد أن تصفيتهم الجسدية حيث تخيم على العراق حالة من الفوضى والعنف هو الحل الأمثل. وأشار التقرير إلى أن وسائل الإعلام كانت تظهر الشخص المستهدف على أنه ضحية عمليات إرهابية( ).

2-دور المخابرات الصهيونية:
المعلومات التي ذكرت في ندوة عقدت بالقاهرة، تشير إلى أن فرق الاغتيالات «الإسرائيلية» اغتالت حوالي 310 من علماء وأساتذة العراق، ولاحقاً تم الكشف عن أن أكثر من 500 من علماء العراق، وأساتذته موضوعون على قوائمها. وتشير أيضاً إلي أن 17 ألفاً من العلماء والأساتذة أجبروا على الرحيل عن العراق منذ بدء الاحتلال. ويؤكد جنرال فرنسي متقاعد دخول وحدات من الكوماندوز «الإسرائيلي» الأراضي العراقية بهدف اغتيال العلماء العراقيين. ولأن «إسرائيل»، تعلم جيداً أن المشروع العراقي القومي لن يجهض إلا بإبادة القائمين عليه، وهم العلماء( ).
قال الجنرال المذكور، في تصريحات لقناة التلفزة الفرنسية الخامسة: إن أكثر من 150 جنديًا «إسرائيلياً»، من وحدات الكوماندوز، دخلوا إلى الأراضي العراقية في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا وراء برامج التسلح العراقية، وقُدّمت أسماؤهم إلى لجنة مفتشي الأسلحة الدولية برئاسة هانز بليكس. وعددهم قرابة 3 آلاف و500 عالم عراقي، من بينهم نخبة تتكون من 500 عالم اشتغلوا في تطوير مختلف الأسلحة، وهذه النخبة هي المستهدفة من العمليات الإسرائيلية بالدرجة الأولى( ).
واتهم عبد الحميد عبد المجيد مدير هيئة البحوث في وزارة التعليم العالي العراقية المخابرات الصهيونية «الموساد» باغتيال العديد من العلماء العراقيين وذلك بمساعدة قوات الاحتلال الأميركي في العراق( ).
قالت مصادر عراقية إن ثلاثة حافلات كبيرة تدخل يومياً إلى العراق من منفذ طريبيل الحدودي، تحمل (إسرائيليين). من بينهم أعضاء مخابرات يعملون في جهاز الاستخبارات (الإسرائيلي) الخارجي (موساد). وهم يقفون وراء تنفيذ العديد من العمليات المسلحة التي تستهدف العلماء العراقيين. وتذهب بعض المصادر العراقية إلى أن هذه المجموعة من عناصر الموساد تتألف من 900 عنصراً، وأنها تقيم في مدينة كركوك، في شمال العراق( ).

3-عملاء الاحتلال من المنفذين البارزين:
إن العديد من الذين في مواقع دوائر الأمن والمخابرات العراقية المتواطئين مع الاحتلال عادوا إلى العراق من واشنطن ولندن وطهران محملين بقوائم أسماء العديد من المواطنين لغرض تصفيتهم جسدياً. وراحوا يهددون بقتل كل من يرفض الاحتلال ويرفض التعاون معهم. وما أعلنه في النجف المدعو صدر الدين القبنجي المرتبط بتنظيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق بدر، مطالباً كل من يرفض الاحتلال، وخصوصاً من كان ينتمي منهم إلى حزب البعث، بمغادرة وزارته أو مؤسسته أو مصنعه وإلا تم قتله على يد العاملين في تلك المؤسسات. ووجَّه رسالة تحذير بعدم العودة للعراق إلى الآلاف من العقول الأكاديمية العراقية الموجودة في الخارج التي غالبيتها رفضت وشجبت التدمير الذي لحق بالدولة العراقية على أيدي المحتلين وأعوانهم( ).

4-نماذج من عمليات الملاحقة والاغتيال:
أعلن عصام الراوي رئيس رابطة أساتذة الجامعات العراقية أن 300 عالم وأستاذ محاضر عراقي قد تم اغتيالهم منذ بدء الاحتلال الأمريكي للعراق. ويرفع الدكتور فاضل بدران، على موقعه (سيبقى العراق إلى الأبد) إلى 800 عالم وأستاذ ومحاضر.
ويقول الراوي: إن حوالي 2000 أستاذ آخرين قد فروا إلى خارج العراق خوفاً على حياتهم. وقال رئيس جامعة النهروان إن عمليات الاغتيال والمطاردة للعلماء العراقيين لها أهداف سياسية وهي إجبار العلماء والأساتذة على الفرار من العراق وإن الاغتيالات شملت جميع الطوائف من شيعة وسنة وأكراد( ).
لدى رابطة التدريسيين الجامعيين إحصاءات بأسماء العشرات الذين تمت تصفيتهم، من الأساتذة الجامعيين، والأطباء والمهندسين، وأئمة المساجد من حملة الشهادات العليا. ولكن ما لديها لا يمثل إلا جزءًا من الحقيقة. فلدى وزارة التعليم العالي، وفق آخر إحصائية، قائمة تضم 46 اسماً من أسماء الأساتذة الجامعيين المسجلين في كلياتها ومعاهدها، تم اغتيالهم، وقد قيدت جميع تلك الجرائم ضد مجهول، كما أن هناك عدداً من الأساتذة تعرضوا للقتل على أيدي جنود الاحتلال الأمريكي، وأن هناك أكثر من جهة تقف وراء هذه العمليات. وأن بعضاً منها لها بعد طائفي عند غلاة المتدينين من مختلف المذاهب والأحزاب. ونتيجة لذلك اضطرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى إغلاق 156 قسماً للدراسات العليا( ).
-اغتيل الدكتور غائب الهيتي الأستاذ في الهندسة الكيماوية في جامعة بغداد. وكان الهيتي قد تلقى تهديدات بالقتل إذا لم يترك عمله في الجامعة( ).
- مقتل الأستاذ عبد اللطيف علي المياح، وهو من نشطاء حقوق الإنسان ومناهض للاحتلال الأنكلو أمريكي للعراق. قتل بعد 12 ساعة من ظهوره في قناة الجزيرة الفضائية حين شجب فساد «مجلس الحكم» المعين من قبل الأمريكان، وطالب بالانتخابات العامة بأسرع ما يمكن، كما قال: «يمكن أن أتحمل أي حكومة عراقية، ولكنه شعور مخيف لي كوني تحت الاحتلال». وقال لأحد أخوته بأنه سيأتي اليوم الذي تقتلني فيه إما المخابرات الصهيونية أو الأمريكية. وقبل اغتياله بأيام قلائل قال لأخيه بأنه قد استلم رسائل تهديد تطالبه بالكف عن تصريحاته كان من بينها رسالة من أحد أعضاء «مجلس الحكم». وكان الأستاذ الجامعي الرابع من جامعة المستنصرية والسابع من بين أساتذة الجامعات العراقية الأخرى الذي قتل بهذه الطريقة الإجرامية( ).
- اغتيال الدكتور مروان غائب مظهر، الأستاذ في كلية الهندسة في جامعة بغداد، في منطقة حي الخضراء، وسط بغداد( ).
-وبحسب السجلات الرسمية لوزارة الصحة العراقية جرى اختطاف عدد من خيرة أطباء العراق في مجال تخصصهم. تلك الظاهرة دفعت بالعديد من الأطباء إلى المغادرة، أو التفكير جدياً بمغادرة البلاد، إلى دول الجوار بحثاً عن عمل وملاذ آمنين( ).
ومن وسائل اجتثاث العقل العلمي العراقي، ما ذكره تقرير أصدرته رابطة الجامعيين العراقيين : القتل والاعتقال والخطف والإقصاء القسري من المناصب الإدارية، وانتهاك حرمة الجامعات والمؤسسات التعليمية من قبل القوات الأمريكية والحرس الوطني وميليشيات خاصة، وقوى وجهات طائفية، وعصابات إجرام منظمة، ضمن حملة تصفية وإبادة منظمة لكل علماء وأستاذة العراق وعقوله، وهي حملة تخريب شاملة لكل مؤسساته العلمية وجامعاته( ).
‏ذكرت مصادر نقلاً عن أجهزة وزارة الداخلية أن ألف عراقي، من الكوادر العلمية والثقافية والفنية، لقوا مصرعهم اغتيالاً. ولم يرد في الإحصائية شيء من اغتيالات ضباط وعناصر الشرطة العراقية والموظفين الصغار في دوائر الدولة بالمحافظات( ).
سادساً: جرائم اغتيال البعثيين
تتم تصفية عناصر حزب البعث بشكل منظم. وقد أُبعدوا عن الوظائف العامة أولاً ثم بدأت تصفيتهم جسدياً إما من قبل عناصر الأحزاب أو من قبل أشخاص. وتمت تصفية بعض الضباط الطيارين من الجيش العراقي السابق ممن اشتركوا في الحرب العراقية ـ الإيرانية( ). وأشارت وكالة (قدس برس) إلى أن العاصمة تشهد تصاعد موجة الاغتيالات بالإضافة إلى مدن عراقية أخرى. وتشمل اغتيال عدد جديد من البعثيين السابقين:
-قتل في حي البياع أحد عناصر الأمن العراقي السابق وزوجته في أحد الأسواق. وخلال الفترة نفسها اغتيل ثلاثة عراقيين كانوا أعضاء فرق، على أيدي مسلحين. وهم: محسن العقيدي في منطقة النعيرية، وعلي عواد حسام، وسعدون الساعدي.
-اغتيل في مدينة كربلاء عضو قيادة فرقة سابق في حزب البعث، ليكون الثاني الذي يتم اغتياله في تلك المدينة، بعد أن تم اغتيال عضو فرقة آخر قبله.
-قتل مسلحون مجهولون معلماً، يدعى فلاح،في مدرسة تغلب الابتدائية في منطقة البلديات ببغداد. وكان مدير المدرسة المذكورة هو الآخر قد تعرض لإطلاق نار قبل أيام، وذلك بتهمة انتمائهما سابقاً لحزب البعث( ).
وقد نشرت جريدة القدس العربي قائمة ببعض من اغتيلوا في فترة ما بعد الحرب بالعراق ما عدا منتسبي الشرطة وقوات الدفاع المدني( ).

سابعاً: في الجرائم الاقتصادية
1-تحويل الاقتصاد العراقي في ظل الاحتلال مخالف للقانون الدولي:
بول بريمر الذي أدار احتلال أمريكا للعراق، من 2 أيار 2003، إلى اليوم الذي التحق بأول طائرة للخروج منه، في 28/6/2004، اعترف بأنه حين وصل بغداد «كانت المدينة تحترق، في الوقت الذي كانت السيارة تقلني من المطار». ولكن قبل أن تطفأ نيران حملة «الصدمة والترويع» فرض في صيف واحد تغييرات هائلة أكثر مما استطاعه صندوق النقد الدولي في أمريكا اللاتينية خلال 30 سنة . ويصف جوزيف ستجلتز، الحائز على جائزة نوبل والاقتصادي البارز السابق في البنك الدولي ، إصلاحات بريمر بأنها «شكل أكثر راديكالية في صدمته من علاج الصدمة الذي تبنته جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي». إذ كان أول قرار اتخذه بعد توليه مهام منصبه: طرد 500000 من موظفي الدولة ومعظمهم عسكريون، وأطباء وممرضون ومعلمون ... ثم فتح حدود البلاد على مصراعيها أمام الصادرات: لا تعريفة ، لا رسوم ، لا تفتيش ، لا ضرائب. وقد أعلن أن البلاد أصبحت «مفتوحة للبزنس».
بعد شهر ، كشف بريمر الهدف الرئيسي لإصلاحاته: قبل الغزو كانت تدير الاقتصاد مائتا شركة تابعة للدولة. تنتج كل شيء: من الأسمنت إلى الورق إلى الغسالات... وفي حزيران شارك في قمة اقتصادية في الأردن، وأعلن أن تلك الشركات ستتم خصخصتها فوراً تحت ذريعة «أن تسليم المشاريع الحكومية إلى أيدي القطاع الخاص ضروري لإنعاش الاقتصاد العراقي». فكان القرار أكبر تصفية للقطاع العام منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
وفي أيلول ومن أجل تشجيع المستثمرين الأجانب على الاستثمار في العراق، أصدر عدة قرارات جذرية غير مسبوقة في كرمها الزائد للشركات متعددة الجنسية. ومن أهمها القرار 37 الذي خفَّض نسبة الضرائب من 40 بالمائة إلى 15 بالمائة . والقرار 39 الذي سمح للشركات الأجنبية بتملك 100% من الأصول العراقية ماعدا قطاع الموارد الطبيعية. وسمح للمستثمرين أن ينقلوا كامل الأرباح إلى خارج العراق: لن يكون عليهم أن يعيدوا استثمار أرباحهم ولن تفرض ضرائب عليها . وبموجب القانون 39 يمكن أن يوقعوا تراخيص وعقود يمكن أن تستمر لأربعين سنة. أما القرار 40 فقد رحب بالبنوك الأجنبية إلى العراق تحت الشروط الكريمة ذاتها( ).
كان ذلك الخريف ذروة المعارض التجارية حول «إعادة بناء العراق» في واشنطن ولندن ومدريد وعمان . ووصفت الايكونومست العراق تحت حكم بريمر بأنه «حلم الرأسمالي». وأُنشئت العديد من الشركات الاستشارية، يديرها مديرون لهم صلات جيدة بالجمهوريين، لتقديم العون للشركات الراغبة بالدخول إلى السوق العراقية. وكانت أبرزها: شركة (نيو بردج ستراتيجيز) التي أنشأها جو ألبو وهو مدير حملة بوش – تشيني الانتخابية، وقال أحد شركائها متحمساً: «إن الحصول على حقوق توزيع منتجات بروكتور و جامبل يمكن أن يكون بمثابة منجم ذهب. مخزن كبير ذو أقسام مليئة بالبضاعة يمكن أن يقضي على ثلاثين مخزناً عراقياً . يمكن لمخازن (ولمارت) أن تكتسح البلاد»( ).
في أشهر قليلة جداً، تحققت خطة ما بعد الحرب لتحويل العراق إلى مختبر تجارب المحافظين الجدد. قد يكون ليو شتراوس هو الذي وضع الإطار الفكري لغزو العراق استباقياًً. ولكن من قدم دليل خطة العمل بعد أن تقع البلاد في أيدي الأمريكان هو أستاذ جامعة شيكاغو ملتون فريدمان مؤلف البيان المناهض للحكومات بعنوان «الرأسمالية والحرية». وكان هذا بمثابة نصر هائل لأشد الأجنحة إيديولوجية في إدارة بوش. من ناحية أخرى كانت هناك المجموعة المعتادة من المحافظين الجدد : نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي امتدح إصلاحات بريمر الكاسحة باعتبارها «من افضل قوانين الضرائب والاستثمار المستنيرة والمشجعة في العالم الحر».
اتخذت بعض الإجراءات الصغيرة على أية حال، لاستجلاب السياسيين الذين عينتهم الولايات المتحدة إلى العراق أمثال يغور جيدار العقل المدبر لمزاد خصخصة روسيا في منتصف التسعينات والذي وزع ممتلكات الدولة على أعضاء حكومة القلة الحاكمة. وكذلك ماريك بيلكا الذي أشرف، باعتباره وزير مالية، على الإجراء نفسه في بولندة.
وعندما مزق بول بريمر دستور العراق واستبدله بما رحبت به مجلة الايكونومست باعتباره «قائمة التمنيات للمستثمرين الأجانب» كان هناك أمر واحد نسي أن يذكره: كان الإجراء كله غير شرعي . لقد استمدت سلطة الائتلاف المؤقتة سلطتها القانونية من قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة الرقم 1483، 22/ 5/ 2003، الذي اعترف بالولايات المتحدة وبريطانيا بأنهما المحتل الشرعي للعراق . كان هذا القرار هو الذي منح السلطة لبريمر ليصدر القوانين من جانب واحد في العراق. ولكن القرار أيضاً نص على أن الولايات المتحدة وبريطانيا يجب أن تنفذا التزاماتهما كاملة بموجب القانون الدولي، وبشكل خاص اتفاقيات جنيف في 1949 ولاهاي في1907، لقد نصت الاتفاقيتان على أن المحتل يجب أن يلتزم بالقوانين القائمة في البلاد. فهو في موقع «المدير» و«الوصي» حتى تقام حكومة ذات سيادة. إذا حدث ذلك فإن الاستثمارات التي أقيمت بموجب قوانين بريمر يمكن مصادرتها دون أن تستطيع الشركات إقامة الدعاوى القضائية لأن استثماراتهم كانت مخالفة للقانون الدولي منذ البداية.
لم يفت الأمر في عزيمة بريمر: إذا كان القانون الدولي يمنع المحتلين من بيع أصول الدولة بأنفسهم فإنه لا يمنع الحكومات «الدمى» التي يعينها الاحتلال من أن تبيعها بأنفسها. ففي 30 حزيران سوف ينتهي الاحتلال رسمياً ولكن ليس واقعياً. وسوف يستبدل بحكومة معينة تختارها واشنطن . هذه الحكومة غير ملزمة أمام القانون الدولي الذي يمنع المحتل من بيع أصول الدولة، ولكنها ستكون ملزمة أمام «دستور مؤقت» وهي وثيقة سوف تحمي قوانين بريمر للاستثمار والخصخصة .
وإذا سار كل شيء حسب الخطة فسوف يستطيع بريمر أن ينجح في فرض حكومة عراقية «ذات سيادة» لتنفيذ إصلاحاته غير الشرعية. لذا استطاع أن يقنع مجلس الحكم أن يوافق على كل شيء : الجدول الزمني الجديد ، الحكومة المؤقتة والدستور المؤقت. واستطاع أن يدس في الدستور المادة 26 التي تنص على أنه خلال فترة الحكومة المؤقتة: «تطبق القوانين واللوائح والأنظمة والتوجيهات التي أصدرتها سلطة الائتلاف المؤقتة». ولا تتغير إلا بعد إجراء انتخابات عامة.
لقد وجد بريمر ثغرة القانون هذه : سيكون هناك فترة فاصلة حتى ينتهي الاحتلال رسمياً. وضمنها لن يطبق الحظر الذي تفرضه معاهدات لاهاي وجنيف على خصخصة أصول الدولة المحتلة، وإنما ستطبق قوانين بريمر حسب منطوق المادة 26 من الدستور المؤقت. وخلال سوف يأتي المستثمرون الأجانب إلى العراق ويوقعون عقوداً مدتها أربعين سنة لشراء أصول العراق . فإذا قررت حكومة عراقية منتخبة في المستقبل تغيير القوانين يستطيع المستثمرون رفع قضايا التعويضات. وفي 2/ 3/ 2004، وقع السياسيون الشيعة الدستور المؤقت. كل الذي تبقى لبريمر هو تدعيم الدستور المؤقت بقرار من مجلس الأمن وعندها يستطيع المحامون وسماسرة التأمين تنهد الصعداء ويبدأ مزاد العراق( ).
تستطيع الوزارات العراقية أن تقترض بلايين الدولارات من أجل استيراد ما تحتاجه من معدات من الخارج. ولكن مقابل رهن عائدات النفط العراقي من خلال (بنك جي بي مورجان تشيس)(*) في نيويورك. ومن أجل ذلك حصل «بنك التجارة العراقي»، الذي يديره «بنك مورجان تشيس» في مدينة الكويت، على 4ر2 بليون دولار بشكل ضمانات استيراد للتجارة بين العراق والشركات والحكومات الأجنبية. وقال ديفد شافيرن مسؤول في البنك الأمريكي للتصدير والاستيراد في اجتماع عقدته شركة (اكويتي انترناشيونال) لتشجيع الاستثمار في العراق: «سوف تستخدم عوائد النفط هذه من أجل دعم خطابات الائتمان لبنك التجارة العراقي. وسوف نضمن أن خطابات الائتمان هذه سوف تكون للمصدرين الأمريكيين». كما أن سلطات الاحتلال والبنوك متعددة الجنسيات سوف يحمِّلون الحكومة العراقية القادمة ديوناً لا يُعرف حجمها. ومثل عقود إعادة إعمار العراق التي أرسيت على شركات أمريكية لها صلة بالحزب الجمهوري الحاكم، فإن قروض التصدير التي يقدمها بنك التجارة العراقي سوف تذهب إلى الدول المساهمة مع قوات الاحتلال بغض النظر عما إذا كانت مصنوعاتهم رخيصة أو جيدة.
إن السماح لخضوع النظام المصرفي العراقي لسيطرة مجموعة شركات يقودها بنك عرف عنه تاريخه الطويل من الفساد والعمل مع حكومات غير ديمقراطية، لا يطمئن الشعب العراقي حول أهداف الولايات المتحدة من احتلال العراق. لذا يجب أن يعرف الجميع أن ما تقوم به الإدارة الأمريكية مخالف للقانون الدولي بخصوص التزامات القوة المحتلة التي يجب ألا تغير من السياسة الاقتصادية للبلد المحتل( ).
فقبل الإعداد لما أطلق عليه الاحتلال «انتقال السلطة» في كانون الثاني/ يناير 2004، قام (بريمر) بفرض مجموعة من القرارات على العراق يصل عددها إلى 100 قرار التي من شأنها ضمان تمكن الولايات المتحدة من التحكم في جميع مفاصل الحياة الاقتصادية للعراق وفقاً لمصلحة السوق الحرة بواشنطن. فإن واحداً من أخطر قرارات (بريمر) كان فرضه تحديد مستقبل الإنتاج الزراعي للعراق بما يتوافق مع أهواء شركات احتكارية مثل (مونسانتو وسينجينتا ودو كيميكال) وغيرها من شركات المنتجات الزراعية الأمريكية العملاقة التي تسعى جاهدة لفرض سيطرتها على إنتاج الغذاء في العالم من خلال البذور والنباتات المعدلة وراثياً. فقد قام (بريمر) بفرض القرار الرقم 81 أسماه «براءة الاختراعات والتصميم الصناعي وسرية المعلومات والدوائر المتكاملة وتنوع المحاصيل»، وهو قرار ملزم لكل الحكومات التي نصبتها وستنصبها الإدارة الأمريكية في العراق(*).
وينص قرار (بريمر) المرقم 81 على إلزام المزارعين العراقيين بأن يدفعوا مبالغ كبيرة للشركات متعددة الجنسيات، مثل (مونسانتو)، للحصول على البذور لزراعتها كل عام، حيث سيعتبر استخدام البذور أمراً مخالفاً للقرار، كما عليهم دفع رسوم حقوق الملكية الفكرية لـ(مونسانتو) أو (سينغينتا) مقابل البذور المعدلة وراثياً بهدف «حماية» حقوق الملكية الفكرية لـ(مونسانتو) ومثيلاتها. علاوة على هذا، تمتلك هذه الشركات حقوق الاحتكار الحصرية لهذه البذور ولمدة عشرين عاماً( ).

2-تهديم البنى التحتية: إن الحرب الأنكلو ـ أميركية التي شنت على العراق وأطاحت بسلطته وأدت إلى احتلاله, أُسقطت خلالها آلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات لتدمير البنى التحتية للعراق وكل المرافق العسكرية وشبه العسكرية والمنشآت المدنية للدولة والمجتمع ولم تبق منشأة أو مرفق, مهما كان نوعه أو حجمه لم تطله تلك المتفجرات والقنابل التي كانت تُقذف بهدف أن تلحق بها أكبر قدر ممكن من التدمير, من أجل تعطيلها بالكامل و إخراجها نهائياً من الخدمة. وأسهمت في التدمير عمليات السلب والنهب والتخريب عقب دخول قوات الاحتلال إلى بغداد والتي أتت على ما تبقى منها. وكانت عمليات السلب تجري تحت أعين قوات الاحتلال وأحياناً تحت حمايتهم، أو بالتحريض منهم أو من أعوانهم, كي يعود العراق إلى الوراء سنوات عديدة. وبها أضحى لا يمتلك شيئاً إلاَّ الخراب والدمار الذي عم جميع مرافقه ومنشئاته, وأصبح في أمسِّ الحاجة إلى المساعدة في كل مجالات الحياة( ).
في أبريل (نيسان) من العام 2004، قرر بول بريمر رئيس إدارة سلطة التحالف أن تمنح وزارة التجارة خردة المعادن ترخيصاً كي يتم تصديرها خارج العراق.
وتقدَّر خسائر العراق المباشرة، جراء الحرب العدوانية والاحتلال، بأكثر من أربعمائة وخمسين مليار دولار، شاملة نفقات بناء الجيش العراقي لأغراض التسليح والإعداد والتدريب وتلبية احتياجاته ومتطلباته من الناحية البشرية والأسلحة والعتاد والمعدات وكذلك المنشآت والمرافق العسكرية كمعاهد التدريب والمعسكرات والمطارات والمقرات والمصانع الحربية ومراكز الصيانة وكل المستلزمات والأجهزة الأخرى. كما يشمل المصانع الحربية التي تمَّ تقطيع أجزاء منها، وبيعها على شكل خردة إلى الدول المجاورة بأثمان بخسة ذهبت عوائده إلى الاحتلال مباشرة، أو عبر متعاونين معه من تجار الحروب, ويشمل المعدات والآليات العسكرية والأسلحة الخفيفة والثقيلة، ومعدات المطارات والمصانع العسكرية، وكل ما كان يشتريه العراق من العتاد. ويقدر الخبراء العراقيون بأن تلك المعدات والأسلحة إذا ما بيعت كان يمكن أن تسترجع ما يزيد على مائة مليار( ).
مع إنفاق الولايات المتحدة مليارات الدولارات في إعادة إنشاء البنى التحتية المدنية والعسكرية في العراق، فهناك أدلة على أن أجهزة عسكرية حساسة، وأخرى لحفر النفط ولمحطات تصفية المياه وكل المركبات الخاصة بالمباني القديمة تغادر البلد على ظهر شاحنات. ويعتقد أن الكثير منها جديدة. وحسب بعض التقديرات هناك ما لا يقل عن 100 شاحنة شبيهة بالمقطورات محملة بما يطلق عليه بـ«الخردة العراقية» تتوجه كل يوم من العراق صوب الأردن الذي هو واحد من ستة بلدان تشارك العراق حدوده. ويقول الكثير من الخبراء إن الكثير مما يحدث هو عملية نهب واسعة الآفاق.
وكشفت الفحوص الأخيرة التي جرت في مخازن قطع الخردة الأردنية، بضمنها تلك التي قام بها مراسل «نيويورك تايمز»، عن وجود كميات هائلة من خردة المعادن ومكونات أخرى تدخل في تركيب البنى التحتية المدنية العراقية وهذا يشمل أكواماً ضخمة من النحاس الثمين وقوالب وقضبان من الألمنيوم، وهناك أكداس ضخمة من القضبان الفولاذية وأنابيب مياه، ومثبتات عملاقة لأجهزة استخراج النفط وكلها تبدو جديدة، إضافة إلى شاحنات سكك حديدية مقطعة إلى أجزاء، كما أن هناك عدداً كبيراً من الدبابات المحطمة، بل يمكن إيجاد حتى براميل البيرة التي تحمل كلمات «الجعة العراقية».
وقال سام ويتفيلد المتحدث باسم إدارة سلطة التحالف: إن زيارة إلى فناء خاص بقطع الخردة في مدينة «الرعوية» التي تبعد مسافة عشرة أميال عن عمان، وكذلك مدينة الزرقاء التي هي الأخرى منطقة تجارية حرة، تثير علامات استفهام قوية. وقال يوسف واخيان، العامل في فناء خاص بالخردة، إن ما بين 60 و100 شاحنة قدمت في يوم واحد من العراق، وإن هناك 50 غادرت مع حمولات من الخردة لبيعها إلى أماكن أخرى.
في العام 2003، صدرت تقارير كثيرة تشير إلى وقوع نهب واسع لخطوط التحويل الكهربائي ولقواعد عسكرية، إضافة إلى مثبتات عملاقة خاصة بمعدات حقول النفط، بين الأشياء المنهوبة الأخرى. ويؤكد تلك المعلومات المهندس محمد الداجه الذي يعمل مديراً تقنياً في مناطق التجارة الحرة. وقال المحلل السياسي الأردني لبيب قمحاوي: إن هناك الكثير من الحديث بين الأوساط التجارية عن وجود صفقات لـ«شحن أشياء جديدة تحت يافطة قطع الخردة». كما أن مسؤولا عسكريا أردنياً سابقاً قال: شاهدت دبابة روسية من نوع تي ـ55 كاملة مع رسوم تشير إلى أنها عراقية وكانت موضوعة فوق شاحنة بعد أن قطعت سبطانتها ووقفت تلك العربة أمام مصنع للفولاذ بالقرب من طريق عمان الموصل بالمطار التجاري الرئيسي.
وقال جون هامر، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الواقع في واشنطن: «هناك عملية نهب هائلة تهدف إلى تجريد أي شيء يُعتقد أن له قيمة داخل العراق لنقله إلى الخارج. إنه سلب نظامي للبلد.
وظلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتمركزة في فيينا تراقب بإحكام صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمئات من المواقع العسكرية والصناعية في العراق. وكانت نتائج تحليلها مريعة حسبما قال جاك باوت، مدير مكتب التحقق النووي في العراق التابع للوكالة الدولية، إن «أكثر من عشرة مبان ومجمعات قد اختفت بالكامل من الصور الملتقطة». وقال: «نحن نرى مواقع قد تمت إزالتها تماماً» ( ).
ويذكر أن الحزبين الكرديين لعبا دوراً كبيراً في تدمير ونهب سلاح ومعدات الجيش العراقي وبيعها إلى دول الجوار ومنها إيران وتركيا. وفي الجانب الآخر كان الجلبي وقوات بدر وعلاوي، وغيرهم ممن أخرجوا ثروات العراق إلى إيران والكويت والأردن ومصر ودبي. وساهم الكثير من تجار العراق بهذا العمل الشنيع. كما أن أحد معامل الهند اشترى 250 ألف طن خردة وسكراب. وبيع الطن الواحد بما لا يتجاوز 40 دولاراً. وبأربعة آلاف دولاراً للطن من المكائن المتطورة وذات التقنية العالية، ومنها مكائن التصنيع العسكري البالغة الأهمية. كما أن السلعة التي قيمتها مليون دولار تباع بعشرة آلاف دولاراً أو اكثر بقليل. أما الطائرات فقُطِّعت وبيع الطن الواحد ما بين 700 إلى 900 دولاراً. والدبابة العراقية قُطِّعت إلى أربعة أجزاء سعر الطن الواحد بين 30 إلى 50 دولاراً( ).
أما البنى التحتية الأخرى، التي تم تدميرها، فتشمل خطوط الكهرباء والاتصالات السلكية واللاسلكية وخطوط مياه الشرب والصرف الصحي. المراكز الصحية والتعليمية، ومحطات الري , والطرق والجسور والمباني والمصانع والمنشآت الحكومية والمرافق العامة والمخازن الكبيرة والمستودعات، حيث تمَّ حرق الكثير منها وتدميرها، والمختبرات الجامعية ومراكز الأبحاث العلمية ومختبراتها تم تدميرها بالقصف، ونهب المتبقي منها أو حرقه. وقد تم تدمير بنى الخدمات الأساسية وقطاعيْ الزراعة والصناعة كلياً, بالإضافة إلى تدمير كميات هائلة من الخزين الاستراتيجي من مختلف المعدات والأجهزة والمستلزمات اللازمة لديمومة الحياة اليومية للدولة والمجتمع بكل نواحيها( ).

3-الأموال العراقية المنهوبة والمهدورة: وهي على أنواع، ومنها:
أ-أصدرت الإدارة الأميركية في العام 2003، في أثناء العمليات العسكرية، قراراً بوضع اليد على الأموال العراقية الموجودة في مختلف أنحاء العالم البالغ حجمها أكثر من 13 مليار دولار. والاستيلاء على الأموال العراقية الموجودة داخل الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات دولار، ومصادرتها. وأجازت الإدارة الأميركية لنفسها بالاستحواذ على الأموال العراقية المجمدة تباعاً. منها ما اعترف به بنك «يو بي إس»، ثاني أكبر بنوك سويسرا، في آذار 2003 عن قيامه بتحويل أرصدة عراقية لديه إلى الحكومة الأمريكية دون إذن من السلطات الرسمية. وكان قد سبق للبنك المركزي السويسري أن أعلن عن وجود أرصدة تعود للحكومة العراقية مسجلة في عدد من البنوك السويسرية. ثم أفشت النيويورك تايميز في تشرين الأول من العام 2003 بأن الإدارة الأميركية تمكنت من مصادرة مليار و700 مليون دولار أخرى من الأرصدة العراقية.
ب-رصيد برنامج النفط مقابل الغذاء لغاية آذار 2003البالغة 21 مليار دولار.
ج-منذ الأسابيع الأولى للاحتلال جمعت القوات الأمريكية من القصور الرئاسية والمجمعات الخاصة عدداً من المليارات، بلغت حوالي 6 مليارات دولار، كما أنها استحوذت على ما قيمته 4 مليارات دولار أرصدة البنك المركزي العراقي وبقية المصارف العراقية من النقد الأجنبي. وقال الضابط الأميركي الذي كان ناطقاً باسم قوات التحالف في العراق الكولونيل تشارلز استوليت على مبالغ نقدية كبيرة وجدتها في القصور والمجمعات الرئاسية والدوائر الرسمية العراقية.
د-جمعت من الأموال العراقية المودعة في البنوك العربية والأجنبية ما مجموعه ملياريْ دولاراً تقريباً( ). ولكي تغطي جريمتها وتمحو آثارها، استحوذت إدارة الاحتلال والمتعاونون معها على كل الوثائق الرسمية والحسابات التفصيلية الخاصة بالالتزامات المالية للدولة العراقية (الموجودات والأصول والمطلوبات والمستحقات). ولابد من التنويه إلى اعتراف المحققين في مكتب المحاسبة العامة الأميركي، الثلاثين من نيسان/ أبريل 2004، بأنه كانت هناك حوالي 58 مليار دولار من مصادر مختلفة متاحة للعراق لاستخدامها في إعادة إعماره. فأين ذهبت تلك الأموال؟
الحقيقة أنها نُهبت وسُرقت وذهبت إلى جيوب المسؤولين الأميركيين وعملائهم، وتلك بعض المعلومات عن الحقيقة:
كشفت القاضية العراقية، زكية إسماعيل حقي، المفتش العام في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، عن اختلاسات وتلاعب مالي كبير قام بها المستشار الأمريكي السابق في وزارة العمل العراقية روبرت كروس. كان المستشار الأمريكي يمارس الكثير من الخروقات والتجاوزات المالية والقانونية ويضع موظفي الوزارة تحت طائلة الفصل والطرد عند اعتراضهم على أية حالة تجاوز، فضلاً عن تجاوزه جميع التعليمات الصادرة من الجهات الأمريكية والعراقية( ).
-في رسالة بعث بها السيد ديل ستوفل، وهو أحد المسؤولين في مكتب التعاقدات الأميركي الخاص بإعمار العراق، إلى الجنرال ديفيد بتراوس بتاريخ 30 تشرين الثاني من عام 2004 قال بالنص «لو أننا استمرينا في السير في الطريق ذاته الذي نسير عليه الآن فإني مقتنع تماماً بأننا سوف ندخل في دوامة اتهامات قضائية تقودنا جميعًا إلى السجن»( ).
اتَّهم المفتش العام المكلف بأمور إعادة إعمار العراق الولايات المتحدة بأنها تعاملت بأسلوب يتسم بالإهمال و الغش مع بعض الأموال العراقية المستخدمة في إعادة البناء. وخلصت مراجعتان حسابيتان أجراهما المفتش الخاص الأمريكي في إعادة الإعمار بالعراق أوجه قصور في الطريقة التي أبرم بها المسئولون في الحكومة وجيش الاحتلال الأمريكي العقود التي دفعت أموالها من صندوق تنمية العراق وهي أموال عراقية استولت عليها الولايات المتحدة بعد الاحتلال في العام 2003. وشملت أوجه القصور عقوداً دُفعت قيمتها مرتين في بعض الأحيان، وملفات فقدت، وأموالاً دُفعت، ولم يعرف أين ذهبت، وأدلة ضئيلة على أن البضائع والخدمات قُدمت. وانتقد تقرير آخر منفصل ما وصفه بالطريقة الغامضة التي صرف بها نحو ثمانية عشر مليار دولار من الأموال المحصلة من دافعي الضرائب الأمريكيين والموجهة لإعادة الإعمار. وكانت مهمة صرف تلك الأموال من صلاحيات سلطة الاحتلال الأمريكي، وأنيطت في وقت لاحق بالسفارة الأمريكية في العراق( ).
زياد القطان(*)وجدت المخابرات الدولية الأمريكية في حسابه مائة مليون دولار. ومعه بدأت قصة أكبر سرقة في تأريخ العراق الحديث. كانت ميزانية وزارة الدفاع العراقية كلها تحت تصرفه، جاء من بولندا أو ألمانيا مفلساً ليصبح في ظرف أشهر قليلة من أغنى أغنياء العراق أو لنقل (البولنديين). إستعمل علاقات زوجته مع الشركات البولندية ليشتري طائرات هلكوبتر رديئة جداً للجيش العراقي بدل طائرات أم آي 17 المتفق عليها( ).
-كشفت هيئة الاستشارات والرقابة الدولية التي تم تشكيلها طبقاً لقرار مجلس الأمن 1483 الصادر في 22/5/2003 عن وقائع مهمة عن هدر أموال «صندوق التنمية العراقي» المودعة فيه إبان عهد بول بريمر. كانت تقدر بـ«20 مليارا و200 مليون دولار»، منها 11 ملياراً من عائدات النفط العراقي، وسبع من الأموال التي نقلت من حساب برنامج النفط مقابل الغذاء. قام بريمر في يومي 25 و28 حزيران من العام 2004، بتوزيع عدد منها قبل مغادرته العراق فكانت حصة حزبيْ الطلباني والبارزاني ملياراً و800 مليون دولار من فئة 100 دولار. وقد أكدت ذلك هيئة الإذاعة البريطانية. في حين أن صحيفة (الفاينانشيال تايمز) ذكرت أن تلك الأموال مودعة في بنك كردي مجهول في جنيف، وتم التفاوض مع شركة أميركية لتمثل «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في واشنطن لتوظيفها في البنوك السويسرية. وهذه قد أسسها اثنان من مساعدي الرئيس بوش، والرئيس السابق لمستشاري البيت الأبيض حول العراق.
ب- انتقدت وكالة الرقابة المالية، التابعة للأمم المتحدة، سلطة الاحتلال بأن الطريقة التي أنفقت بها عائدات النفط العراقي كانت عرضة لأعمال النصب والاحتيال.
-جاء في تقرير صادر عن «منظمة مراقبة إيرادات العراق» في نيويورك ، وهي مكلفة بمراقبة الشئون المالية للبلاد، أن المخالفات المحاسبية ونقص الإشراف على العقود كانت أمراً اعتياديا في ظل سلطة الاحتلال.
-كشفت «منظمة كرستيان ايد» البريطانية أن بريمر سرق 4 مليارات. في حين أن شركة المحاسبة «كيه. بي. أم. جيه»، التي اضطلعت بمسئولية تدقيق حسابات صندوق التنمية، شددت على أن كثيراً من العقود التي أبرمت لم يطلع عليها «مجلس الحكم المنحل». ومن بين ما أوردته أن هناك 4 مليارات و600 مليون دولار رصدت لالتزامات معلقة ولم يتم التعرف على تلك الالتزامات .وأيدت هيئة الإذاعة البريطانية ما ذهبت إليه «منظمة كريستيان ايد»، وقال أحد المشاركين في التحقيق الذي أجرته الإذاعة: إنه قياساً على عمليات السرقة والفساد والنهب التي أعقبت الاحتلال فإن إعادة إعماره تنذر بأن تكون من أكبر فضائح الفساد في التاريخ.
-اتهم محمد بحر العلوم، عضو مجلس الحكم المنحل، بول بريمر بممارسة عمليات احتيال وهدر للمال العام العراقي، «داعياً الحكومة الحالية إلى التدقيق في مجمل مداخيل صندوق التنمية العراقي الذي أنشئ بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 1483». ثم كشف ابنه إبراهيم بحر العلوم عن سرقات أمريكية وعمليات نهب منظم لأموال العراق جرت بشكل سري وتحت أغطية رسمية وغير مشروعة قادها الحاكم المدني السابق بول بريمر.
-كشف تقرير أعده المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق الحقوقي ستيوارت باون أمثلة كثيرة من الفساد والاختلاس منها أنها قامت بدفع مبالغ على لائحة بالنفقات تضم أسماء 8206 لأشخاص غير موجودين أو غير حقيقيين ، وإضافة إلى ذلك وقعت عقوداً بملايين الدولارات في غياب أي وثائق أو آليات أصولية لتك العقود مما يشير إلى وقوع عمليات اختلاس وسرقة .
-إحالة مناقصة إعمار الهياكل الارتكازية إلى «شركة هاليبرتن» بمبلغ مليار ونصف المليار دولار دفعت مرة واحدة إلى هذه الشركة قبل حتى البدء بالتنفيذ.
-أمر المستشار الأميركي لوزارة النفط العراقية بصرف مبلغ مليون و600 ألف دولار لمقاولة لم يتم العثور على أي معلومات عنها.
-دفع بريمر مبلغ 10 ملايين دولار لكنعان مكية، أميركي من أصل عراقي، ادعى أنه سيبني «متحف ضحايا صدام حسين»، وسلم له المبلغ وطار هو ومشروعه والأموال عائداً إلى مكان إقامته في الولايات المتحدة الأميركية من دون أن يقدم شيئاً يذكر.
-مع الأخذ بالاعتبار أن التصدير النفط خارج إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، التي تتراوح ما بين 100 إلى 200 ألف برميل يومياً تتم في إطار صلاحيات وزير النفط وبإشراف مباشر من الرئاسة( ).
قالت وكالة الشفافية الدولية في تقريرها الذي ركز على مشكلة الرشوة والفساد في صناعة البناء والإعمار: إن عملية إعادة الإعمار في العراق مهددة بأن تتحول إلى أكبر فضيحة فساد في العالم ما لم تتخذ إجراءات عاجلة، فإن العراق لن تصبح منارة الديمقراطية الساطعة التي تتخيلها إدارة بوش. إن الحاجة الملحة لتمويل البناء في فترة ما بعد الحرب تزيد من أهمية فرض شفافية صارمة بالنسبة لجميع العقود للمشتريات، وإنه ما لم تتوفر التدابير الصارمة المضادة للرشوة، فأن تحويل الموارد إلى الصفوة الفاسدة وإهدارها سيقوض جهود الإعمار في العراق( ).

4-المافيا وتهريب النفط العراقي: أشارت جمعية خبراء النفط إلى انتشار ظاهرة المافيا التي دخلت العراق مع الاحتلال، أو أنها قد تشكلت لهذا الغرض للقيام بأعمال تهريب النفط الخام والمنتجات النفطية. وكانت تقوم بعملها في خضم العمليات العسكرية. وتسير الشاحنات المحملة بالنفط باتجاه الكويت على طريق مليئة بالآليات والعجلات العسكرية الأميركية الداخلة إلى العراق. كما أن مافيا التهريب اخترعت طرقاً أخرى لسرقة النفط الخام بوضع محطة ضخ على خطوط أنابيب النفط الخام قرب جسر الزبير على شط البصرة، كي تتمكن المراكب الصغيرة من تحميل النفط ونقله إلى ناقلات أكبر رست خارج خور الزبير، علماً بان الممرات المائية لخور الزبير وشط البصرة كانت تحت سيطرة القوات البريطانية. كما أشارت في تقريرها بأن المنتجات النفطية في الجنوب كانت تهرب بمراكب صغيرة محملة (500-1000 طن)، ثم تتنقل إلى الدول الخليجية وإيران، وعبر الحدود الأردنية، والحدود السورية، والمنطقة الشمالية للعراق.
وقد أعلن تامر الغضبان، المشرف على وزارة النفط العراقية، أن سلطات الاحتلال باشرت بعملية تصدير ما مقداره 700 ألف برميل من النفط الخام يومياً من الجنوب. كما صدَّرت، منذ حزيران 2003، كميات النفط العراقية المخزونة، في المنشآت النفطية الجنوبية، التي كانت معدة للتصدير قبل الاحتلال، والبالغة 8 ملايين برميل. وصدَّرت، في تموز 2004، عبر مرفأ جيهان التركي، عشرة ملايين برميل. وبحساب بسيط لعائدات النفط، منذ نهاية حزيران 2003، ولغاية نهاية كانون الأول 2004، تكون بحدود 40 مليار دولار. وإذا احتسبت الطفرات المتتالية للأسعار في خلال تلك فإن العائدات ستزيد عن الـ 50 مليار دولار( ).
وتبيَّن بشهادة مدققي حسابات انتدبتهم الأمم المتحدة، أن العراق هو البلد الوحيد المنتج للنفط في العالم الذي لم تستخدم فيه سلطات الاحتلال عدادات لقياس كميات النفط المستخرجة والمصدرة وتسجيلها. ولفت التحقيق إلى أن غياب العدادات كان الطريقة التي اختفى بها الجزء الأكبر من الأموال العراقية. يضاف إلى هذا أن عوائد النفط العراقي لا توضع في صندوق تنمية العراق، ما يشكل خرقاً لقرارات الأمم المتحدة( ).

5-التلاعب بأموال إعادة الإعمار: كان أول عمل قام به جاي غارنر، الرئيس السابق للإدارة المدنية الأمريكية، بعد احتلال بغداد، هو تشكيل هيئة استشارية للقطاع النفطي يترأسها الأميركي فيليب كارول، ونائب رئيسها العراقي فاضل عثمان، على أنها المسؤولة عن موضوع النفط استخراجاً وإنتاجاً وتسويقاً. واستولت اللجنة على كل الملفات الخاصة بذلك ونقلتها إلى مقر الإدارة المدنية الأمريكية. وأعلنت سلطة الاحتلال في نهاية أيار/ مايو 2003 أنها أسست «صندوق تنمية العراق» بهدف استخدام أموال النفط في إعمار العراق وتُودَع عائداته فيه تحت إشراف سلطة الاحتلال. وهذا الصندوق يختلف عن الصندوق الذي أقرت الأمم المتحدة إنشاءه لإدارة أموال إعادة الإعمار( ).
تكثر السرقات وتتكاثر لجان التحقيق، وكشف تقرير أعده ستيوارت بوين المفتش العام لسلطة الاحتلال السابقة، ونشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية أن السلطات الأمريكية تجري ‏تحقيقات بشأن عمليات فساد واحتيال وسوء استخدام أموال إعادة الإعمار في العراق‏.‏ وأوضح أن المراجعة الشاملة لعمليات الوكالة التي رأستها الولايات المتحدة وأشرفت على إعادة الإعمار قدمت الدليل على أن ملايين الدولارات تم اختلاسها وإساءة استخدامها وتبديدها‏.‏ وأن المسئولين الأمريكيين تلاعبوا بأموال عقود الإعمار أو أساءوا إنفاقها‏,‏ بالإضافة إلى عدم القدرة على معرفة مصير ملايين الدولارات التي تم إنفاقها على شراء معدات‏.‏ ومنها تلاعب مستشار أمريكي بارز في نظام التعاقد لمنح عقد أمني قيمته ‏7,2‏ مليون دولار لإحدى الشركات‏,‏ كما طالب أحد المتعاقدين بنحو ‏3,3‏ مليون دولار كأجور العمال في عقد لإصلاح خط أنابيب بترول‏,‏ لكن هؤلاء العمال لم يكونوا موجودين. وأعلن المتحدث باسم المفتش العام أنه تم تحويل ‏35‏ حالة انتهاك إلى وكالات حكومية أخرى لإجراء مزيد من التحقيقات فيها‏,‏ وذلك بالإضافة إلى التحقيقات الجنائية الـ‏27‏ والتي تجري بواسطة المفتش بوين( ).
واتهم عضو مجلس الشيوخ السناتور هاري ريد الرئيس الأميركي جورج بوش بعدم القدرة على إدارة الأمور بشكل صحيح في العراق، والسماح لعملية إعادة الإعمار بالغوص في حالة من الفوضى، بعد عامين من احتلاله. وأفاد شهود في جلسات استماع لمناقشة الفساد العام أثناء تولي سلطة التحالف المؤقتة برئاسة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر أن أكياساً مليئة برزم من الأموال كانت توزع وتلقى ككرة القدم. واتهموا سلطة التحالف بتخزين ملايين الدولارات في سرداب تابع لمقرها وتغاضى قسم المحاسبة عنها. وكان تقرير نشره المفتش العام على عملية إعادة الإعمار، ستيوارت براون، في شهر كانون الثاني/ يناير 2005، حمَّل سلطة التحالف مسؤولية اختفاء حوالي تسعة مليارات دولار واتهمها بالفساد والتورط في دفع رواتب لعاملين غير موجودين والموافقة على عقود تقدر بملايين الدولارات دون إشراف محاسبي.
إلى ذلك، واجهت الإدارة الأميركية اتهامات بأنها أعاقت ملاحقات قضائية ضد شركة «كاستر باتلز» الأميركية المتهمة بالتزوير والنصب في العراق. وقال محام يمثل موظفين قدامى في الشركة إن الحكومة الأميركية خسرت عشرات الملايين من الدولارات حصلت عليها الشركة لمدة عام كامل بغير وجه حق، ولم تقم الإدارة بشيء لاستعادتها. واستطرد أن «كاستر باتلز» وقعت عقوداً قيمتها 100 مليون دولار مع السلطات الأميركية( )•
وجَّه تقرير لهيئة مكلفة من الأمم المتحدة اتهامات مباشرة بالفساد أو الرشوة أو سوء الاستخدام لعائدات النفط، ولاحظ أن الوزارات العراقية والوكالات الأميركية منحت عقوداً لشركات من دون مناقصة بلغت حوالي 100 مليون دولار(*)، واستنتج التقرير أن كل حسابات الحكومة المؤقتة كانت غير كاملة وأن وزارات الحكومة كانت تنفق عائدات النفط بطريقة غير ملائمة، وأحياناً تمنح عقوداً من عائدات النفط بطريقة غير معهودة وأنها تفشل في متابعة المشاريع التي مولتها لضمان استكمالها( ).
إن الأمور في العراق تزداد كل يوم شذوذاً ودناءة. وإن محاباة الأصدقاء عامل حقيقي في الشأن العراقي منذ البداية، فإعادة الإعمار ليست فقط أكثر تكلفة مما ينبغي أن تكون، بل إن تلك المحاباة تُعطى العقود كجوائز للأصدقاء. فقد أُعطي عقد ضخم لهيلبرتون، وهي الشركة التي جعلت من ديك تشيني رجلاً غنياً. وأحد أسباب تأخر عودة التيار الكهربائي هو أن الأميركيين استبعدوا الخبراء العراقيين والمؤسسات العراقية، وعوضاً عن ذلك أُعطي العقد لشركة بكتل؛ التي تربطها علاقات جيدة بالجمهوريين. والشركة القانونية، التي كان يعمل فيها دوغلاس فيث مساعد وزير الدفاع، حصلت على عقد. وكذلك شركة فيها جو ألبو، منظم المعركة الانتخابية لبوش وتشيني عام 2000. ثم هناك باب يرعاه سالم الجلبي المعروف( ).
كشف تحقيق أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية»، حقائق عن نهب ما يزيد على 20 مليار دولار من ثروة العراق وثلاثة مليارات من أموال الضرائب الأمريكية بددت سرقة ونهباً ورشوة. وقد شارك وتواطأ بالسرقة كل من قوات الاحتلال الأمريكي وعدد من الشركات الأمريكية، خصوصاً في الفترة التي سبقت حل مجلس الحكم العراقي( ).
ووجد مدققو حسابات من الحكومة الأمريكية أن 8.8 مليار دولار «مفقودة»، ولا توجد سجلات حسابات تشير إلى أوجه صرفها أو إلى الجهات التي تلقتها أو أخذتها. وكشف الكولونيل تشارلز كرون، الناطق باسم قوات الاحتلال، التي كانت مسئولة عن ثروة العراق النفطية، أنها استولت على مبالغ نقدية كبيرة منها مبلغ واحد يتراوح بين 700 مليون و800 مليون دولار كانت ملكاً للحكومة العراقية قبل الاحتلال، ربما أعطيت للقادة (العسكريين) ليصرفوها في مناطق قيادتهم بحرية.
ويذكر أن قوات الاحتلال نقلت، بأمر من «مجلس الحكم المؤقت»، في صيف 2004 مبلغ 1.4 مليار دولار من بغداد إلى الحكومة الكردية الإقليمية في أربيل في شمال العراق وأن مصير هذا المبلغ بات لغزاً( ).
-أشارت صحيفة (بالتيمور صن) الأمريكية إلى التقرير الذي أصدره ستيوارت بوين المفتش العام على برامج «إعادة إعمار العراق»: إن مشروعات إعادة الإعمار وبرامج الإشراف عليها تعاني من الإدارة السيئة وضعف فعاليتها( ).
-واجهت الإدارة الأميركية اتهامات بأنها أعاقت ملاحقات قضائية بحق شركة (كاستر باتلز) المتهمة بالتزوير والنصب في العراق( ).
كشفت القاضية العراقية، زكية إسماعيل حقي، المفتش العام في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، عن اختلاسات وتلاعب مالي كبير قام بها المستشار الأمريكي السابق في وزارة العمل العراقية روبرت كروس( ).

6-نهب أملاك الدولة العقارية:
شملت أعمال النهب القصور والممتلكات الأخرى، التي كانت لحزب البعث الحاكم، ومنها القصور الرئاسية، ووزعت بقرار من جهة غير معلومة على أفراد «النخبة» العراقية الجديدة ونهبت عشرات السيارات من دون أن يعرف أحد بما جرى لها( ). ومن الوثائق التي حصلت عليها بعض الأوساط وثيقة صادرة عن رئيس مجلس وزراء الحكومة المعيَّنة بعد الثلاثين من حزيران/ يونيو 2004، تكشف عن بيع عقارات للدولة إلى مؤسسات خاصة بثمن بخس( ).

7-حماية رؤوس العملاء تستنزف ميزانية لقمة المواطن العراقي:
كشف مسؤول في حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعَّمه أحمد الجلبي أن كلفة حماية المسؤولين العراقيين تبلغ سبعة مليارات دولار في السنة الواحدة. وقال انتفاض قنبر الناطق باسم حزب الجلبي إن 20 مليون دولار تُدفع يومياً لأفراد حمايات المسؤولين العراقيين.. مشيراً إلى أن هذه المبالغ تُدفع لشركات أجنبية متخصصة بتوفير الخدمات الأمنية لمسؤولي الحكومة العراقية، وقد تمَّ استقدام هذه الشركات من أمريكا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأن عدد أفراد هذه الشركة يبلغ حوالي 20 ألف عنصر. وتخصص الحكومة العراقية لكل موظف كبير طاقماً من الحماية يتناسب مع موقعه الوظيفي، حيث يشمل كل من يشغل منصب مدير عام صعوداً بنظام الحماية باعتبار أن جميع هذه المستويات الوظيفية مستهدفة. أما من خرج مفلساً من العملية السياسية، أو من أُعفي من منصبه، فغادر من حيث أتى آخذاً معه حصته من ثروة العراق على وفق قانون المحاصصة( ).
أدلى نائب المساعد السابق لوزير الدفاع، جون شو ، بتصريحات صحفية قدم خلالها تفصيلات عن «التسيب المالي الذي جعل الملايين تنتقل من يد إلى يد دون حساب». وطالب بفتح ملفات فساد المسؤولين العراقيين مشيراً إلى أن هناك وثائق تبرهن على ذلك. وقد ورد في تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي بعض من تلك المعلومات:
- إبراهيم الجعفري: في نهاية شهر أبريل 2004 اختفت على نحو مفاجئ أوراق مناقصات شبكة الهاتف النقال من وزارة المواصلات العراقية. فتبيَّن أن هناك ادعاءات جادة ومتعددة تفيد بقيام الكونسورتيوم الذي فاز بعقد شبكة الهاتف النقال بدفع رشاوى تراوحت بين 18 و21 مليون دولار لستة أشخاص من بينهم إبراهيم الجعفري. وقال مصدر آخر إن الجعفري (رئيس حزب الدعوة ) تلقى 3 ملايين دولار وإن الوزير حيدر العبادي (وهو من حزب الدعوة أيضاً) تلقى مبلغاً مماثلاً( ).
-أصدر قاضي تحقيق محكمة الجنايات أمراً بالقبض بحق كل من (أحمد الجلبي) وابن شقيقه (سالم):
-أحمد الجلبي: تلاعب بالأموال الأمريكية المخصصة لحزبه. ويواجه تهماً بالتزوير وترويج عملات مزيفة. وقيام عصاباته باغتيال شخصيات عراقية كثيرة منهم (عقيلة الهاشمي) عضو مجلس الحكم التي دخلت في مشادة عنيفة معه في إحدى جلسات المجلس وتوعدها بالانتقام. كما ضبطت أسماء علماء وأساتذة وسياسيين وأطباء عراقيين تمت تصفية قسم كبير منهم وآخرين كانوا على قائمة التصفيات القادمة.
وتشمل التحقيقات البحث في مصير مليارات من الدنانير القديمة المزورة كان يفترض أن تحرق بواسطة البنك المركزي إلا أنه ولما كان قد عهد إليه بتلك المهمة، بصفته رئيس اللجنة المالية في مجلس الحكم المنحل، احتفظ بها لغايات مصلحية.
-سالم الجلبي: يواجه تهمة القتل العمد بحق هيثم فاضل، رئيس هيئة الرقابة المالية، في 28 أيار من العام 2004م، الذي كان يحقق في استيلاء أحمد الجلبي على أموال وممتلكات عامة، بطريقة غير قانونية. وكان المذكور قد تلقى تهديدات كثيرة من سالم الجلبي مباشرة. ولما خشي على حياته قام بتسليم نسخة من تقريره إلى أحد أصدقائه ليحفظه له، والنسخة الآن هي في حوزة المحكمة الجنائية.
-محمد الزبيدي: الملقب بـ«حرامي بغداد» الذي نصبه الجلبي «رئيساً للإدارة المدنية لبغداد» بعيد الغزو، لمدة أسبوعين لحين اعتقاله من قبل الجنرال غارنر بعد افتضاح فساده، والذي اختلف مع سيده الجلبي حول اقتسام مسروقات البنوك( ).
- موفق الربيعي مستشار الأمن القومي، العميل البريطاني الإيراني الأصل كريم شاهبوري: اشترى عمارة في قلب لندن بـ 180 مليون جنيه أي بـ 250 مليون دولار.
-أياد علاوي: اشترى قطعة أرض في شارع زايد في أبو ظبي في الإمارات بـ 420 مليون درهم إماراتي (ما يقارب 125 مليون دولار). واشترى أكثر من قصر في عمان( ).
قبلت المحكمة التجارية اليمنية دعوى قضائية مقدمة من المهندس عبد الله جعشان، رجل أعمال يمني، ضد إياد علاوي«رئيس الحكومة العراقية المؤقتة»، و« وكيل شركة شفرن الأمريكية بالشرق الأوسط»، بتهمة احتيال بمبلغ مليون دولار مستحقات ومكافآت تم الاتفاق عليها مع علاوي عام 1989 مقابل إدخال الشركة إلى اليمن. وأشار إلى أن علاوي وقع معه اتفاقية تأسيس الشركة، وأخذ الاتفاقية معه بحجة تسجيلها في بريطانيا، وتهرب من تسليمه نسخة خاصة به بعد نجاح مهمة الشركة مع الجانب الحكومي( ).
-في إطار تقاسم وظائف الدولة المجزية مادياً بين العملاء عيَّن قاسم داوود وزير أمن الاحتلال أخاه مستشاراً في سفارة أبو ظبي، وعين ابن اخته ملحقاً فيها، علماً أن سفارات سلطة الاحتلال قد تقاسم وظيفة السفراء فيها أعضاء الأحزاب والعصابات العميلة الطائفية والعنصرية ممن لا علاقة لهم بالسلك الدبلوماسي على الإطلاق( ).

8-جرائم السرقة والنهب يمارسها لصوص صغار من الجنود الأميركيين
أفرد (وليام اركين) في جريدة (ويست بومفريت) باباً لجرائم الجنود الأمريكيين في العراق. وندد بعمليات النصب والسلب التي يقومون بها للمنازل التي يقتحمونها بحجة البحث عن مقاومين للاحتلال. ويسرقون كل شيء( ).
أدانت محكمة عسكرية أمريكية ضابطًا في القوات الجوية الأمريكية لقيامه بشحن ترسانة من الأسلحة الصغيرة الأوتوماتيكية ومئات من القطع الحربية من العراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تضمنت عملية الشحن غير القانونية ـ بحسب وكالة الأنباء السعودية ـ 30 بندقية آلية وست قاذفات صواريخ وعشرات من خزائن الذخائر وأجهزة تلسكوب وتصويب, بالإضافة إلى العديد من القنابل اليدوية والألغام الأرضية, و1183 غطاء رأس عسكري عراقي, وأكثر من 600 زوج من الجوارب وثماني بزات عسكرية كاملة فضلاً عن قطع أثرية نهبت من متحف عراقي( ).

ثامناً: جرائم تفتيت النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي
إذا كانت حملات الملاحقة والاعتقال والتعذيب جريمة ظاهرة يمكن حصرها بين جدران السجون وملفاتها، فهناك جريمة غير منظورة ارتكبها الاحتلال الأميركي. تلك الجريمة التي تتفرَّع إلى الكثير من الجرائم، وهي تفتيت النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي. ومن أهم معالمه انتشار عدد العصابات والمجرمين بين العراقيين الذين تظللوا تحت سقف الانفلات الأمني والحرمان من الحدود الدنيا لمتطلبات العائلة الاقتصادي، لكي يمتهن من حُرموا من لقمة العيش الشريفة مهنة السرقة والنهب والاغتصاب وتعاطي المخدرات. والأخطر من كل ذلك هو التشجيع الذي يلقاه بإهمال قوات الاحتلال ملاحقة هذا النوع من الجرائم، بالإضافة إلى أن جنود الاحتلال وضباطه يمارسون الفلتان الأمني على الصعيد المدني، وأخذوا يمارسون الجريمة المدنية من اعتداء على الشرف إلى السرقة تحت التهديد بقوة السلاح. إن تعميم الفلتان الأمني أمام العصابات والمجرمين، أي إهمال كل ما يهدد الأمن الاجتماعي للفرد العراقي، كما للمجتمع، لهو من جرائم الحرب الكبرى، الذي تفوق تأثيراته السلبية كل مظاهر التدمير والخراب التي تحدثها العمليات العسكرية، ويقع كل هذا تحت دائرة جريمة الحرب.

1-جريمة الفلتان الأمني تتسبَّب بتفتيت النسيج الاجتماعي:
إن سلطات الاحتلال مسؤولة عن حماية المدنيين ضد العنف. وبدلاً منها تشجع سلطات الاحتلال الأميركي العنف، وتسكت عنه، وتساعد عليه( ). ولقد أجرى «مركز المشرق للدراسات والبحوث» استطلاعاً للرأي في العراق، وخرج بالنتائج التالية: «إن الوضع الأمني الحالي يمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية مثل الخروج مع أسرهم خارج المنزل. وبالطبع أدى هذا الوضع الأمني المتردي إلى انتشار الجريمة في العراق بشكل لم يسبق له مثيل: من سرقة، وخطف للفتيات واغتصابهن، وغيرها من الجرائم التي تقشعر لها الأبدان. فانتشرت الرذيلة، والدعارة، والمخدرات، والخمر، وكلها جرائم لم تكن موجودة قبل الغزو الأمريكي»( ).
ولعل أبرز ملمح بات يميز العراق اليوم هو ارتفاع نسبة البطالة، التي تقدرها بعض التقارير الاقتصادية بأكثر من ستة ملاين عراقي عاطل عن العمل، ممن فقدوا وظائفهم، بسبب حل الوزارات، أو انتمائهم إلى حزب البعث، أو توقف النشاط الاقتصادي في البلاد، وانهيار البنى التحتية، التي كانت تستوعب ملايين العاملين العراقيين( ).
- انتشار المخدرات كما أن الأقراص المخدرة متوافرة في الصيدليات دون وصفة طبية.
- الأفلام الإباحية وأشرطة فيديو تحمل مناظر إباحية وتباع بأسعار زهيدة.
- فتاة عراقية حاولت عصابة من اللصوص اغتصابها ولكنها ألقت نفسها في سيارة سريعة على الطريق وقاموا بسرقة سيارة خطيبها. وهناك أيضا حادثة اغتصاب أخري وقعت لشقيقتين إحداهما في سن الثالثة عشرة والأخرى تبلغ من العمر 18 عاماً.
- اغتصاب 5 جنود أمريكيين للفتاة العراقية التي كانت متوجهة إلى سوق مدينة البصرة لشراء احتياجات منزلها. وبعد إنقاذها لم تجد عند الشرطة العراقية من يحميها، بل طلبوا منها كتمان الأمر عن أسرتها حتى لا يتطوع أحد وينهي حياتها تخلصاً من العار.
- أربعة من الجنود الأمريكيين اقتحموا منزل المواطن صدر حسن زيد أبي حسين في ساعة متأخرة من الليل لتفتيشه بحجة البحث عن أفراد المقاومة. التقط أحدهم ذراع الزوجة. اقتادوها إلى غرفة مجاورة دون أن يخرج زوجها لإنقاذها بعد أن أشهروا في وجهه البنادق، أخبروه أن زوجته يتم التحقيق معها. رفض المبرر بعد أن سمع صرخاتها. حاول دفعهم لكنهم أصابوه بسلاح البندقية في رأسه ليسقط وسط بكاء صغيريه.
- ترك المجندين كول وديفيد يغتصبان نساء عراقيات بلغ عددهن 26 فتاة وضحية.
- ترتكب جرائم السطو والسرقة تحت ذريعة الحاجة إلى الطعام والملبس من أجل استمرار الحياة ولا يوجد عمل من أجل إحضار هذه المستلزمات. لا يوجد سوى السلب والنهب في أبرياء من بني جنسهم.
-جرائم الجنود في المنازل التي يقتحمونها بصفة مستمرة بحجة البحث عن مقاومين للاحتلال يسرقون كل شيء يرونه أثناء التفتيش.
- وذكر مركز دراسات عراقي أن نسبة حوادث السطو تمثل 75 % من إجمالي الجرائم بعد أن كانت في عهد صدام لا تمثل أكثر من 10 % فقط. وقال المركز: إن نسبة الهاربين منها تصل إلى 100 % نظرا لانشغال الجنود الأمريكيين وأعوانهم من العراقيين بحماية أنفسهم من هجمات المقاومة دون أي هدف آخر.
- انتهاك الحرمات، وفي مقدمتها المساجد واعتقال المصلين. بتفجير الأبواب الرئيسية للمسجد وخلعها. فيما قام بعض الجنود الأمريكان بسكب الخمر على سجاد المسجد، والعبث بمحتوياته وأثاثه، وبعثرة كتب المكتبة، وإسقاط المصاحف على الأرض( ).
ولم يسلم رجال الدين من الملاحقة والاعتقال والاغتيال: أعلن الشيخ الدكتور أحمد عبد الغفور السامرائي، مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية في ديوان الوقف السني، أن أكثر من 48 إمامًا وخطيبًا سنيًا، حتى تاريخ 20/ 4/ 2005م، تم اغتيالهم على يد القوات الأمريكية أو مجهولين. وأن أكثر من 100 اعتقلوا في سجون الاحتلال بسبب وشاية أو دعاية كاذبة أو بلاغ على أنهم يقفون وراء أعمال عسكرية, أو بسبب دعوة المسلمين السنة للجهاد في سبيل الله وقتال الأمريكان( ).
ويعزو معظم العراقيين سبب استهداف المساجد التابعة للشيعة أو للسُنَّة، كما استهداف الكنائس المسيحية، في العراق أن هناك أطرافاً خفية لإثارة فتنة طائفية، بينما يشير بعض المحللين إلى أن الموساد ربما هو من يقف وراءها. ويذكر أن عدة مساجد شيعية وسنية في بغداد تعرضت إلى هجوم من قبل أشخاص لم تعرف حتى الآن الجهات التي تدفعها لممارسة هذه الأعمال( ).

2-جريمة التطهير العرقي: قال تقرير أعد تحت رعاية الأمم المتحدة إن نحو مئة ألف عربي فروا من شمال العراق المختلط عرقياً. وحذر التقرير الذي أصدره المشروع العالمي للمشردين داخلياً ومقره جنيف من أن العودة غير المنظمة لآلاف الأكراد إلى الموصل وكركوك الغنيتين بالنفط من شأنها تأجيج التوترات حيث يحتج العرب والتركمان على النفوذ السياسي المتزايد للأكراد. وقال التقرير إن العرب غادروا مناطق حول كركوك والموصل إما كنتيجة مباشرة لعودة نحو 30 ألف كردي، أو خوفاً من هجمات انتقامية. ويعيش كثير من المشردين العرب في شمال بغداد في معسكرات للجيش ومبان عامة مهجورة دون رعاية صحية كافية أو كهرباء أو مياه نظيفة( ).
كانت تلك المشاكل نتيجة خطَّطت لها الإدارة الأميركية، بالتنسيق مع الأحزاب الكردية. وعمل الطرفان على تشريعها من خلال ما يُسمى بـ«قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية». وللتثبُت منها يمكن مراجعة بعض النصوص، ذات الصلة، ونقدها:
المادة الثالثة والخمسون: (أ) ـ «يعترف بحكومة إقليم كردستان بصفتها الحكومة الرسمية للأراضي التي كانت تدار من قبل الحكومة المذكورة في 19 آذار 2003 الواقعة في محافظات دهوك واربيل والسليمانية وكركوك وديالى ونينوى». وهذا كأنه يعني أن «حكومة العراق المركزية» السابقة قد سلبت حق تلك الحكومة بالسيادة على أراضيها، وسلخت منها بعض تلك الأراضي. بينما هي حكومة أمر واقع فرضتها الحماية الجوية الأميركية منذ العدوان الثلاثيني في العام 1991م. وجاءت الآن لتكرس الأمر الواقع الذي أوجدته. كما جاء القانون المذكور ليعيد الأرض المسلوبة إلى أصحابها. وتتَّضح معالم التواطؤ من المواد اللاحقة. لذا دعت المادة الثامنة والخمسون: الفقرة (أ) «الحكومة العراقية الانتقالية» إلى «حل النزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، وعلى وجه السرعة، باتخاذ تدابير، من أجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك». ولمعالجة هذا الظلم، على الحكومة الانتقالية العراقية اتخاذ الخطوات التالية:
-«القيام خلال فترة معقولة، بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلاً».
- بشأن الأفراد الذين تم نقلهم إلى مناطق وأراض معينة، وعلى الحكومة البت في أمرهم لحل النزاعات الملكية العقارية، لضمان إمكانية إعادة توطينهم.
-وفي حالة عجز مجلس الرئاسة الحصول على إجماع، فعليه أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرموقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
ليست تلك التدابير إلاَّ فرز واضح بين الإثنيات العرقية، تقوم بها قوات الاحتلال عن سابق تصور وتصميم. وهي بالإضافة إلى أهدافها الاستراتيجية، عملت للتسريع في تثبيت الحالة الانفصالية الكردية من أجل استباق الاستحقاق الانتخابي المزمع إجراؤه في أواخر العام 2004م. وتدل الفقرة ذات العلاقة باللجوء إلى التحكيم الدولي في غاية من السلبية والنوايا المبيتة، والسبب هو أن اللجوء إلى التحكيم الدولي لا يمكن أن يكون مقبولاً سوى بين دولتين. فهل يصب التقسيم الديموغرافي بين الإثنيات العرقية إلاَّ في دائرة وضع مجلس الأمن أمام أمر تقسيمي واقعي؟
وبالإضافة إلى الاستقلالية السياسية (الاعتراف بحكومة كردستان)، والتدقيق في الحدود الجغرافية (كما هو واضح من التركيز على الحدود التفصيلية للمحافظات ذات الأغلبية الكردية)، يعطي القانون للحكومة الكردية استقلالية مالية وأمنية، فوفقاً للمادة 25 (هـ) منه «تحتفظ حكومة إقليم كردستان بالسيطرة الإقليمية على الأمن الداخلي وقوات الشرطة، ويكون لها الحق في فرض الضرائب والرسوم داخل إقليم كردستان»( ).

3-تأهيل المجتمع العراقي، سياسياً ونفسياً، لتقسيم العراق:
حذر تقرير بعثة تقصي الحقائق إلى العراق التي أوفدتها هيئة الأمم المتحدة، برئاسة الأخضر الإبراهيمي، من أنه «إذا لم تتمكن العناصر الفاعلة، سواء العراقية أو غير العراقية، من التصدي العاجل للمسائل الأشد إلحاحاً، بما في ذلك الوضع الأمني، فإن التوترات الكامنة يمكن أن تغذي الإمكانات القائمة لإثارة النزاع المدني والعنف»، داعياً الجميع إلى «العمل بدأب لمنع تصعيد العنف بين الطوائف المختلفة والإسهام في العملية البطيئة الشاقة لبناء الثقة وخلق القوة الدافعة لتعاون متواصل»( ).
عندما رجَّح الاحتلال الأميركي سيناريو التقسيم في العراق قام بسلسلة من الإجراءات كانت بدايتها صياغة قانون مؤقت، ضمَّنه تقسيم السلطة على قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية. ومنح الاثنيات والطوائف حقوقاً وامتيازات (دستورية)، وهي المقدمة الضرورية لإعداد المسرح العراقي للتقسيم. وأجرى انتخابات كرَّست حصص كل عرق وكل طائفة في مقاعد السلطة.
ومن جانب آخر، سمح بتشكيل الميليشيات على أسس تلك القاعدة، بحيث أصبح لكل فريق جناحه العسكري يحمي مكتسبات الطائفة أو العرق الذي ينتمي إليه. واستعان بتلك الميليشيات كخيار للاعتماد على (درع عراقي): يحمي القوات الأمريكية من الهجمات من جهة، ويضعف المقاومة وثورة الشعب العراقي ضد الاحتلال من جهة ثانية، وبها يوجد جروحاً عميقة في الجسد العراقي، نتيجة للاقتتال العراقي- العراقي، فيكسح العوائق من أمام تنفيذ مخطط التقسيم، حينما يأتي وقته، من جهة ثالثة.
وباستثناء ترويجه للثنائيات (سنة وشيعة)، و(عرب وأكراد)، عمَّم اختراع تسمية جديدة:(عرب الأهوار)، وادعى أنهم مضطهدون. أما على صعيد إثني فقد شجع الأكراد والتركمان، وأقليات مجهرية أخرى، للدعوة لمنحهم كيانات خاصة. وأصبحت اللغة السائدة لدى الاحتلال وإعلامه وأعوانه تقوم، أساساً، على محاولة تكريس فكرة أن العراق بلد يضم كتلاً بشرية متقاربة العدد، ليوحي أنه ليس قطراً عربياً، بل هو خليط من التعدديات المتنافرة. وجاءت التعبيرات عن ذلك واضحة في قانون الدولة الانتقالي الذي رفض تأكيد أن العراق جزء من الأمة العربية. وجاء خلافاً لنصوص كل دساتير العراق السابقة. وأشار بدلاً من ذلك إلى «أن عرب العراق هم جزء من الأمة العربية».
وهو عندما يصف الميليشيات التابعة لإيران بهويتها الشيعية، والميليشيات التابعة للأكراد بهويتهم الكردية، في مواجهة مع المقاومة العراقية، تحت هوية سنية، فإنما «يستبطن بذور التقسيم في العراق، من الناحية النظرية، فالمقاومة، حينما ستستلم السلطة، بعد التحرير، ستجد أن دولاً في الإقليم، مثل إيران، ستدافع بشراسة، عن وجود أنصارها في حكم فدرالية الجنوب، متمسكة بورقة شرعية الانتخابات. وفي الشمال ستلجأ الزعامات الكردية إلى الأمم المتحدة وأمريكا وأوربا لحماية فدرالية الشمال الكردي، على أساس أنها نشأت نتيجة، لنظام المحاصصة الاثنية العرقية والطائفية الذي وضعه بول بريمير، وكرسته الانتخابات وما ترتب عليها( ).
لقد روج الاحتلال لمفهوم تقسيمي غريب للعرب في العراق ، فجعل منهم شيعة وسنة، وادعى، خبثاً أن الشيعة يشكلون 60% من السكان، رغم أن أي إحصاء سكاني لم يجر على أساس طائفي. وفبركت هذه القصة لأجل اصطياد الجهلة أو المتعصبين طائفياً، ودفعهم للتمسك (بحق الأغلبية)، وتوقع رد فعل مبني على الجهل لدى الطرف الآخر، يقوم على نفي الادعاء الغربي بوجود أغلبية وأقلية بين عرب العراق، وهكذا يندلع خلاف، يراد له أن يصبح صراعاً عدائياً بين المسلمين العرب.
إن وجود مخطط لتذويب الهوية العربية للعراق، يتأكد من خلال الانتباه إلى ما جرى منذ الغزو في العراق، فحرق وثائق الجنسية والأحوال المدنية في العراق لم يكن عملا فوضويا، كما قد يظن البعض، بل كان عملاً مخططا له سلفاً، هدفه إعادة تشكيل هوية العراق، في ظل غياب الوثائق التي تحدد هوية كل مواطن( ).
وتأتي الوقائع على الأرض لكي تثبت صحة المخطط، وتصديقاً له، وبعد أن وضعت الأحزاب الكردية، بتواطؤ أميركي وصهيوني، مخطط «تكريد» منطقة كركوك. بدأ مخطط اختطاف التركمان والعرب في مدينة كركوك. نشرت صحيفة واشنطن بوست، وقائع ما يجري، تلك الوقائع التي تدل على طبيعة أهداف الأحزاب السياسية الكردية في التزوير والاغتيالات والاختطاف واغتصاب الأراضي والاستحواذ على الأموال العامة وإتلاف المستندات الحقوقية. وآخرها ما بشّر به مسعود البارزاني الشعب العراقي من الحرب الأهلية إذا ما لم يتم إلحاق كركوك بالجغرافية الكردية( ).



ملاحق الفصل الثاني من الكتاب الثاني
الملحق الرقم (1)
فضيحة جديدة : دخل المرتزقة السجن وكشفوا المستور
مجموعة من الحراس الأمنيين الأمريكان في العراق اتهموا المارينز باعتقالهم وتعذيبهم وخلع ملابسهم وتهديدهم بكلب شرس وأشياء أخرى . باختصار اتهموهم بمعاملتهم كما يعاملون المتمردين. هذا التقرير القصير يفضح الكثير
مجموعة من الحراس الأمنيين الأمريكان في العراق اتهموا المارينز باعتقالهم وتعذيبهم وخلع ملابسهم وتهديدهم بكلب شرس. وكان ذلك حين اعتقل هؤلاء بتهمة إطلاق النار خارج الفلوجة في أيار 2005. يقول أحد المقاولين وهو ريك بلانشارد وهو جندي سابق من ولاية فلوريدا في رسالة إلكترونية إلى لوس انجيليس تايمز: «لم أعامل طوال قيام بعملي أي شخص بمثل هذه اللاإنسانية. لقد عاملونا كما يعاملون المتمردين ، ضربونا وصورونا وشتمونا».
وطبقا للمارينز الذين أنكروا التعذيب قالوا إن التحقيق مازال مستمراً وان 19 موظفاً في شركة زاباتا للهندسة وبضمنهم 16 أمريكياً اعتقلوا بعد أن تعرضت دورية مارينز في الفلوجة إلى إطلاق نار من رتل شاحنات ومركبات رباعية الدفع . كما ادعى المارينز أن هؤلاء كانوا يطلقون النار على المدنيين .
وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال مقاولين عسكريين أهليين في العراق من قبل الجيش الأمريكي وقد أشعل هذا الجدل حول أوضاعهم ومسؤولياتهم .
ويدعي الحراس الأمنيون أن حادثة إطلاق النار هي قضية خطأ في الهوية . وقالت متحدثة عن الشركة إن الحراس أطلقوا عيارات نارية تحذيرية في الهواء حين اقتربت منهم سيارة مجهولة وهم في طريقهم عبر الفلوجة ولكنهم لم يطلقوا النار على المارينز .
ويقول مارك شوبر وهو محام لاثنين من المقاولين إن موكليه وكلاهما من المارينز السابقين تعرضا إلى تعذيب بدني ونفسي وقال انهما اخبراه أن المارينز تجمعوا حول الحراس وجردوهم من ملابسهم ووضعوا سلاحاً محشوا على رؤوسهم . كما هتف أحد المارينز: «كيف يشعر الآن المقاول الكبير والغني ؟»، وهي إشارة واضحة إلى المبالغ الضخمة التي يحصل عليها المقاولون الأمنيون في العراق.
وقال اللفتنانت كولونيل ديفد لابان وهو متحدث المارينز لصحيفة لوس انجيليس تايمز : «لقد عزلنا الأمريكان عن بقية المعتقلين ومثل كل المعتقلين الأمنيين عاملناهم بإنسانية واحترام».
وقد ترك المقاولون الأمنيون الذين كانوا يعملون في إزالة المتفجرات والذين اعتقلوا في 18 أيار لمدة ثلاثة أيام ، الشركة التي يعملون فيها وعادوا إلى الولايات المتحدة . كما اشتكوا أيضاً من انهم اضطروهم إلى ارتداء زي السجن البرتقالي وتناول الطعام السيئ الذي يتناوله المعتقلون العراقيون .
ويقول بيتر سينجر وهو باحث في معهد بروكنجز ومؤلف كتاب (محاربوالشركات) إن المقاولين الأمنيين الأهليين في العراق يعملون في ثقب اسود فهم لا يتبعون سلسلة القيادة في الجيش :«ويبدو أن ما حدث هو التوتر بين القوات وقد طفا على السطح». ولكنه قال إن الحادثة تثير السؤال عما يحدث للمقاولين إذا ارتكبوا خطأ مثل إطلاق النار على المدنيين حيث إن وضعهم القانوني غير محدد . «إذا ظن المارينز انهم ارتكبوا شيئا غير قانوني فليس هناك إجراء يمكن معاقبتهم من خلاله . فلمن يسلمونهم ؟. إن هناك اكثر من 20 ألف مقاول على الأرض في العراق منذ اكثر من سنتين ولم يتخذ أي إجراء في حق أي أحد منهم».
دورية العراق: 10/ 6/ 2005. جامي ولسون: الجارديان: 9/ 6/ 2005.
***
الملحق الرقم (2)
أسرة عالم مصري توفي بسبب تعذيب الاحتلال بالعراق تقاضي بوش وبريمر
‏05‏/06‏/2004 مفكرة الإسلام: نقلاً عن صحيفة [أخبار الخليج]: قال مصدر قضائي عراقي: إن أسرة أحد العلماء المصريين الذي توفي في أحد سجون الاحتلال الأمريكي بالعراق بصدد إقامة دعوى قضائية في كل من القاهرة وبغداد ضد الرئيس الأمريكي بوش وبول بريمر [رئيس إدارة الاحتلال].
وقال المصدر القضائي: إن أسرة العالم المصري الدكتور محمد عبد المنعم الأرميلي الذي اعتقلته القوات الأمريكية قبل عدة أشهر ومات مؤخرًا في أحد سجون الاحتلال في العراق قد تأكد لديها من خلال التقارير الطبية التي أصدرتها دوائر الطب العدلي أن المجني عليه الدكتور الأرميلي قد مات بسبب ما تعرض له من تعذيب وحشي على أيدي جلاديه في أحد السجون الأمريكية في العراق.
وأفاد المصدر أن أسرة العالم المصري قد أجرت اتصالات مع نقابة المحامين العراقيين لغرض توكيل عدد من أعضائها المشهود لهم بالوطنية والكفاءة لرفع دعوى ضد بريمر باعتباره المسئول الأول عن أمن وحياة المواطنين في العراق فضلاً عن كونه الحاكم الفعلي للعراق الذي يتحمل كافة المسؤوليات عما يرتكب من انتهاكات وخروق لحقوق الإنسان في العراق.
وأضاف وفقًا لصحيفة [أخبار الخليج]: كما أن الأسرة سترفع دعوى مماثلة ضد الرئيس الأمريكي بوش أمام القضاء المصري وتحميله المسئولية الكاملة وراء قتل الأرميلي.
وتلقت أسرة الأرميلي دعمًا من منظمات حقوق الإنسان في العالم ومن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة على المستوى الرسمي في مصر، حيث طالب ممثل الإخوان في مجلس الشعب المصري حمدي حسن بطلب إحاطة من وزير الخارجية أحمد ماهر بضرورة إجراء تحقيق عاجل لبحث ملابسات مقتل العالم المصري في سجون الاحتلال . وأكدت التقارير الطبية أن وفاة الأرميلي حدثت بسبب إصابته بضغط في أسفل المخ ناتج عن ضربة مفاجئة في أسفل الرأس،.،
وكان الأرميلي واحدًا من بين 200 عالم عراقي وعربي تلاحقهم قوات الاحتلال الأمريكي في العراق في إطار تصفية ملف أسلحة الدمار الشامل المزعومة.
***
الملحق الرقم (3)
علماء العراق أهم من النفط !
مجلة العصر: (موقع على الأنتزنت): 28-5-2004
بقلم محمد سليمان
تناولت كثير من الدراسات والكتابات العربية الأهداف الأمريكية من الحرب على العراق، وتعددت اتجاهات الكتاب في تحديد وترتيب أولويات وأهمية هذه الأهداف بين من يرى أن الأولوية للنفط وبين من يرى الأولوية بتخلص الولايات المتحدة وإسرائيل من قدرات العراق الاستراتيجية، وبين من يرى في الحرب مقدمة لإعادة تشكيل ورسم الخريطة الجغرافية- الإستراتيجية للمنطقة من جديد . والغريب أن أغلب الكتّاب تجاهلوا أخطر وأبرز هذه الأهداف إلا وهم علماء العراق ، والذين يشكلون مستودع الخبرة البشرية العراقية في مجال المعرفة ، وموطن الثروة الحقيقية التي تشكلت في العراق في العقود السابقة ..
يبدو أن قدر المعرفة في العالم العربي أن تبقى هامشية ، وأن تبقى أهميتها خارج نطاق الإدراك الرسمي والعام ، فيتحمل المبدعون والعلماء استحقاقات ذلك - كما يحدث اليوم في العراق - ، على الرغم أن الاهتمام العالمي يكشف عن أن مصدر الثروات والقوة لدى الأمم اليوم هي المعرفة ليس فقط على مستوى التصنيع العسكري حيث تتزايد أهمية التكنولوجيا بشكل كبير ، وإنما في مختلف روافد القوة كالقوة السياسية ( المبنية على ترشيد صناعة القرار بالمعرفة والمعلومات ) والقوة الاقتصادية والقوة الاجتماعية ( المجتمع الرشيد ، والمجتمع الأهلي ) ..الخ .
علماء العراق شاهد بامتياز على حالة العالم العربي المتنكر للمعرفة ولأهميتها وخطورتها ، وهم اليوم - كما تشير تقارير كثيرة - أبرز ضحايا الحرب العراقية، إذ يقفون بين احتمالات مريرة ابتداء من الاعتقال والإهانة وانتهاك حقوقهم على أيدي القوات الأمريكية – كما أشار إلى ذلك عبد الرحمن الزاك (عميد كلية الهندسة الوراثية في بغداد) – مرورا بمحاولات الاغراء والشراء بالمال والجنسية الأمريكية ..الخ وصولا إلى حالات التصفية والقتل والاغتيال .
إن الحالة في العراق المحتل تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تتبع أسلوبين مع العلماء العراقيين : إما التصفية والاعتقال والمطاردة وإما الإغراء بالمال والامتيازات للهجرة هناك ، وتبين تقارير غربية وأمريكية أن هناك حالات قتل وتصفية نالت عدد كبير من العلماء العراقيين ، فيما تم اعتقال عدد منهم، بينما استطاع عدد آخر الهروب من العراق ، ولكن من المتوقع أن يبقوا موضع اهتمام وبحث من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية .
لقد بدأ الاهتمام الأمريكي مبكرا بموضوع العلماء العراقيين ، وبالخبرة العراقية المتراكمة، فمنذ بداية التسعينات أخذت مؤسسات أمنية وسياسية أمريكية تبحث في شان هؤلاء العلماء والخبرة الكبيرة التي يملكونها . وفي مقال لمارتن إنديك نشره في مجلة الشؤون الخارجية Foreign Affairs عام 1993 بعنوان Watershed in the Middle East أشار إلى أن الاهتمام الأمريكي بالعراق يرجع إلى أسباب رئيسة في مقدمتها الخبرة العراقية الخطيرة الكبيرة والمتراكمة في مجال التصنيع العسكري والبحث العلمي ، وأشار في مقاله إلى أن هناك آلاف العلماء العراقيين الذين يشكلون بحق مصدرا خطيرا في الشرق الأوسط ، قد يؤدي إلى نقل الخبرة العراقية إلى دول عربية وإسلامية أخرى .
ولم يخف الاهتمام الأمريكي بموضوع العلماء العراقيين منذ بداية الحملة الأمريكية قبيل الحرب ، إذ ركزت الولايات المتحدة على أسماء العلماء ، وطالبت المحققين في لجنة الانفوميك بضرورة إعطاء الأولوية لاستجواب العلماء العراقيين ، وتحديد أسمائهم ، وهو الأمر الذي كان يمهد لمرحلة ما بعد الاحتلال من خلال وجود قائمة معلوماتية موثقة ودقيقة لدى الأجهزة الأمنية الأمريكية بأسماء العلماء لتتم عملية ملاحقتهم وترتيب آليات التعامل معهم .
ثم خصصت الإدارة الأمريكية في ديسمبر 2003 برنامجا بقيمة 22 مليون لـتأهيل العلماء العراقيين الذين عملوا في برامج التسلح العراقية ، والهدف المعلن من البرنامج هو الاستفادة منهم في برامج للاستخدام السلمي للطاقة . في حين أن الهدف الحقيقي هو استغلال عدد كبير من هؤلاء العلماء من خلال ترحيلهم إلى الولايات المتحدة وإعطائهم الجنسية ودمجهم في مشاريع معرفية هناك ، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية مع العالم الألماني النازي براون وزملائه الذين قامت الولايات المتحدة بترحيلهم إلى أراضيها ، وتقديم عروض كبيرة لهم ، واستثمارهم في بناء مؤسساتها وقدراتها .
إنّ مأساة علماء العراق تلقي بسؤال ثقيل وكبير على العالم العربي والإسلامي وهو سؤال المعرفة ، ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى ملاحقة هؤلاء العلماء وإغرائهم بكافة الوسائل للاندماج والعمل في مؤسساتها ، أو تقوم بتصفيتهم منعا لنقل الخبرة والمعرفة التي يمتلكونها في عقولهم . وفي الوقت الذي تتنافس فيه الدول الغربية والمتقدمة على الحصول على المعرفة واستقطاب العقول والخبرات البشرية ، وتقديم كل التسهيلات والإمكانيات لها ، لأنها تدرك تماما أن المعرفة هي أساس التقدم اليوم في جميع المجالات . في المقابل فإن العالم العربي لا يأبه ولا يكاد يهتم لموضوع علماء العراق والمأساة التي يعيشونها اليوم ، وهي مأساة لو قدر لنا تصنيفها من حيث الخطورة والأهمية لأمكننا القول أنها مأساة تاريخية كبرى بحق تعيشها الأمة وتعبر عن الحضيض الحضاري الذي وصلت إليه ! .
في تقديري إن ما يحدث لعلماء العراق اليوم لا يخرج عن سياق الحالة العامة للأمة ، بل هو مؤشر كبير يتناغم ويتشاكل مع مؤشرات أخرى كهجرة العقول المفكرة وجوع المثقفين والعلماء وغياب الاهتمام بالعلماء والمثقفين لصالح فئات تمسك بمقاليد الأمر والثروة والسلطة في البلاد العربية ، لا تعرف أهمية ولا كرامة للمعرفة والثقافة الأمر الذي ينعكس على قيمة المعرفة داخل المجتمعات العربية ، وكل هذا وذاك يدفعنا إلى التذكير - فقط التذكير - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد : إن عقول آلاف العلماء العراقيين أغلى وأهم بكثير من النفط الذي نتباكى عليه!!.
***
الملحق الرقم (4)
آلاف من علماء العراق أجبروا على الرحيل منذ بدء الاحتلال
خالد محمد غازي: الحوار المتمدن - العدد: 1060 - 2004 / 12 / 27
ما هو مصير العلماء العراقيين؟ هل أرهبتهم العصا الأمريكية فاستسلموا، أم طمعوا في جزرتها فضعفوا ؟! هل اضطروا للهجرة لأمريكا ودول الغرب أم أنهم ما زالوا على أرض وطنهم يشاركون شعبهم نفس المصير؟ أم هم قتلوا بعد أن تأكد الاحتلال الأمريكي أنهم أداة هامة فكان لابد من التخلص منهم؟
البحث عن مصير العلماء يبدو للبعض عبثاً، فبعد سقوط الجسد وانهياره لا يرى البعض جدوي من البحث عن العقول، وعلى العكس يؤكد آخرون أهمية البحث عن العلماء العراقيين ومحاولة التواصل معهم وإنقاذ ثروة العراق العلمية والعقلية بقدر ما نستطيع، هذا إن كانوا مازالوا على قيد الحياة!
الأرقام المعلنة عن العلماء والأساتذة الذين تم اغتيالهم وإجبارهم على الرحيل مفزعة، ويكفي أن نشير هنا إلى المعلومات التي ذكرت في ندوة عقدت بالقاهرة، تشير إلي أن فرق الاغتيالات الإسرائيلية اغتالت حوالي 310 من علماء وأساتذة العراق، ولاحقاً تم الكشف عن أن أكثر من 500 من علماء العراق، وأساتذته موضوعون على قوائم الاغتيال الإسرائيلية، وتشير أيضاً إلى أن 17 ألفاً من العلماء والأساتذة أجبروا على الرحيل عن العراق منذ بدء الاحتلال، هذه التصفية الجماعية لعلماء العراق وأساتذته، ليست سوى وجهاً واحداً من وجوه محنة قاسية مؤلمة يعيشها أساتذة العراق اليوم، وتعيشها جامعاته ومؤسساته الأكاديمية.
المصير المجهول
من هذا المنطلق طرحنا التساؤلات وبدأنا البحث عنهم ، منذ البداية كان الهدف واضحاً وهو ما عبر عنه السيناتور الأمريكي جوزيف بايران الذي أقترح مشروع القانون صراحة بأن القانون يسعى لحرمان العراق من الكوادر الفنية والهندسية الضرورية لاستمرار برنامجه في إنتاج أسلحة الدمار الشامل وأن مشروع القانون سوف يساعد المفتشين مثل كل شيء في العراق، يبدو مصير العراقيين مجهولاً مبهماً، ويظل محلاً للتخمينات والتوقعات، هناك من يجزم بهجرة عدد كبير منهم إلي أمريكا بعد سلسلة من الضغوط الأمريكية مورست عليهم، تنوعت بين الترهيب والترغيب بدأتها أمريكا مبكراً أثناء عملية التفتيش، وقبل احتلال العراق بفترة طويلة، منها القرار الأمريكي الذي صدر بتسهيل منح العلماء العراقيين الراغبين في إفشاء أسرار أسلحة الدمار الشامل الجنسية الأمريكية، ووصل الأمر لسن قانون خاص لهجرة العلماء العراقيين صادق عليه مجلس الشيوخ لمنح العلماء العراقيين الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية بطاقة الهجرة الأمريكية الخضراء، كان الهدف واضحاً وهو ما عبر عنه السيناتور بايران والذي أقترح مشروع القانون صراحة بأن القانون يسعى لحرمان العراق من الكوادر الفنية والهندسية الضرورية لاستمرار برنامجه في إنتاج أسلحة الدمار الشامل، واعتقد بايران أن مشروع القانون سيساعد المفتشين الدوليين، ويسهل مهمتهم في البحث عن الأسلحة، ورغم صدور القانون ومواصلة عمل المفتشين، وبالرغم من وجود آلاف المفتشين الأمريكيين الذين دخلوا بعد سقوط بغداد للبحث عن هذه الأسلحة، إلا أن أحداً لم يسمع عن وجودها! ولم نسمع أيضاً عن أسماء أعلنتها الإدارة الأمريكية لعلماء حصلوا علي بطاقة دخول الجنة الأمريكية؟
عقل العراق إذن كان مستهدفاً، وليس أدل على ذلك من وجود عدد من علماء العراق النوويين والبيولوجيين على القائمة الشهيرة التي وزعتها وزارة الدفاع الأمريكية للمطلوبين العراقيين.

المطاردة القاتلة
دليل آخر جاء في مواد القرار 1441 لمجلس الأمن والذي أصرت واشنطن على أن يتضمن بنداً حول استجواب العلماء العراقيين، وكان بالطبع لديها كشوف بأسماء وعناوين هؤلاء العلماء، وتردد أنه تمت مطاردتهم بعد الاحتلال واعتقال بعضهم وتهديدهم لتسليم ما لديهم من أبحاث، مما دفع بعض هؤلاء العلماء للاستعانة من خلال البريد الإلكتروني لإنقاذهم من عمليات المداهمة والتحقيق والاعتقال وكشفوا أيضاً عن محاولات لإغرائهم ونقلهم إلى مراكز بحثية غربية.
ويكشف حديث لجنرال فرنسي متقاعد عن جانب آخر من المأساة ، حيث أكد وجود عدد من وحدات الكوماندوز الإسرائيلي دخلت الأراضي العراقية بهدف اغتيال العلماء العراقيين، الأصابع الإسرائيلية يراها البعض واضحة تماماً فيما حدث ويحدث بالعراق، وهو ما يؤكده الدكتور باهر أيوب أستاذ العلوم السياسية حيث يرى أن دخول قوات إسرائيلية أثناء عملية احتلال العراق أمر وارد، خاصة بعد ما تردد حول مسعى قوات التحالف للاستعانة بخبرة إسرائيل لقمع أي حركة تمرد داخل الشعب العراقي، ولأن إسرائيل أيضاً تعلم جيداً أن المشروع العراقي القومي لن يجهض إلا بإبادة القائمين عليه، وهم العلماء، فالاحتلال إلغاء الميزانيات لا يجهض المشروع، وإنما اغتيال العقول التي يكمن فيها الحلم والتي تسعي لتحقيقه.
الاغتيالات المعنوية
وعلي حد تعبير د. محمود بركات رئيس هيئة الطاقة الذرية العربية السابق فالظروف التي تعرض لها هؤلاء العلماء دمرهم من الداخل، الحصار الطويل عليهم، ونقص الأدوية، والرعاية الطبية، ومعظمهم في سن تجاوز الخمسين مما عرضهم للإصابة بالذبحات والجلطات، ويؤكد على أنه شخصياً يعرف أربعة من أهم رجال المفاعلات ماتوا بسبب نقص الأدوية، ويشير إلي أن هناك بالطبع آلاف ممن لا يعرفهم تعرضوا للاغتيال المعنوي النفسي بعد أن منعت عنهم المراجع والأجهزة والأدوات والمواد اللازمة لعملهم، بعد أن دمرت الجامعات، وفرض عليهم التجويع والحصار، وقبضة النظام العراقي السابق، التي أحكمت سطوتها خاصة بعد محاولات عدد محدود من العلماء السفر، والذي كان هدفه الخروج من الحصار والبحث عن مكان للعلاج إلا أن الحكومة العراقية السابقة تنبهت لذلك، وخشيت من هروب كوادرها العلمية ففرضت رسوماً باهظة لخروج العلماء وصلت إلى ما يعادل 40 ألف دولار كان هدفهم كما يقول الدكتور محمود الحفاظ علي الكوادر العلمية، لكن في ظل الظروف القاسية التي تعرض لها العلماء انهاروا معنوياً وبالطبع علمياً، ووصل بهم الأمر لدرجة أنهم لجأوا لبيع مراجعهم وكتبهم للحصول على ثمن الدواء، وأضطر آخرون لترك العلم والعمل في مجالات أخرى من أجل الحصول على القوت اليومي.
بالطبع ازدادت الصورة بعد الاحتلال سوءاً، فبعد سقوط الدولة، وبعد انهيار النظام لم يعد لأي شيء قيمة، لا نتصور بالطبع وجود جامعة تعلم أو كوادر للبحث العلمي تواصل نشاطها، فالانهيار كان تاماً وشمل الجميع وانقطعت بالطبع الصلة بالعلماء العراقيين أيضاً فالتواصل معهم صعب ومثير للقلق أيضاً ووسائل الاتصال مقطوعة.
كما يؤكد د. بركات، ومن ثم فقدنا الاتصال بالعلماء العراقيين وبالطبع لا تستطيع أي هيئة عربية دخول العراق إلا بدعوة، مثلها مثل أي منظمة دولية. خلاصة القول أصبح مصير العلماء العراقيين محزناً، وفي تصوري أن العدد الأكبر منهم مازال في العراق يعيش ظروفه القاسية، وهناك قلة نجحت في السفر لبعض البلاد العربية.
عودة للعصور الوسطي
أياً كان المصير فالهدف تحقق في النهاية، وهو القضاء على الصرح العلمي العراقي الذي ضم آلاف العلماء، ومن الصعب بالطبع حصر الأعداد بدقة فالنظام العراقي -على حد تعبير بركات- كان عاشقاً للسرية إلا أنه يمكن القول أن هذا الصرح ضم مدرسة علمية متفردة، ومتعددة الجوانب في المجال الطبي والنووي والكيماوي والبيولوجي، ويمكن القول أنه في مجال العلوم النووية فقط وصل عدد المتخصصين العراقيين إلى عدد يترواح ما بين 200 و300 عالم ويتميزون بمكانتهم العلمية وخبراتهم وتفوقهم، حيث تخرجوا من أكفأ المدارس العلمية الأمريكية والروسية والإنجليزية المتخصصة في هذه المجالات ومن ذلك يمكن اعتبارهم رأسمالاً بشرياً، كما وصفهم البعض، وكان الهدف بالطبع هو القضاء عليه والعمل على إنهائه وانهياره، لإرجاع ليس العراق فقط، وإنما المنطقة كلها للعصور الوسطي. فالمنطقة كلها كانت وستظل مستهدفة، والهدف دائماً هو القضاء على أية محاولة تقوم بها أي دولة عربية للاعتماد على نفسها وإثبات تفوقها ووجودها.
الهدف هو القضاء على المشروع الوطني العراقي، هذا المشروع الذي سعى لتسخير العلم بهدف الحفاظ علي الأمن القومي، ولأنه يتعارض مع مصلحة إسرائيل ولأنه يتيح الفرصة للاعتماد علي النفس وعدم التبعية للغرب فكان من الضروري العمل على إنهائه حتى لا يخرج عن المنظومة التي رسمتها الإمبراطورية الأمريكية لمشروعها الاستعماري والذي تدعم به حليفتها إسرائيل. وليس هناك أدلة على صدق ذلك من تصريح جاء علي لسان مستشارة الأمن القومي السابقة ووزيرة الخارجية الحالية كوندليزا رايس عندما قالت «أن القضاء على نظام صدام أسهم في توفير الحماية والأمن لإسرائيل».
جرثومة حازم علي العالم المتخصص في دراسة مرض الجدري، وأيضاً عالم الذرة مهدي العبيدي والذي يعتقد أنه على دراية بمحاولات إنتاج الأسلحة النووية العراقية.
قتل واعتقال وخطف
ولم يسلم أساتذة الجامعات والمؤسسات التعليمية من الاضطهاد الأمريكي- فقد أصدرت رابطة الجامعيين العراقيين تقريراً عن أشكال الاعتداءات عليهم في العراق، كشف حقائق مأساوية سواء عن صور في أشكال الاعتداءات على الأساتذة والجامعات، أو عن الجهات التي تنفذ هذه الاعتداءات.
من صور الاعتداءات التي يرصدها التقرير مثلاً: القتل والاعتقال والخطف الإقصاء القسري من المناصب الإدارية، وتدخل جهات أجنبية في إدارة الاحتفالات، وإقامة معارض الكتاب وانتهاك حرمة الجامعات والمؤسسات التعليمية من قبل القوات الأمريكية والحرس الوطني وميليشيات خاصة، ويكشف التقرير أن هذه الاعتداءات وغيرها، لا تشملها فقط قوات الاحتلال، وإنما أيضاً قوى وجهات طائفية، وعصابات إجرام منظمة، هي إذن حملة تصفية وإبادة منظمة لكل علماء وأستاذة العراق وعقوله، وهي حملة تخريب شاملة لكل مؤسساته العلمية وجامعاته.
ما حدث للعراق هو ردة علمية ولن يستطيع العلماء العراقيون تفريخ عدد آخر من العلماء إلا في ظل وجود مناخ علمي متمثل في وجود المكتبات والمراجع والأجهزة والأدوات، وقاعات البحث العلمي، والمعامل ، وكلها عوامل غير متوافرة وغائبة، واستعادتها ليس بالأمر السهل.
ما حدث للعقول العراقية درساً يجب التنبه إليه، ولابد من التحرك لحماية هؤلاء العلماء والاستفادة منهم أثناء الحصار وقبل وقوع الإحتلال لكن لم يحدث ذلك، وبالطبع لم يحدث طالما أن هناك احتلال!!
***
الملحق الرقم (5)
بعد تخريب بغداد ... أمريكا تخطط لاغتيال علماء الأسلحة العراقية!!!
في الوقت الذي بدأت وسائل الإعلام الأمريكية بشن الحملة الصحفية على العراق مدعية امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وفي ذات الوقت كشفت إحدى الصحف الأوربية بالأمس على لسان جنرال فرنسي متقاعد عن وجود 150 من وحدات الكوماندوز الإسرائيلية داخل العراق لاغتيال 500 من العلماء العراقيين ممن لهم صلة ببرامج التسلح العراقية الكيماوية والبيولوجية والنووية والصاروخية وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين (!!).
وكشف علماء عراقيون -في نداء استغاثة عبر البريد الإلكتروني- أن قوات الغزو الأمريكية والبريطانية التي لديها كشوف بأسماء وعناوين هؤلاء العلماء تدهم منازلهم وتحقق معهم وتعتقل بعضهم وتطالبهم بتسليم ما لديهم من أبحاث وأوراق.
كما أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية قائمة تتألف من 52 مسؤولاً عراقيًا من المطلوبين، بينهم عدد من علماء العراق النوويين والبيولوجيين. وشرح البريجادير جنرال فينسنت بروكس في مقر القيادة المركزية في قطر أهمية هؤلاء العلماء بقوله بأن الولايات المتحدة "لها أهداف أخرى أيضا غير الإطاحة بصدام، وعلى الأخص القضاء على مقدرة العراق على تطوير أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية. وما زال أمامنا كثير من العمل الذي يجب أن نقوم به ضمن برنامج القضاء على أسلحة الدمار الشامل!.
وتكشف هذه المعطيات أحد الأهداف الحقيقية للحرب -غير الاستيلاء على النفط العراقي بالطبع- والذي ظهر بوضوح منذ صدور القرار 1441 لمجلس الأمن حيث أصرت واشنطن على أن يتضمن بندًا حول استجواب العلماء العراقيين، ثم تطور الأمر إلى مطاردتهم على غرار ما حدث للعلماء الألمان عقب الحرب العالمية الثانية، وتجنيد من يرغب منهم، وقتل من يرفض التعاون.
فقد أرسل عدد من علماء العراق وأساتذة الجامعات نداء استغاثة عبر البريد الإلكتروني أشاروا فيه إلى أن قوات الاحتلال الأمريكي تهدد حياتهم: إنهم أملوا هذه الرسالة لأحد العلماء العراقيين الشرفاء في هولندا بالهاتف عن طريق القمر الصناعي، وطلبوا منه أن يرسلها لكل الجهات المعنية للعمل على إنقاذهم من عمليات المداهمة والتحقيق والاعتقال التي تنفذها ضدهم قوات الاحتلال، وتطالبهم خلالها بتسليم ما لديهم من وثائق وأبحاث علمية، خصوصًا علماء الفيزياء والرياضيات والكيمياء.
وكشفت الرسالة التي حملت توقيع علماء الأمة المهددة أن بعضهم تم تحديد إقامته في بيته ووضع حراسة عليه، وتم منعهم من الذهاب لجامعاتهم ومعاملهم، في حين بدأت مفاوضات مع البعض الآخر -من جانب من يعتقد أنهم رجال مخابرات أمريكيون- لنقلهم إلى مراكز بحثية غربية لم تحددها الرسالة التي ناشدت العالم إنقاذهم من العدوان الأمريكي عليهم الذي يتعمد طمس العقل العراقي والهيمنة عليه.
وأوضحت الرسالة أن قوات الاحتلال تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون بها؛ وهو ما يسهل لهم عمليات التهديد والتحقيق في ظل غياب كامل لأي سلطة وانشغال العالم بالفوضى الحادثة في العراق.
وأشارت الرسالة إلى أن جنود الاحتلال يشجعون أعمال السلب والنهب ويقومون بنقل غوغاء على عربات خاصة إلى المؤسسات العلمية، ومنها جامعة الموصل والمعاهد التعليمية، ويستغلون هذه الفوضى في تدمير مراكز الأبحاث ومصادرة كل الوثائق وأوراق المشروعات الأكاديمية الموجودة بهذه المؤسسات لحرمان العراق من أي نواة لنهضة علمية، على حد تعبير الرسالة.
وقد دفعت هذه الأعمال الأمريكية رئيس هيئة الطاقة الذرية محمد البرادعي لتوجيه رسالة إلى واشنطن يطالبها فيها بحماية معاهد الأبحاث النووية العراقية ومنع تخريبها أو إخراج مواد نووية منها.
بل وأبدى البرادعي تشككه في تلفيق واشنطن أدلة ضد العراق لتبرير عدوانها بقوله لصحيفة بيلد إم سونتاغ 12 إبريل 2003: إن تحليل المواد المشبوهة في المختبرات الأمريكية لا يكفي، والنتائج يجب أن يدرسها مفتشو الأمم المتحدة"، وإنه "لا يمكن بغير هذه الطريقة إصدار إعلانات تتمتع بالمصداقية حول وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق.
وأضاف أن الدليل على امتلاك العراق أسلحة للدمار الشامل لم يقدم حتى الآن!! بل نفى البرادعي عقب لقاء سابق مع الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في القاهرة أن يكون استجواب العلماء العراقيين قسريا، وقال ردًّا على سؤال حول ما يتردد عن أن مهمة التفتيش هي إبعاد العلماء العراقيين: إن الهدف هو التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل وليس إفراغه من العلماء، وأغضبت هذه التصريحات واشنطن بالطبع.
وبالإضافة إلى استهداف الأمريكيين لعلماء العراق، كشف جنرال فرنسي متقاعد في تصريحات لقناة التلفزة الفرنسية الخامسة يوم 8 إبريل الجاري أن أكثر من 150 جنديًا إسرائيليًا من وحدات الكوماندوز دخلوا إلى الأراضي العراقية في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا وراء برامج التسلح العراقية، وقُدّمت أسماؤهم إلى لجنة مفتشي الأسلحة الدولية برئاسة هانز بليكس.
وقال الجنرال الفرنسي: إن مخطط الاغتيال هذا تم وضعه من قبل مسئولين أمريكيين وإسرائيليين، وإن لديه معلومات دقيقة بوجود الكوماندوز الإسرائيليين داخل العراق حاليا بهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا نواة برامج التسلح الصاروخي والنووي والكيماوي التي أرعبت إسرائيل، وعددهم -حسب الجنرال الفرنسي- قرابة 3 آلاف و500 عالم عراقي ذوي مستوى عال، من بينهم نخبة تتكون من 500 عالم اشتغلوا في تطوير مختلف الأسلحة، وهذه النخبة هي المستهدفة من العمليات الإسرائيلية بالدرجة الأولى.
وفي ظل الفوضى التي شجعتها قوات الاحتلال في العراق سيكون من الطبيعي أن يجري تبرير مقتل هؤلاء العلماء ضمن أعمال الفوضى وكأن شيئًا لم يكن، بل إن هناك تكهنات بأن تسليم المستشار العلمي للرئيس العراقي الفريق عامر السعدي نفسه للقوات الأمريكية بحضور التلفزيون الألماني استهدف إنقاذ نفسه من أيدي فرق الاغتيال هذه! وقد ترددت أنباء عن هرب بعض هؤلاء العلماء العراقيين إلى دول أخرى -على غرار ما فعل العلماء الألمان عقب الحرب العالمية- خاصة سوريا الدولة الوحيدة التي ظلت حدودها مفتوحة للعراقيين؛ الأمر الذي سعى الأمريكان لاستغلاله أيضا للإضرار بسوريا.
فقد قالت صحيفة واشنطن تايمز 12 إبريل نقلاً عن مسؤولين بالحكومة الأمريكية لم تذكرهم بالاسم: إنه يعتقد أن عددًا من أبرز علماء الأسلحة البيولوجية العراقيين قد فروا إلى سوريا. وقالت الصحيفة: إن من بين هؤلاء العلماء الذين أفادت الأنباء بأنهم عبروا حدود العراق مع سوريا هدى صالح مهدي عماش المعروفة لدى الاستخبارات الأمريكية بأنها من أكبر خبراء بكتيريا الجمرة الخبيثة، ورحاب طه المتخصصة في الحرب الجرثومية أيضا.
ونقل التقرير عن المسئولين الأمريكيين قولهم بأن تقارير المخابرات تشير إلى أن الخبيرتين قد هربتا إلى العاصمة السورية دمشق. وقال التقرير: إن اسم هدى عماش كان مدرجًا ضمن القائمة التي أمرت القوات الأمريكية إما باعتقالهم أو قتلهم، حيث شوهدت هدى عماش ضمن من حضروا اجتماعات الحكومة العراقية برئاسة صدام، علاوة على اجتماعات مع نجله عدي الذي كان مسؤولاً عن مؤسسات عسكرية وأجهزة أمنية بالعراق.
وقالت الصحيفة: إن رحاب طه التي تلقت تعليمها في الكائنات الحية الدقيقة /الميكروبيولوجيا/ في بريطانيا وضعت برنامجًا عراقيًا لتطوير أسلحة الجمرة الخبيثة، ورغم التحذيرات التي أطلقها العلماء العراقيين لكل من جرى في عروقه دماء عربية إسلامية، إلا ان الكل سيغلق آذانه ولن يكون هناك مجيب مثلما قتل المشد في فرنسا والسيد سيد بدير في مصر .
فهل يلقى العلماء نفس المصير . أم يكون للعرب الشرفاء رأي أخر !!.
إعداد أحمد شيخون شبكة البصرة / الأحد 28 ذي القعدة 1425 / 9 كانون الثاني 2005
***
الملحق الرقم (6)
مخطط أمريكا لمحاصرة علماء العراق
شبكة البصرة / إسلام أون لاين.نت: اعتقلت قوات الاحتلال الأمريكي عددا من العلماء العراقيين، بعد أيام قليلة من إعلان الخارجية الأمريكية أنها ستبدأ بالتعاون مع سلطة الاحتلال الأمريكية بالعراق برنامجا مدته سنتان لدعم ما تسميه التوظيف السلمي والمدني للعلماء العراقيين والفنيين والمهندسين، الذين عملوا سابقا في برامج التطوير العسكري العراقية.
وأكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي زياد عبد الأسود في مؤتمر صحفي الأحد 21-12-2003 أن قوات الاحتلال الأمريكي اعتقلت عددا من علماء الجامعة التكنولوجية، مشيرا إلى أن هؤلاء العلماء يخضعون حاليا لتحقيق كبير خاص بأسلحة الدمار الشامل في العراق من جانب عناصر أمريكية.
وقبل أيام قليلة، أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر عن تأسيس مكتب في بغداد في إطار برنامج التوظيف السلمي، يضم خبراء أسلحة الدمار الشامل العراقيين، قررت أن تسميه واشنطن المركز الدولي العراقي للعلوم والصناعة.
وأضاف باوتشر في بيان أصدره الخميس 18-12-2003: سيقوم المركز بتحديد الاحتياجات وتوفير التمويل لمشروعات علمية محددة تستخدم خبرة الأشخاص الذين كانت لهم علاقة في السابق ببرامج أسلحة الدمار الشامل بالعراق.
وتهدف قوات الاحتلال من وراء هذا البرنامج متعدد المراحل إلى محاصرة من تبقى من العلماء العراقيين، وإخضاعهم قسرا لمسارات مهنية محددة سلفا، يأتي ذلك بعد فترة من تحاشيها إثارة الملف بصورة لافتة للانتباه خلال الأشهر السابقة، بحسب مراقبين معنيين بالشأن العراقي.
وكانت وكالة أسوشيتد برس قد ذكرت الاثنين 17-11-2003 في نشرتها على موقع تي بي أو دوت كوم TBO.COM أنها حصلت على مسودة الخطة التي أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية. وتغطي الخطة -وفقا لمسودتها المؤلفة من 11 صفحة- تكاليف العام الأول من البرنامج الذي سيعتمد بشدة على مساعدات تطوعية من مجتمع العلماء الأمريكيين.
وأوضحت أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تعكف على وضع خطة تكلفتها 16 مليون دولار في العام الأول، تهدف إلى جذب العلماء العراقيين للعمل في برامج أبحاث سلمية في العراق، بدلا من انتقال هؤلاء العلماء -هم وخبرتهم- إلى دول أخرى أو منظمات "إرهابية" يمكن أن تهدد الولايات المتحدة.
أهداف البرنامج
وتحدد الإدارة الأمريكية هدفين لهذا البرنامج؛ هما: منع العلماء العراقيين من تقديم خبراتهم إلى ما تكتفي بتسميتها "دول معيّنة مثيرة للقلق"، وتمكينهم من الخدمة في مجال إعادة بناء العراق اقتصاديا وتكنولوجيا، بحسب المصدر نفسه.
ويرى محللون أنه إذا كان العلماء العراقيون هم أحد محاور الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق، فإن الاحتلال الأمريكي للبلاد وتقويض الدولة العراقية المستقلة جاء إيذانا بعملية تصفية حسابات عسيرة مع طابور العلماء العراقيين، الذين يُعدون بمثابة ظاهرة فريدة في زخمها في العالم العربي بأسره.
فهؤلاء العلماء كانوا بمثابة الأرضية الفعلية لبرامج التطوير العسكري، ورأس المال البشري الذي أعان العراق خلال ربع القرن المنصرم على بناء ترسانة تسليحية لفتت انتباه الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها، لتتولى تقويضها وسحقها على مراحل استغرقت 12 سنة، كان آخرها في ربيع سنة 2003.
أما الأدمغة العراقية، فكان عليها منذ التاسع من إبريل الماضي2002، أي عندما سقطت بغداد بأيدي قوات الاحتلال الأمريكية، أن تعيش أسوأ مرحلة بالنسبة لها، جاءت متناغمة مع مأساة إحراق المكتبات ونهب الجامعات على نحو لم تعهده عاصمة الرشيد منذ الاجتياح المغولي.
وإذ كان بعض هؤلاء العلماء قد حاول التواري عن الأنظار أو الاختفاء بالكامل، وحاول بعضهم الفرار من وطنهم، فقد كان البعض الآخر على موعد مع مجموعات الاغتيال والقتل التي أخذت تنفذ الأوامر الموكلة إليها قبل أن تسارع إلى الغوص في المستنقع العراقي بعد القيام بمهامها، وهو ما شكل مكسبا ضمنيا ليس للولايات المتحدة وحليفاتها وحسب؛ بل وللدولة العبرية قبل ذلك، بحسب محللين.
وكانت الأنباء قد تحدثت عن إرسال فرق اغتيال إسرائيلية للعلماء العراقيين بشكل متزامن مع الاجتياح الأنجلو أمريكي للعراق في مارس 2003، في الوقت الذي جرى فيه إخضاع من أمكن العثور عليه من العلماء لتحقيقات مطولة وقاسية على أيدي الأمريكيين الذين سارعوا إلى طرق أبواب هؤلاء العلماء بقوة السلاح، بعد أن كان مفتشو الأمم المتحدة يطرقون الأبواب ذاتها بلمسات دبلوماسية قبل أشهر معدودة، بينما كان العراق ما زال متمتعا بسيادته.
طابور العلماء اختفى
ومنذ الاحتلال الأمريكي للبلاد لم يعد بالإمكان التحقق من حجم الضحايا الذين سقطوا من طابور العلماء العراقيين، كما لا يمكن بالمقابل تعقب محترفي الاغتيال الذين قاموا بمهامهم في غيبة البلاد عن وعيها جراء صدمة الاحتلال والتحول الكبير. لكن مخاوف الأمريكيين لم تنته رغم الاغتيالات؛ إذ يكمن قلقهم في إمكانية انتقال الأدمغة العراقية إلى دول عربية وإسلامية، يجدون فيها ملاذا من الحالة المأساوية التي أفضوا إليها، وهو خط أحمر أمريكي وإسرائيلي بكل تأكيد، يستدعي إجراءات وقائية كالتي أعلنت عنها واشنطن أخيرا، ما يعيد إلى الأذهان قضية الخبراء الألمان بعد الحرب العالمية الثانية، وتسرب خبراء من الاتحاد السوفيتي السابق إلى دول العالم المهتمة بالتطوير العسكري النوعي.
وستركز المشروعات الأولى في البرنامج الأمريكي على ترسيخ الأولويات بالنسبة للعمل العلمي في المستقبل، والتدريب والتعاون على المدى الطول بين الولايات المتحدة والمجتمعات العلمية العراقية"، حسب وصفه.
ومن شأن الإشارة إلى التدريب والتعاون هذه أن تعني ضمنا أن هؤلاء العلماء سيكونون مرتبطين عمليا بتطلعات الولايات المتحدة أكثر من ارتباطهم بالأجندة الوطنية العراقية، وهو ما قد يعني استقطابهم انتقائيا للتطوير العسكري الأمريكي إذا ما لزم الأمر، خاصة مع ما تتمتع به الدوائر الأمريكية المختصة في هذا الحقل من خبرة معروفة في هذا المضمار.
سجن وظيفي
ومن المقرر أن تبدأ تلك المشروعات خلال 6 أشهر من افتتاح المركز، الذي سيكون في واقع الأمر سجنا وظيفيا لعلماء العراق الملاحقين، بعيدا عن الغايات التي تأهلوا لأجلها وحازوا على أرفع الشهادات.
ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة المركز مليوني دولار سيمولها الصندوق الأمريكي لمنع الانتشار ونزع السلاح، وهي تبدو ميزانية هزيلة مبدئيا قياسا بالمصروفات العراقية السابقة على هؤلاء العلماء؛ ما يعزز فرضية السجن المهني.
ورغم أن إرادة إنشائه أمريكية بحتة، وتصورات عمله أعدت سلفا في واشنطن العاصمة؛ فإن الخارجية الأمريكية لا تفوتها الإشارة إلى أنه خلال السنتين القادمتين سيعمل المركز الدولي العراقي للعلوم والصناعة عن كثب مع الحكومة العراقية الموالية لها، من أجل تحديد وتطوير وتمويل الأنشطة التي تدعم إعادة بناء العراق، على حد تعبيرها.
وبينما سيوفر هذا المخطط الأمريكي الجديد خيالا خصبا لعلماء العراق، سيكون من المسموح لبورصة توقعاتهم بأن تتراوح بين صرفهم إلى تطوير الصناعة الغذائية كالسباجيتي مثلاً إلى توجيههم إلى استنساخ البشر الموالين للاحتلال، لكنهم في دوائر صنع القرار في واشنطن يقدمون رواية أخرى تصلح للبث الرسمي والدعائي، تتمثل في توفير وظائف مدنية ذات مغزى في العراق الديمقراطي للعراقيين الذين لديهم خبرة في مجالات تتعلق بأسلحة التدمير الشامل.
***
الملحق الرقم (7)
مسؤول عراقي يتهم الموساد بتصفية العلماء بمساعدة قوات الأمريكان
‏30‏/03‏/2004 الوكالة/ اتهم عبد الحميد عبد المجيد مدير هيئة البحوث والتطوير في وزارة التعليم العالي العراقية المخابرات الصهيونية الموساد باغتيال العديد من العلماء العراقيين مؤخراً وذلك بمساعدة قوات الاحتلال الأميركي في العراق . وقال في تصريحات بثها موقع الدستور الأردنية أن وزارة الداخلية العراقية تكتمت على نتائج تحقيقاتها التي طالت العديد من الأشخاص المشبوهين في تنفيذ عمليات الاغتيال ضد أصحاب الكفاءات العلمية العراقية في حين أطلقت قوات الاحتلال الأميركي سراح البعض منهم ورفضت الكشف عن ملفات التحقيق الجارية مع البعض الآخر. وأشار إلى ان الشرطة العراقية عاجزة عن القبض على الجناة الحقيقيين في اغتيال العلماء العراقيين في الوقت الذي يظهر فيه مجلس الحكم العراقي الانتقالي عدم مبالاة تجاه هذا الموضوع الذي يعتبره مجرد اغتيالات عادية .
وأضاف ان وزارته تدرس حاليا وضع برنامج موسع لحماية العلماء العراقيين ووقف طردهم من الوظائف الحكومية وإعادة الاعتبار إليهم في مختلف الميادين خاصة مع وجود توجهات لإجبارهم على الهجرة القسرية من العراق .
***
الملحق الرقم (8)
3 حافلات تنقل صهاينة بينهم أعضاء في الموساد إلى العراق يومياً
‏27‏/03‏/2004 المركز الفلسطيني / قالت مصادر عراقية إن ثلاثة حافلات كبيرة تدخل يوميا إلى العراق من منفذ طريبيل الحدودي، تحمل (إسرائيليين). وقالت المصادر إن هذه المجموعات تدخل بشكل يومي من منفذ طريبيل الحدودي، دون أي عوائق، حيث يسمح لها بالدخول من قبل قوات الاحتلال.
وأكدت أن هذه الحافلات تحمل تجارا وسياحا وأعضاء مخابرات يعملون في جهاز الاستخبارات (الإسرائيلي) الخارجي موساد، وأن هذه القوافل بدأت بالدخول منذ احتلال العراق وحتى اليوم.
يذكر أن العراق يعاني الآن من حالة انفلات أمنى كبير، بسبب بقاء الحدود العراقية من دون أي رقابة. كما أن أخبارا كانت قد أشارت في وقت سابق إلى أن عناصر من الموساد الإسرائيلي كانوا قد دخلوا إلى العراق، وأنهم يقفون وراء تنفيذ العديد من العمليات المسلحة التي تستهدف العلماء العراقيين، حيث قتل أكثر من ألف عراقي بين عالم وطبيب ومهندس وأستاذ جامعي.
وتذهب بعض المصادر العراقية إلى أن هذه المجموعة من عناصر الموساد تتألف من 900 عنصر، وأنها تقيم في مدينة كركوك، في شمال العراقي. وكان رجال المقاومة العراقية قد هاجموا تلك العناصر (الإسرائيلية)، الأسبوع الماضي، وقتلوا ثلاثة منهم.
***
الملحق الرقم (9)
عشرات الأكاديميين اغتيلوا و156 قسماً من الدراسات العليا أغلقت
‏09‏/03‏/2005 بغداد - خدمة قدس برس
أعقبت سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان (أبريل) عام 2003 عمليات قتل واختطاف وتهديد، استهدفت عددا كبيرا من أساتذة الجامعة العراقيين وأصحاب الخبرة والكفاءة في العديد من المجالات العلمية المختلفة. وقد أثار ذلك المخاوف من مخططات تهدف إلى إفراغ العراق من علمائه ومفكريه، إذ أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن 46 أستاذاً جامعياً مسجلين لديها قتلوا خلال العاميين الماضيين، بينما تشير مصادر عراقية مستقلة إلى ضعف هذا الرقم، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى ترك العراق، والهجرة إلى بلدان أخرى، طلبا للأمن والأمان.
وفي ما يلي نص الحوار الذي أجراه (إياد الدليمي) مراسل قدس برس في العراق مع الدكتور عصام الراوي رئيس رابطة التدريسيين الجامعيين:
-كيف تقيمون وضع الأستاذ الجامعي في العراق، بعد مرور نحو عامين من الاحتلال الأمريكي، وتغيير نظام الحكم؟
- وضع الأستاذ الجامعي في العراق بائس جداً، رغم كل الجهود المضنية، التي تبذلها الرابطة للحفاظ على حقوق أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات والمعاهد. فرواتب الغالبية العظمى من التدريسيين وخصوصا المعينين الجدد لا تلبي الحد الأدنى للمعيشة الكريمة، حيث مازال راتب حامل شهادة البكالوريوس 157 ألف دينار، وحامل شهادة الماجستير 204 آلاف دينار، وحامل شهادة الدكتوراه 264 ألف دينار، وبالنسبة للذين لديهم خدمة دون العشر سنوات من حملة شهادة الدكتوراه، فإن رواتبهم لا تتجاوز 400 ألف دينار عراقي. وهذه الرواتب لا تلبي الحدود الدنيا من متطلبات المعيشة الكريمة، في ظل الأوضاع الراهنة. (الدولار يعادل نحو 1800 دينار).
وفي داخل الجامعات ما زالت عمليات إعمار المكتبات والمختبرات ومكاتب التدريسيين وقاعات الدراسة أكثر من بائسة، وقد ورثنا الفروق الهائلة بين الأساتذة في مكاتبهم من النظام السابق. كما أن المؤسسات التعليمية مازالت تنتهك حرمتها من قبل قوات الاحتلال والميليشيات المسلحة، حتى أن هذه القوات مازالت تحتل بعض الكليات في الموصل والأنبار، على الرغم من كثرة المطالبات والنداءات، التي وجهت لها من أجل الخروج منها، ولكن دون جدوى. كما أن مسلسل القتل والتهديد والاختطاف مازال متواصلاً، مع تعذر عودة المهاجرين السابقين من الأساتذة وحملة الشهادات العليا. ومن المشكلات الكبيرة الأخرى انعدام الدرجات الوظيفية، مما يحول دون تعيين الخريجين الجدد، أو إعادة تعيين المفصولين لأسباب قاهرة، اللهم إلا ضمن حدود ضيقة جداً، وهي تستغل على أسس حزبية وطائفية ومحسوبية مقيتة جدا.
* هل لديكم إحصائية بعدد الأساتذة الذين قتلوا منذ الاحتلال الأمريكي للعراق وحتى الآن؟
- نعم لدينا إحصاءات تضم العشرات من أسماء الأساتذة الجامعيين بشكل خاص، ومن الأطباء والمهندسين الاستشاريين وأئمة المساجد من حملة الشهادات العليا. ولكن نعتقد أن ما لدينا لا يمثل إلا جزءًا من الحقيقة، لغياب التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني، ومؤسسات الدولة المختلفة، ومنها وزارة حقوق الإنسان والداخلية والتعليم. وقد أخبرتنا وزارة التعليم العالي، وفق آخر إحصائية، بأن لديها قائمة تضم 46 اسماً من أسماء الأساتذة الجامعيين المسجلين في كلياتها ومعاهدها، تم اغتيالهم، وقد قيدت جميع تلك الجرائم ضد مجهول، كما أن هناك عدداً من الأساتذة تعرضوا للقتل على أيدي جنود الاحتلال الأمريكي، وكان آخرهم الدكتور أحمد عبد الرحمن الكبيسي، الأستاذ في كلية الطب في جامعة الأنبار، والأستاذ الدكتور عبد الكريم مخلف صالح، عضو الهيئة التأسيسية لرابطة التدريسيين الجامعيين، والأستاذ في كلية التربية جامعة الأنبار.
* من يقف وراء تلك العمليات التي تستهدف الأساتذة الجامعيين ؟ وهل لديكم أدلة تدين جهة بعينها؟
- لقد قمنا بتحليل المعلومات المتوفرة لدينا، ونعتقد أن هناك أكثر من جهة تقف وراء هذه العمليات، كما أن هناك جهات متعددة شاركت في هذه الجرائم في مقدمتها قوات الاحتلال ذلك لإضعاف القدرة العلمية والتقنية في البلد، خدمة لأمن إسرائيل من ناحية، وسماحها بدخول عصابات الجريمة المنظمة من ناحية أخرى. كما نعتقد أن بعضاً من هذه الجرائم لها بعد طائفي عند غلاة المتدينين من مختلف المذاهب والأحزاب. وقد كان قسما منها وفق تحليلنا عبارة عن تصفية حسابات قديمة، ولا نستبعد أن هذا البعد الطائفي مخترق من قبل جهات أجنبية، ومدفوعة بشكل غير مباشر لارتكاب هذه الجرائم.
-أقرت الحكومة العراقية بجعل يوم السبت عطلة رسمية في الكليات والدوائر والوزارات المختلفة، وهو قرار قوبل برفض شعبي كبير، كيف تنظرون إلى مثل هذا القرار؟
-لا ننكر أن بعض الجهات المثقفة وأرباب العمل والدوائر لم يعترضوا على هذا الأمر، حفاظا على التواصل مع دول العالم المختلفة، ولكننا نعتقد أن هذا مؤشرا خطيرا على عملية التغريب والتبعية، حتى في العطل الرسمية للغرب. وقد تكون هذه واحدة من البنود السرية لمؤتمري نيويورك ولندن سيئي الصيت، الذين عقدا تحت رعاية الصهيونية العالمية لأحزاب المعارضة العراقية آنذاك، والمتسلطة على رقاب العراقيين هذه الأيام.
***
الملحق الرقم (9)
«مخاطر استهداف الكوادر العلمية في العراق».
د. هدى عماش: صحيفة (أخبار الخليج 11/6/2005): مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
لم تقتصر الآثار والتداعيات السلبية التي ترتبت على غزو واحتلال العراق على الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل امتدت تلك التداعيات لتشمل أيضًا مختلف جوانب الحياة العلمية والفكرية في هذا البلد، بداية من استهداف عناصر التراث الثقافي العراقي كافة، مرورًا باستهداف العلماء والخبراء العاملين في مجال الأسلحة الكيماوية والجرثومية، وصولاً إلى اغتيال واختطاف أساتذة الجامعات والأطباء وغيرهم من الكوادر العلمية والمهنية التي يناط بها مهمة بناء ونهضة المجتمع، وهو ما يثير التساؤل حول مظاهر استهداف هذه الكوادر سواء من جانب الولايات المتحدة أو من جانب بعض الجماعات والقوى المجهولة داخل العراق، والتداعيات السلبية لتلك الظاهرة على مجمل الأوضاع العلمية هناك. بداية، فقد تعددت مظاهر ومؤشرات استهداف الكوادر العلمية في العراق، التي لم تقتصر على الولايات المتحدة، بل شملت أيضًا بعض الجماعات العراقية وكذلك أطرافا خارجية أخرى، فضلاً عن تنوع وسائل وأساليب استهداف هذه الكوادر ما بين الاغتيال والاختطاف للحصول على فدية مالية، ومحاولة إرغامها على مغادرة العراق.
وفي هذا الإطار فقد مثّل استهداف العلماء العراقيين جانبًا مهمًا في توجهات وأهداف السياسة الأمريكية تجاه العراق، سواء قبل الغزو أو بعده، حيث عملت واشنطون من وراء ذلك على تحقيق مجموعة من الأهداف:
أولها: محاولة منع العراق بعد سقوط النظام السابق من إعادة بناء قدراته في مجال الأسلحة الكيماوية والجرثومية بعد وصوله إلى درجة متقدمة في هذين المجالين.
ثانيها: منع وصول هؤلاء العلماء إلى دول عربية أو إسلامية أخرى قد توظفهم في برامج سرية لإنتاج أسلحة دمار شامل، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكرار تهديد العراق لجيرانه ولـإسرائيل،
ثالثها: معرفة المصادر التي استمد منها هؤلاء العلماء خبراتهم لتجفيفها ومنع العلماء العرب الآخرين من التفكير في الاقتراب من مجالات البحث التي ترى واشنطن أنها محظورة عليهم.
ومن الأساليب والإجراءات التي لجأت إليها واشنطون لتحقيق تلك الأهداف قيامها بإصدار مجموعة من القرارات غير المسبوقة من مجلس الأمن الدولي للقضاء على البنية التحتية العراقية المرتبطة بالبرنامج النووي العراقي، ونزع أسلحة العراق عقب حرب الخليج الثانية، وكذلك ملاحقتها العلماء والخبراء الفنيين العراقيين والعرب العاملين في برامج التسلح العراقية، فضلاً عن إصرارها على تضمين قرار مجلس الأمن رقم (1441) الصادر عام 2002م فقرة تجبر العراق على السماح للمفتشين الدوليين باستجواب علمائه وفنييه حتى إذا تطلب الأمر تسفيرهم خارج البلاد، وفي بداية عام 2003م أقر الكونغرس الأمريكي قانون هجرة العلماء العراقيين، الذي نص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات ذات مصداقية بشأن برامج التسلح العراقية تصريح إقامة دائما في الولايات المتحدة.
وبعد الاحتلال حظي العلماء العراقيون بوضع متقدم في إطار اهتمامات القوات الأمريكية التي سارعت إلى الحصول على قوائم بأسمائهم، خاصة الذين ساهموا في برنامج التسلح العراقي، من لجان التفتيش الدولية، وطرحت أمامهم الاختيار من بين عدة بدائل، هي:
إما العمل داخل بلادهم بشرط التزامهم بعدم تقديم خبراتهم إلى دول معينة تحددها واشنطن، وفي هذا الصدد أعدت الخارجية الأمريكية خطة باسم مبادرة رعاية العلوم والتكنولوجيا والهندسة في العراق بلغت ميزانيتها 20 مليون دولار من أجل توظيف العلماء العراقيين في أبحاث سلمية داخل العراق، وإما إغراؤهم بالعمل في الولايات المتحدة نفسها مع منحهم حق الإقامة فيها، وعرضت على العديد منهم السفر إلى إسرائيل، والعمل في جامعاتها ومعاملها التي تتسم بدرجة عالية من التطور والتقدم التكنولوجيين والعلميين، والحصول على درجات علمية، أما من رفض من هؤلاء العلماء هذه الاختيارات فقامت القوات الأمريكية باعتقاله ووضعه في السجون، ومنهم الدكتورة (هدى عماش) الخبيرة في بكتيريا الجمرة الخبيثة.
وخلال الربع الأول من العام الحالي تم الكشف عن قيام الولايات المتحدة بتبني برنامج يتكلف ملايين الدولارات لاحتواء العلماء العراقيين، خاصة الذين كانوا يعملون في برامج التسلح، وقد تضمن هذا البرنامج ثلاثة مستويات:
الأول: يندرج في إطار برنامج بدأ تطبيقه في حزيران/يونيو 2004م، وشمل بوجه خاص العلماء العراقيين الذين كانت لهم علاقة بشؤون التسلح، وتم في إطاره احتواء بعضهم في أطر العمل التي تركز على العلوم لدعم الأمن القومي الأمريكي، سواء في مختبرات سانديا أو مؤسسة بروكنغز، وتم إخضاع هؤلاء العلماء لدورات في الولايات المتحدة ومُنح بعضهم الجنسية الأمريكية.
الثاني: يتم في إطار برنامج مشترك تنفذه الحكومة الأمريكية بمساعدة مؤسسة التكنولوجيا والعلوم العربية التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها، ويهدف هذا المستوى إلى تشكيل نموذج مهم للتعاون العلمي والتكنولوجي في المنطقة.
الثالث: يركز على العلماء الذين توجهوا إلى الأردن وسوريا ودول المنطقة بعد سقوط النظام السابق، ويتولى إدارة هذا المستوى مركز الرصد التعاوني التابع لمختبرات "سانديا" الموجود في عمان بالأردن، ويتم من خلاله استقطاب العلماء في مختلف الاختصاصات بالتعاون مع الجمعية العلمية الملكية الأردنية.
وتشير الإجراءات السابقة إلى وجود ضغوط نفسية تمارسها واشنطن تجاه العلماء العراقيين بهدف احتوائهم في أطر هذا البرنامج، خاصة في ظل تعرض عدد غير قليل منهم للاغتيال والاختطاف مقابل فدية أو دفعهم للهجرة إلى الخارج، فضلاً عن احتمال تورط بعض الأجهزة الاستخباراتية المناوئة للولايات المتحدة ولمشروعها في احتواء العلماء العراقيين في حملات الاغتيال والخطف التي تعرض لها العلماء بعد سقوط النظام السابق. وإضافة إلى المحاولات الأمريكية السابقة لاحتواء العلماء العراقيين، فقد امتدت محاولات استهداف الكوادر العلمية العراقية إلى عمليات الاغتيال والقتل المنظمة بهدف إجبارهم على الهجرة إلى خارج العراق وإفراغه من عقوله المفكرة، حيث يشير بعض التقارير إلى وجود مشروع أمريكي -إسرائيلي يهدف إلى إفراغ العراق من الكفاءات العلمية، إذ لوحظ هجرة العشرات من هؤلاء إلى الخارج، وتعرض بعض علماء الذرة العراقيين لضغوط كثيرة لدفعهم إلى الهجرة خلال وجود المفتشين الدوليين في العراق قبل الحرب.
وقد وصل عدد علماء الذرة الذين تم اغتيالهم طبقا لآخر الإحصائيات إلى 315 عالمًا، فيما أشارت إحصائية صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى اغتيال 65 أستاذًا جامعيًا متخصصين في العلوم الطبية والنووية والحياتية والإنسانية في أعقاب الغزو الأمريكي، فيما كشفت إحصائية دولية أخرى عن اغتيال أكثر من 100 عالم عراقي خلال عامين من الاحتلال.
وبجانب الدور الأمريكي في استهداف العلماء العراقيين، فقد قامت إسرائيل بدورها في هذا الإطار، حيث أشارت مصادر عديدة إلى وقوف الموساد خلف سلسلة الاغتيالات وعمليات التصفية التي استهدفت علماء وأساتذة في الجامعات العراقية. ولم تقتصر ظاهرة استهداف الكوادر العلمية العراقية على اغتيال واختطاف العلماء والأكاديميين، بل امتدت أيضًا إلى كادر الأطباء، ففي العام الماضي أُجبر حوالي 10% من إجمالي قوة العمل الطبية في بغداد على مغادرة العمل، وتسارعت وتيرة الهجرة خلال الفترة الأخيرة بين الأطباء، وذلك نتيجة تفاقم الوضع الأمني في البلاد، وهو ما انعكس سلبًا على عمل الدوائر والمؤسسات الصحية بصورة أدت إلى تراجع الخدمات الصحية، حيث أفادت دراسة صادرة عن وزارة الصحة تزايد عدد الهجمات والتهديدات الموجهة ضد الأطباء بشكل كبير، إذ تم اختطاف حوالي 160 طبيبًا وقتل حوالي 25 منهم وقد غادر حوالي 1000 طبيب بمعدل 30 كل شهر، وترتب على تلك الهجمات التأثير بصورة سلبية في النظام الصحي في العراق.
وفي محاولة منها لمواجهة هذه الظاهرة، قامت الحكومة العراقية مؤخرًا بتشكيل لجنة أطلق عليها «لجنة الحد من ظاهرة خطف وتهديد العلماء والأطباء« تتضمن السماح لهم بحمل السلاح لحماية أنفسهم من عمليات القتل والخطف، علاوة على تشكيل فرق لحمايتهم من الإرهاب، فضلاً عن إقرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العام الماضي خطة لحماية الكفاءات العلمية والحد من ظاهرة هجرة الأساتذة الجامعيين الذين يبلغ عددهم في العراق 31250 أستاذاً يتوزعون على مختلف الكليات والمعاهد، وفي الإطار نفسه شهدت محافظة (ديالى) تأسيس أول جمعية عراقية للكفاءات العلمية، تضم مجموعة من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والمحامين والتربويين والمثقفين، بهدف الاهتمام بأوضاع الكفاءات العلمية وحل ما يواجههم من مشكلات، إضافة إلى تطوير عمل حملة الشهادات العلمية. ومن دون شك فإن ظاهرة استهداف الكوادر العلمية العراقية تطرح العديد من التداعيات السلبية على جميع مجالات الحياة العلمية والفكرية في العراق، من أبرزها:
- إن تزايد تلك الظاهرة بصورة لافتة للنظر من حيث استمرارها من ناحية وتفاقمها من ناحية أخرى، يؤدي إلى الإضرار النفسي بهؤلاء الكوادر مما يدفعهم إلى الهجرة إلى الخارج، وبالتالي معاناة العراق من استنزاف العقول بشكل يؤدي إلى حرمانه من الاستفادة من تلك الكفاءات العلمية في عملية التنمية.
- وجود علاقة مباشرة بين تزايد تلك الظاهرة وبين الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، ففي بعض الأحيان تم استهداف العلماء بسبب آرائهم بشأن الأوضاع السياسية هناك.
- إن اغتيال العلماء وأساتذة الجامعات العراقيين - بجانب الانتهاكات الأخرى - يعد مثالاً بارزًا على الانتهاكات التي تمارسها واشنطون بحق الشعب العراقي، إذ يؤدي إلى تفريغ العراق من العقول والكفاءات العلمية التي يحتاج إليها، وهو ما يضعهم أمام خيارين إما الانضمام إلى الجامعات والمؤسسات العلمية الأمريكية أو الإسرائيلية وإطلاق الوعود بعدم تقديم المساعدة لدول أخرى وإما التعرض للحبس أو عمليات التصفية.
- إن محاولات احتواء الكوادر العراقية، ستمنع الدول العربية الأخرى من الاستفادة من خبراتهم الكبيرة كل في مجال تخصصه، كما أنه سيمنعهم من إفادة بلدهم.
- ما يزيد من خطورة تلك الظاهرة أن الفئة المستهدفة تشمل العلماء العراقيين الأكفاء في بعض المجالات العسكرية والنووية، إضافة إلى عدد من أساتذة الجامعات والأطباء المرموقين ذوي المكانة العلمية المتميزة، وخاصة المتخصصين في مجال التكنولوجيا النووية، الأمر الذي يثير الشكوك حول الجماعات التي تستهدفهم في ضوء ربط البعض بين ذلك وبين رغبة واشنطون وبعض أجهزة استخبارات الدول الأخرى - خاصة إسرائيل - في إفراغ العراق من كوادره التكنولوجية لضمان استمرار التفوق الإسرائيلي في المنطقة، حيث استقبلت إسرائيل عددًا من العلماء العراقيين وقامت بمنحهم درجات علمية في مجال تخصصهم، وهو ما يشير إلى محاولتها استقطاب هؤلاء العلماء من ناحية، ومحاولة تكريس التفوق العلمي الإسرائيلي في مواجهة الدول العربية من ناحية أخرى.
خلاصة القول: إن ظاهرة استهداف الكوادر والكفاءات العلمية العراقية تعتبر أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الحكومة العراقية في الوقت الراهن خاصة في ظل استمرار حالة الفوضى الأمنية وانتشار العنف، وحالة السيولة التي يتسم بها الوضع السياسي في الآونة الأخيرة، وعجز قوات الاحتلال عن السيطرة على الأوضاع الأمنية في البلاد، وهو ما يتطلب ضرورة إعطاء الحكومة العراقية مزيدًا من الاهتمام للأوضاع الأمنية لتوفير الأجواء الملائمة لقيام الكوادر العراقية بأداء دورها في تنمية ونهضة الدولة العراقية الجديدة، مع عدم إغفال وجود دور أمريكي سواء مباشر أو غير مباشر في استهداف هؤلاء الكوادر.
***
الملحق الرقم (10)
الأطباء العراقيون يختارون الهجرة بعد تكرار حوادث الخطف ضدهم
شبكة البصرة: الخميس 27 أيار 2004
بغداد ـ من كمال طه: توسعت عمليات الخطف في العراق لتشمل عددا من خيرة أطباء البلاد ما حدا بالكثير منهم إلى الهجرة.
القدس العربي 27/5/2004 وبحسب السجلات الرسمية لوزارة الصحة العراقية جرى خلال الأشهر القليلة الماضية اختطاف عدد من خيرة أطباء العراق في مجال تخصصهم يتقدمهم عبد الهادي الخليلي (أخصائي في الأمراض العصبية) ومظفر كركجي (أخصائي جراحة عامة) وريسان فهد (أخصائي في الأمراض الباطنية) ورجاء الدهوي (أخصائية في الأمراض النسائية) وراجح الكعبي (أخصائي في أمراض القلب) ومكي بشر (أخصائي جراحة عامة) بالإضافة إلى اختطاف نجلي الطبيبين خليفة الشرقي وشوقي يوسف غزالة. وأوضح مصدر في وزارة الصحة العراقية لفرانس برس ان هؤلاء الأطباء خطفوا من عياداتهم الخاصة في بغداد وأطلق سراحهم بعد دفع مبالغ إلى الخاطفين بالعملة الصعبة .
وأضاف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه ان مطالب الخاطفين تراوحت بين ألف وعشرة آلاف دولار أمريكي. وأشار إلى ان هذه الظاهرة دفعت بالعديد من الأطباء إلى المغادرة أو التفكير جديا بمغادرة البلاد إلى دول الجوار بحثا عن عمل وملاذ آمنين لحماية حياتهم وحياة عوائلهم من تلك التهديدات .
وأوضح المصدر ان من هذه الأسماء التي غادرت العراق الأطباء علاء بشير (اشهر أطباء التجميل في العراق) وطالب خير الله (أخصائي أمراض القلب) وعبد الله الراوي (أخصائي أطفال) وجواد الشكرجي (أخصائي أمراض العيون) وعبد الإله الحمداني (مدير معهد أمراض الحساسية والربو) وسنان مكي العزاوي (أخصائي أمراض المفاصل) وعلي شحم (أخصائي تجميل) وراجح الكعبي (أخصائي أمراض القلب) .
ويقول الطبيب محمد البغدادي ان هذه التهديدات جعلت من مهمتنا أمرا صعبا وخطيرا جدا . وأوضح نحن أصبحنا أمام ثلاثة خيارات:إما البقاء في منازلنا وترك عملنا، أو مغادرة البلاد بحثا عن عمل في بلد آخر مجاور، أو العمل في مثل هذه الظروف وتحمل كل المخاطر المحدقة بنا والتعامل مع الواقع. وأضاف وهو يحدق بالأبواب الحديدية الموصدة التي وضعها حديثا لحماية عيادته من عمليات السلب والنهب والخطف لا يوجد أمامنا خيار آخر.
وبعد اشهر قليلة من انتهاء الحرب على العراق في التاسع من نيسان (أبريل) من العام الماضي بدأ البغدادي عمله في عيادته المتواضعة وسط بغداد متخذا بعض الإجراءات الاحترازية. ويقول البغدادي لم اعد اعمل في الليل بل في النهار ولم اعد اعمل كل يوم بل ثلاثة أيام في الأسبوع فضلا عن أنني أصبحت احمل سلاحا كي احمي نفسي من المجرمين سواء أكان ذلك في عيادتي أو في طريقي إلى بيتي.
من جانبه، اتهم وكيل وزارة الصحة العراقية عامر الخزاعي أيادي خفية وخبيثة بالوقوف وراء هذه الظاهرة بهدف تعطيل عملية النهوض بالعراق من جديد .
وقال الطبيب محمد الحسوني مدير برامج الوقاية من العنف في وزارة الصحة ان هذه الظاهرة لا تشكل خطرا على الأطباء فحسب بل باتت تشكل خطرا كبيرا على مستقبل العراق ككل .
وعلى الرغم من مرور اكثر من عام على وقف العمليات العسكرية في العراق وانتهاء الحرب إلا ان انعدام الأمن وموجة العنف وعمليات الخطف لا زالت تسود البلاد وتسبب رعبا وقلقا شديدين للسكان.
***
الملحق الرقم (11)
الاتفاقية العسكرية العراقية-الأمريكية المقبلة و دروس من تجارب اليابان وكوريا وألمانيا
د.كمال سيد قادر
ما يميز الدولة من المنظمات الأخرى (الأشخاص المعنوية) هو تمتع الدولة بالسيادة الكاملة ككيان مستقل تماماً، يمارس السلطة في الداخل دون قيود غير القيود التي يضعها دستور الدولة، و في اتجاه الخارج يكون حراً في صياغة علاقاتها الخارجية، ولا تخضع لأي قيود غير قيود القانون الدولي الذي يجب أن تطبق بدورها على كل الدول على قدم المساواة. والسيادة تشمل كافة سلطات الدولة، بحيث لا تنافسها سلطة أخرى داخل وخارج حدودها وإلا أصبحت هذه الدولة، دولة ناقصة السيادة. و لذلك فان احتلال دولة ما لإقليم دولة أخرى هو في الدرجة الأولى سلبا لسيادة هذه الدولة، وإخضاعها لإرادة الاحتلال، وهو بمثابة استعباد شعب كامل لأن الإنسان المستعبد ليس إلا إنسان مسلوب الإرادة. واحتلال دول لأراضى دول أخرى يتم إما علنا أو تحت تسميات مختلفة، كتحرير شعب دولة أخرى أو إرسال قوة سلام، أو تقديم الدعم من قبل قوات صديقة بناء على طلب مزعوم من دولة ما. فالاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق مثلا تم تحت شعار تحرير العراق.
ولا يكمن اعتبار تواجد قوات عسكرية لدولة ما على أراضى دولة أخرى، بدون إذن مسبق من قبل حكومة شرعية لهذه الدولة إلا احتلالا، لذلك فإنه من النادر جدا في عالمنا اليوم أن تتواجد قوات دولة ما، على أراضى دولة أخرى بدون اتفاق مسبق بينهما، ما عدا بعض الاستثناءات القليلة كتواجد القوات الإسرائيلية على أراضى فلطينية و سورية و لبنانية، وتواجد القوات الأجنبية في العراق حاليا.
ونظراً لحساسية المسألة فالدول تلجأ عادة إلى إبرام اتفاقيات دولية لتنظيم التعاون العسكري فيما بينها وأن كل وجود لقوات دولة ما على أراضي دولة أخرى تحتاج عادة إلى اتفاقيتين دوليتين على الأقل.
1-اتفاقية دولية تمنح الدولة المضيفة بموجبها الدولة الضيف حق التواجد العسكري على أراضيها، تسمى عادة باتفاقية التعاون العسكري و تنظم بصورة عامة حجم هذه القوات و مواقع تمركزها وأهدافها و تحدد الفترة الزمنية لوجودها.
2-اتفاقية دولية ثانية تنظم الوضع القانوني لهذه القوات و الهدف من وراءها، هو تحديد حقوق وواجبات هذه القوات كتحديد الاختصاص الجنائي على هذه القوات، وحمل السلاح ودفع الضرائب والرسوم الجمركية وإجراءات دخول وخروج أفراد هذه القوات من و إلى الدولة المضيفة.
نقطة انطلاق أي اتفاقيات من هذا النوع، هي أن الدولة المضيفة تمارس كامل السيادة على أراضيها والأفراد والممتلكات التي تتواجد على هذه الأراضي، باستثناء الحصانات التي تمنح حسب القانون الدولي لبعض الأفراد وممتلكات الدول ومنظمات دولية كالحصانة الدبلوماسية مثلا، و لذلك فان منح أفراد قوة دولة ما نوع من الحصانة على أراضى دولة أخرى هو ليس إلا استثناء من القاعدة، ويجب أن يتم حسب اتفاقية دولية تتوفر فيها كافة أركان العقد، كما جاء في المواد 46-53 لاتفاقية فينا حول إبرام المعاهدات، أي عدم سريان الاتفاقيات التي أبرمت تحت التهديد والإكراه، أو تعارض نص الاتفاقية مع القانون الدولي الإجباري كقدسية سيادة الدول، وحق تقرير مصير الشعوب.
خطورة وجود القوات الأجنبية على أراضى دول أخرى، هي عدم سريان هذه الاتفاقيات في زمن الحروب، ولذلك فان الوجود العسكري الأجنبي يشكل خطرا مستمرا على سيادة الدولة المضيفة. وأن اختلاف الأديان والثقافات والتقاليد بين الشعوب، يمكن أن يؤدى إلى سوء التفاهم بين سلطات الدولة المضيفة للقوات الأجنبية وسلطات الدولة الضيف، لأنه ربما ما يكون مسموحا به في قوانين دولة الضيف يمكن أن يكون ممنوعا في قوانين الدولة المضيفة.
هناك القليل من الدول تنشئ قواعد عسكرية خارج أراضيها، وهي الدول القوية عسكريا واقتصاديا، تلجأ إلى إبرام معاهدات عسكرية لإضفاء الشرعية على تواجد قواتها على أراضى دول أخرى.
الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها لها حاليا أكثر من مائة اتفاقيات من هذا النوع مع الدول الأخرى، منها أغلب دول جوار العراق، وكذلك للأمريكيين وجودا عسكريا في أكثر من 130 دولة في العالم، يضم أكثر من نصف مليون فرد، موزعين على أكثر من 700 قاعدة عسكرية، عددا منها في دول شرق أوسطية، منها تركيا والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان والعراق.
وما يميز الحالة العراقية من الدول الأخرى التي تتواجد على أراضيها قوات أجنبية، هو عدم وجود اتفاقيات دولية بين العراق والدول التي تتواجد قواتها حاليا على أراضيها.
ولكن هذا الوضع اللاشرعي لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، إذ تنتهي ولاية القوة متعددة الجنسيات في العراق حسب قرار مجلس الأمن 1546 في نهاية السنة الحالية، ولذلك فلا بد من اتفاقيات دولية مع هذه الدول وبالأخص حكومتي أمريكا وبريطانيا، لتنظيم الوضع القانوني لهذه القوات إلى حين إكمال انسحابها من العراق.
الوضعية القانونية للقوات متعددة الجنسيات في العراق حاليا، تشبه إلى حد كبير الوضعية القانونية لوجود القوات الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا الاتحادية، بعد الحرب العالمية الثانية، وقبل إبرام اتفاقيات دولية بين أمريكا وهذه الدول حول الوضعية القانونية لهذه القوات.
لذا فقبل التطرق إلى الحالة العراقية، يجب إلقاء نظرة سريعة عن تجارب هذه الدول الثلاث، مع القوات الأمريكية على أراضيها لغرض استخلاص دروس و عبر منها.
التجربة اليابانية
تتواجد حاليا في اليابان 95 قاعدة عسكرية أمريكية 75% منها في جزيرة أوكيناوا، يعود تأريخ وجودها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث استسلمت اليابان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في أعقاب الحرب التي اندلعت بين البلدين على أثر هجوم ياباني على قاعدة بيرل هاربور البحرية الأمريكية.
الاحتلال الأمريكي لليابان استمر إلى سنة 1951، حيث أبرمت الدولتان اتفاقية سان فرانسيسكو للسلام بينهما، أنهت الاحتلال الأمريكي لليابان باستثناء جزيرة أوكيناوا، التي ظلت تحت الاحتلال الأمريكي إلى سنة 1972. بالتزامن مع اتفاقية السلام تم إبرام اتفاقية ثانية في 8-9-1951 بين البلدين تحت اسم الاتفاقية الأمنية الأمريكية-اليابانية، منحت اليابان بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية حق إنشاء قواعد عسكرية لها على الأراضي اليابانية، تلتها اتفاقية أخرى عام 1960، حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية في اليابان. الاتفاقيتين العسكريتين واجهتا مقاومة شعبية يابانية واسعة غير مسلحة. تكاليف صيانة و إدامة هذه القواعد العسكرية تتحملها عادة أمريكا نفسها ولكن اليابان تساهم بمبالغ كبيرة أيضا، إذ يبلغ حجم مساهمتها حاليا حوالي 6 مليارات دولار سنويا.
من أهم بنود الاتفاقية الأمنية اليابانية-الأمريكية لسنة 1951 هي:
الديباجة: جاء في الديباجة بأن الحكومة اليابانية هي التي قدمت طلباً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء قواعد على أراضيها، وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد قبلت هذا الطلب الياباني من أجل صيانة السلام.
المادة 1 تحدد واجبات القوات الأمريكية في اليابان بصورة أوسع، وهى حماية اليابان من أي اعتداء خارجي أو اضطرابات داخلية واسعة ضد السلطات اليابانية.
المادة 4 تنص على أن انتهاء العمل بهذه الاتفاقية يتم باتفاق الجانبين فقط.
والاتفاقية الثانية المتعلقة بوجود القوات الأمريكية في اليابان، هي الاتفاقية التي تنظم الوضع القانوني لهذه القوات و تم إبرامها في 19-1-1960.
من أهم بنود هذه الاتفاقية هي:
المادة 1 مصطلح القوات الأمريكية يشمل العسكريين والمدنيين المتعاقدين معهم وعوائلهم.
المادة 3 إن القوات الأمريكية في اليابان تتمتع بالحصانة، أي أنها لا تخضع للسيادة اليابانية.
المادة 6 يحق للآليات والطائرات والسفن الحربية الأمريكية دخول الأقاليم اليابانية دون قيد أو شرط.
المادة 7 للقوات الأمريكية الأولوية في استخدام الممتلكات العامة اليابانية كالطرق مثلا.
المادة 9 أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من إجراءات دخول الأراضي اليابانية، كإجراءات الفيزا والجوازات.
المادة 11 أفراد القوات الأمريكية يتم استثناءهم من رسوم الجمارك والضرائب اليابانية.
المادة 17 للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي على قواتها، وللسلطات اليابانية الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأمريكية فقط في حالة خرق هؤلاء للقوانين اليابانية، وداخل المناطق الخاضعة للسيادة اليابانية، ولا يحق للسلطات اليابانية احتجاز المتهمين الأمريكيين، بل يبقى هؤلاء في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم اليابانية.
المادة 18 ليس للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي على المواطنين اليابانيين.
المادة 25 ستشكل لجنة يابانية-أمريكية مشتركة لمراقبة تطبيق هذه الاتفاقية.
المادة 28 سريان مفعول هذه الاتفاقية يستمر مع سريان مفعول الاتفاقية الأمنية.
عند إلقاء نظرة تحليلية خاطفة على هاتين الاتفاقيتين، نرى بأنها اتفاقيات غير منصفة، وليست مبنية على المساواة بين الشعوب والدول، ومبدأ احترام سيادة الدول.
فجاء في ديباجة الاتفاقية الأمنية لسنة 1951 مثلا، بان اليابان هي التي طلبت من الولايات المتحدة إنشاء قواعد لها على الأراضي اليابانية، وهذا لا يتطابق مع الواقع السائد آنذاك، إذ أن القواعد الأمريكية كانت قائمة في اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يكن الطلب الياباني إلا الاعتراف بالأمر الواقع، ولم يكن لديها أصلا خيارا آخر. فصياغة الديباجة بهذا الشكل كان هدفه فرض شروط قاسية على اليابان، مثلا كالشرط المتعلق بكيفية إنهاء العمل بالاتفاقيتين، أي بموافقة الجانبين ما يعنى بان الاتفاقيتين يمكن أن تدوما إلى الأبد أو على الأقل إلى الموعد الذي يراه الأمريكيون مناسبا لخروجهم من اليابان. فاليابان هي قادرة اليوم على الدفاع عن نفسها، وهى دولة مستقرة ومع هذا لا يحق لها التخلص من الوجود العسكري الأمريكي بل يجب عليها تحمل بعض تكاليف هذا الوجود أيضا.
وفيما يتعلق بالاتفاقية الثانية أي اتفاقية 1960 حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية في اليابان، نرى بأنها تمنح امتيازات واسعة للقوات الأمريكية تتعارض مع السيادة اليابانية على كل أراضيه، إذ تنص المادة الثالثة من هذه الاتفاقية على تمتع القواعد الأمريكية بالحصانة الكاملة وخضوعها كاملة للسيادة الأمريكية. فمن المعلوم بان القواعد العسكرية يمكن استخدامها لأغراض كثيرة، منها إنتاج وتخزين أسلحة الدمار الشامل، مما يمكن أن يؤثر على صحة المواطنين وبيئة البلد، لذا كان لا بد للسلطات اليابانية حق مراقبة استخدام هذه القواعد وإجراء تفتيشات دورية عليها.
و فيما يخص الاختصاص الجنائي للسلطات اليابانية على أفراد القوات الأمريكية خارج قواعدها، فان المادة السابعة عشرة تنص على بقاء المتهمين في قبضة السلطات الأمريكية، إلى حين تقديمهم إلى المحاكم اليابانية، مما يعيق إجراءات التحقيق وكشف الأدلة، ويزيد من خطورة مغادرة المتهمين الأراضي اليابانية قبل تقديمهم إلى المحاكم، ومن المعلوم بأن دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى الأراضي اليابانية، لا يحتاج إلى موافقة سلطات الحدود اليابانية. و تجارب المواطنين اليابانيين مع القوات الأمريكية ليست مرضية، وخاصة في جزيرة أوكيناوا حيث ارتكبت جرائم بشعة بحق السكان من قبل الأمريكيين، كحوادث القتل والاغتصاب كما حدث في العراق.
التجربة الكورية
انقسمت كوريا عام 1948 إلى شطرين: الشمالي تحت قيادة الحزب الشيوعي والجنوبي تحت قيادة القوميين، وكان خط العرض 38 يشكل الحدود الدولية بين الشطرين. ولكن الشطر الشمالي قرر ضم الشطر الجنوبى وشن هجوما واسعا عليه سنة 1950، واحتلت قواتها العاصمة الجنوبية سيئول. فطالب مجلس الأمن الدولى في قراره الرقم 83 الصادر في 27-6-1950 من المجتمع الدولي إرسال قوات إلى كوريا الجنوبية لمساعدتها، وتجاوبت عدة دول معادية للحركة الشيوعية مع هذا القرار، منها الحكومة الأمريكية حيث أرسلت قوة كبيرة لمحاربة قوات كوريا الشمالية، وثم تدخلت القوات الصينية لصالح القوات الكورية الشمالية، إلى أن استقرت الأمور عند الخط العرضي 38 كحدود البلدين، وتم الاتفاق على هدنة بين كافة الأطراف عام 1953. ولكن القوات الأمريكية لم تغادر أراضى كوريا الجنوبية بعد الحرب، بل أنشأت قواعد دائمة لها حسب اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمت بين البلدين عام 1953 .
من أهم بنود اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين هي:
الديباجة هدف الاتفاقية هو صيانة الأمن والسلم وردع الاعتداءات الخارجية.
المادة 1-3 تنص على أن الاتفاقية هي اتفاقية التعاون المشترك بين البلدين.
المادة 4 تنص على أن كوريا الجنوبية تمنح الولايات المتحدة الأمريكية حق إنشاء قواعد برية وبحرية وجوية في أقاليم كوريا الجنوبية.
المادة 6 تنص على أن لكلا الجانبين حق الانسحاب من هذه الاتفاقية بعد سنة من إعلام الطرف الآخر بقرار الانسحاب.
و فيما يتعلق بالاتفاقية العسكرية الثانية، أي الاتفاقية حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية على الأراضي الكورية الجنوبية التي تم إبرامها عام 1966 فان أهم بنودها هي:
المادة 1مصطلح القوات يشمل العسكريين والمدنيين المتعاقدين وعوائلهم.
المادة 7-8 تنص على أن أفراد هذه القوات يجب استثناءهم من إجراءات الحدود كالفيزا وجوازات السفر.
المادة 9 أفراد القوات الأمريكية يتم استثناءهم من رسوم الجمارك.
المادة 17 بالنسبة للمستخدمين الكوريين في هذه القواعد فان القانون العمل الكوري يطبق عليهم.
المادة 22 السلطات الأمريكية تمارس الاختصاص الجنائي والتأديبي على أفراد قواتها، وسلطات كوريا الجنوبية تمارس الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأمريكية في حالة خرق القوانين الكورية من قبل هذا القوات. و لكن المتهمين الأمريكيين يبقون في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم الكورية، وفى حالة اعتقالهم من قبل سلطات كوريا الجنوبية يجب تسليمهم فورا إلى السلطات الأمريكية في كوريا.
تقيم سريع لوضع القوات الأمريكية في كوريا يبين مدى ضعف دور سلطات كوريا الجنوبية في ممارسة السيادة على أراضيها كاملة، و يبين أيضا مدى توسع الفجوة بين النظرية والواقع، حيث قام بين 1967-1987 أكثر من 45 ألف من أفراد القوات الأمريكية بخرق قوانين كوريا الجنوبية، فلم يقدم إلا 325 من هؤلاء إلى المحاكم الكورية، لأن السلطات الأمريكية عرقلت في الحالات الأخرى تسليمهم إلى السلطات الكورية، أو سهلت لهم مغادرة الأراضي الكورية قبل إكمال التحقيقات، بالرغم من أن بعض الخروقات كانت تتعلق بحوادث قتل و جرائم كبرى أخرى.
وبالنسبة لتطبيق قانون العمل الكوري الجنوبي على العاملين الكوريين في القواعد الأمريكية، فان السبب هو عدم حماية هذه القوانين لحقوق العمال بصورة مرضية، بعكس القوانين الأمريكية، ولذا فإن ظاهرة استغلال العمال الكوريين في القواعد الأمريكية كانت منتشرة، وفى بعض الحالات تم استغلال النساء العاملات لأغراض الدعارة داخل هذه القواعد.
وبالنسبة للسيادة المطلقة التي تمارسها السلطات الأمريكية على قواعدها في كوريا الجنوبية، فهي تتعارض أيضا مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحق الشعوب في السيادة على أراضيها، وبالإضافة إلى تشكيل هذه القواعد خطرا على بيئة كوريا الجنوبية لأنها تضم أيضا أسلحة نووية تكتيكية.
التجربة الألمانية
ألمانيا الاتحادية كونها دولة أوربية حالتها تختلف تماما عن حالة الدولتين الآسيويتين اليابان وكوريا الجنوبية، إذ أن الاتفاقيات العسكرية الألمانية مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو، تضمن للسلطات الألمانية حقوقا متساوية بحيث تمارس السلطات الألمانية سيادتها حتى داخل القواعد العسكرية الأمريكية، وخروقات القوانين الألمانية من قبل أفراد القوات الأمريكية لا تتعدى المعدل العادي، ويتم إحالة كل حالة إلى المحاكم الألمانية ولا امتيازات للقوات الأجنبية في ألمانيا الاتحادية على حساب المواطنين الألمان، ولا يحق لهذه القوات التدخل في الشؤون الداخلية لألمانيا.
وجود القوات الأمريكية على الأراضي الألمانية يعود تاريخه أيضا إلى الحرب العالمية الثانية، حيث احتلت القوات الأمريكية والسوفيتية والبريطانية والفرنسية، الأراضي الألمانية وبقت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، في ألمانيا بعد الحرب بموجب اتفاقية أبرمتها مع ألمانيا في 26-5-1952، فيما انفصلت ألمانيا الديمقراطية آنذاك عن ألمانيا الاتحادية، وأنشأ الاتحاد السوفييتي آنذاك قواعد عسكرية على أراضيها.
وهناك الآن حوالي مائة ألف من الأفراد التابعين للقوات الأمريكية، موزعين على تسع قواعد عسكرية رئيسية، وألمانيا الاتحادية تساهم سنويا بما يقارب مليار دولار لإدامة هذه القواعد.
وفيما يتعلق بالوجود السوفييتي في ألمانيا الشرقية، فإن القوات السوفيتية انسحبت من الأراضي الألمانية بين 1990-1994 بعد توحيد شطري ألمانيا حسب اتفاقية أبرمت بين البلدين.
من أهم بنود اتفاقية 1952 هي: هدف الاتفاقية هو خدمة السلم وإعادة السيادة الكاملة إلى ألمانيا الاتحادية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
المادة 1 ألمانيا الاتحادية هي دولة ذات سيادة كاملة داخليا وخارجيا، وبنود هذه الاتفاقية لا تمثل إلا استثناء من هذه السيادة.
المادة 2 تنص على شرعية وجود قوات الدول الثلاث على الأراضي الألمانية حسب هذه الاتفاقية.
المادة 4 لا يجوز للدول الثلاث (أمريكا وفرنسا وبريطانيا) أن تمركز قوات دول أخرى على أراضى ألمانيا الاتحادية، إلا بأذن مسبق من حكومة ألمانيا الاتحادية.
تم تعديل هذه الاتفاقية سنة 1990 بحيث يمكن لكل الأطراف الانسحاب من هذه الاتفاقية بعد سنتين من إعلام الأطراف الأخرى بقرار الانسحاب.
وفيما يتعلق بالوضعية القانونية للقوات الأمريكية في ألمانيا الاتحادية، فان الدولتين قامتا بإبرام اتفاقية خاصة بهذا الشأن عام 1963، تم تعديلها لحد الآن عدة مرات في سنوات 1971 و 1981 و 1993، لتتواكب مع التغيرات على الساحة الداخلية والدولية.
هذه الاتفاقية تضم 83 مادة تنظم كل شئ من حماية البيئة إلى شروط حمل السلاح بعكس، الاتفاقيتان المبرمتان بين أمريكا وكلا من اليابان وكوريا الجنوبية، مما يدل على التمييز الواضح بين التعامل الأمريكي مع الأوروبيين وغير الأوروبيين.
من أهم بنود هذه الاتفاقية:
المادة 11 لا يجوز للقوات الأمريكية حمل السلاح خارج قواعدها إلا بأذن خاص من السلطات الألمانية المختصة.
المادة 12 لا يجوز لهذه القوات استعمال السلاح إلا في حالات الدفاع عن النفس.
المادة 20 لا يجوز للقوات الأمريكية إلقاء القبض على أفراد من غير قواتها، وإذا اضطرت القيام بعمل كهذا يجب عليها تسليم المعتقلين مباشرة إلى السلطات الألمانية.
المادة 22 للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي داخل قواعدها وعلى أفرادها، وللسلطات الألمانية الاختصاص الجنائي خارج هذه القواعد، ويحق للسلطات الألمانية اعتقال أفراد القوات الأمريكية في الحالات الضرورية.
المادة 28 يحق للشرطة الألمانية ممارسة اختصاصاتها داخل القواعد العسكرية الأمريكية، في حالات وجود خطر تهديد الأمن العام لألمانيا الاتحادية.
المادة 30 يتم تشكيل لجان مشتركة لغرض مراقبة تطبيق بنود هذه الاتفاقية.
المادة 54 على السلطات الأمريكية التقيد بقواعد حماية البيئة الألمانية داخل و خارج قواعدها.
المادة 81 لكلا الطرفين حق الانسحاب من هذه الاتفاقية بعد سنتين من إعلام الطرف الآخر بقرار الانسحاب و بعد المشاورات بين الجانبين.
خلال إلقاء نظرة تحليلية على الاتفاقيات العسكرية الألمانية الأمريكية، نرى كيف أن أمريكا تتعامل مع الدول الأوربية على قدم المساواة بعكس علاقاتها العسكرية مع الدول غير الأوربية، بحيث تتحدث ديباجة الاتفاقية العسكرية مع ألمانيا لسنة 1952 عن السيادة الكاملة لألمانيا، وعن عدم التدخل في شؤونها الداخلية، ولا نجد ذكر لمبدأ كهذا في الاتفاقيات المبرمة مع كل من اليابان و كوريا الجنوبية.
والفجوة في المعاملة هذه تتوسع أكثر بين الحالة الألمانية وحالة كل من اليابان وكوريا الجنوبية، إذا قمنا بمقارنة الاتفاقية الألمانية المختصة بالوضع القانوني للقوات الأمريكية في ألمانيا الاتحادية، مع الاتفاقيتين المتشابهتين بين أمريكا وكل من اليابان وكوريا الجنوبية، خاصة فيما يتعلق بممارسة الشرطة الألمانية لاختصاصها داخل القواعد الأمريكية، وعدم جواز حمل السلاح من قبل القوات الأمريكية خارج قواعدها إلا بأذن مسبق من السلطات الألمانية، وكما أن للسلطات الألمانية حق إلقاء القبض على أفراد القوات الأمريكية، بعكس حالتي اليابان و كوريا الجنوبية حيث يبقى المتهمين الأمريكيين في قبضة السلطات الأمريكية داخل قواعدها، إلى حين تقديمهم إلى المحاكم مما يسهل عملية إعاقة جمع الأدلة ومغادرة هؤلاء للأراضي اليابانية أو الكورية.
الجديد في الحالة الألمانية هو أيضا ملازمة القوات الأمريكية بالتقيد بقواعد حماية البيئة في ألمانيا.
ولعل في هذه المقارنة درس للعراق، حيث أن العراق هو الآن في مرحلة تنظيم الوضع القانوني للقوات الأجنبية على أراضيها، من أجل تحديد التزاماتها اتجاه العراق إلى حين تكمل انسحابها من العراق، حسب جدول زمنى متفق عليه بين الحكومة العراقية و الأطراف المعنية.

مستقبل القوات الأمريكية في العراق
يبدو من الوهلة الأولى بأن هناك تشابهاً بين الحالة العراقية وحالة كل من اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا، حيث دخلتها القوات الأمريكية دون إذن مسبق من حكوماتها، ومع هذا فإن الحالة العراقية تختلف بالكامل عن حالات الدول الثلاث. ففيما يتعلق بالحالة الألمانية واليابانية فإن القوات الأمريكية احتلتهما بعدما هاجمتا أمريكا، واحتلتا الكثير من دول العالم إبان الحرب العالمية الثانية، ولكن لم يكن هذا هو الحال مع احتلال العراق من قبل القوات الأنجلو-أمريكية سنة 2003، إذ أن النظام العراقي السابق بعد احتلاله للكويت آب 1990 تم طرده من الكويت فيما بعد بقرار دولي، اشتركت في تنفيذها قوات دولية وبالأخص القوات الأمريكية، ولكن النظام استمر في الحكم بعد اعتدائه هذا بعكس اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
ولا تشبه الحالة العراقية الحالة الكورية بالضبط، إذ أن القوات الأمريكية دخلت الأراضي الكورية الجنوبية عام 1951 بتفويض دولي، من خلال قرار مجلس الأمن رقم 83 الصادر في 27-6-1950، بعدما تعرضت أراضى كوريا الجنوبية لهجوم من قبل قوات كوريا الشمالية، ولكن في الحالة العراقية لم يكن هناك تفويض دولي لدخول القوات الأجنبية للعراق.
فالاحتلال الأنجلو-أمريكى للعراق كان عملاً استعمارياً مباشراً، مخططاً له منذ زمن بعيد للاستيلاء على ثروات العراق وفرض الهيمنة الأجنبية على شعبه لأسباب عنصرية، لأن كل احتلال هو عمل عنصري وكذلك كاستجابة لضغوط كانت تتعرض لها الإدارة الأمريكية من قبل بعض جماعات الضغط العنصرية.
القرار الأنجلو-أمريكى بتغيير وضعهما القانوني من المحررين إلى المحتلين، كان بمثابة إهانة كبيرة لشعب بكامله وإن قوات الدولتين في العراق شعرتا بالأثر الذي خلفته هذه الإهانة على العراقيين، حيث ازدادت أعمال العنف والمقاومة ضد الاحتلال بحيث اضطرت الدولتان إلى التراجع عن قرارهما هذا، وطالبتا مجلس الأمن تغيير وضعهما القانوني من قوات محتلة إلى قوات متعددة الجنسيات تساعد على ضبط الأمن في العراق، وبالفعل صدر قرار مجلس الأمن رقم 1546 في 8-6-2004 الذي أكد في ديباجته على سيادة واستقلالية العراق، وكذلك أكد في فقرته الثانية على انتهاء احتلال العراق رسميا،ً ولكن الاحتلال بقى من الناحية العملية من خلال وجود عشرات الألوف من القوات الأمريكية، وقوات دول أخرى تتصرف في العراق كما تشاء.
صحيح بأن هذه القوات تتمتع الآن بتفويض دولي حسب الفقرة التاسعة من قرار مجلس الأمن 1546، ولكن التفويض هذا سينتهي حسب الفقرة الثانية عشرة من نفس القرار في موعد أقصاه 31-12-2005، وحتى قبل هذا الموعد يحق للحكومة العراقية مطالبة القوات الأجنبية بمغادرة العراق.
ولعله من البديهي أن أمريكا تبذل الآن قصارى جهدها للوصول إلى اتفاقية دولية مع الحكومة العراقية المنتخبة، تمنح بموجبها القوات الأمريكية قواعد لها في العراق ،أي بمعنى آخر إدامة الاحتلال تحت تسميات أخرى كالتعاون العسكري بين البلدين أو قوات حفظ السلام مثلا.

كيف تعقد الحكومة العراقية الاتفاقات الدولية؟
قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وضع شروطاً واضحة حول إجراءات عقد الاتفاقات الدولية:
المجلس الوطني المنتخب يقوم أولاً بانتخاب مجلس الرئاسة المكون من ثلاثة أعضاء ورئيس الوزراء وأعضاء المجلس الوزاري، والمجلس الوطني نفسه هو السلطة الوحيدة لإبرام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية حسب المادة 32 فقرة (و) من قانون الإدارة، و حسب المادة 39 فقرة (أ) يقوم مجلس الوزراء بموافقة مجلس الرئاسة، بتعيين ممثلين لغرض التفاوض على عقد معاهدات واتفاقيات دولية. و بعد الانتهاء من مسودة المعاهدة يقوم مجلس الرئاسة بالتوصية بإصدار قانون من المجلس الوطني للمصادقة على هذه المعاهدة، والمجلس الوطني حسب المادة 33 فقرة (أ) يتخذ قراراته بالأغلبية البسيطة، ما عدا بعض الحالات. و هذا يعنى بأن أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أمريكا يمكن التصديق عليها من قبل المجلس الوطني المنتخب بالأغلبية البسيطة لكي تصبح ملزمة للعراق. فمثلاً لو صوت 101 عضواً من أعضاء المجلس الوطني لصالح هذه الاتفاقية و صوت 99 منهم ضده وامتنع 75 منهم عن التصويت، فإن الاتفاقية تعتبر سارية المفعول بفرق صوت واحد فقط. و كما أن الدور الرئيسي في صياغة مسودة هذه الاتفاقية، لا يلعبه المجلس الوطني بل الممثلون المعينون من قبل مجلس الوزراء للتفاوض بشأن الاتفاقية، وهؤلاء يكونون عادة من خبراء القانون. فدور المجلس الوطني يقتصر على التصديق على هذه الاتفاقية فقط لإضفاء الشرعية عليها. ولذا فإن مضمون وشكل الاتفاقية العسكرية مع أمريكا يتوقف بالدرجة الأولى على شخصية وهوية ومهارة ونزاهة ووطنية الممثلين المعينين من قبل مجلس الوزراء، للتفاوض مع الأمريكيين وبعد تفكيرهم الإستراتيجي وإلا لكان بإمكانهم إيقاع العراق بفخ الوجود العسكري الأجنبي إلى الأبد، وتحت شروط قاسية كما رأينا في الحالة اليابانية و الكورية.
والمجلس الرئاسي يلعب هنا دوراً رئيسياً أيضا،ً إذ يقوم هو أولاً بقبول مسودة الاتفاقية ثم بتوصية المجلس الوطني بالمصادقة عليها لكي تصبح قانوناً، وكما هو معلوم فإن المجلس الرئاسي يتخذ قراراته بالإجماع حسب المادة 36 فقرة (ج) من قانون إدارة الدولة، ولذا يقع واجب وطني ومصيري عظيم على عاتق المجلس الرئاسي وإن التاريخ سوف لا يغفر لأحد. وإلا فإن الشعب العراقي سوف يتصدى لأي اتفاقية عسكرية مع أمريكا لا تضمن انسحاب هذه القوات من الأراضي العراقية، بأسرع وقت ممكن وحسب جدول زمني متفق عليه، وإن التصدي الباسل للشعب العراقي للاتفاقية العسكرية البريطانية-العراقية في العهد الملكي هو خير مثال على ذلك، حيث أطاح هذا الشعب بهذا النظام التابع للاستعمار البريطاني عام 1958 وإلى الأبد، وسيطيح بأي نظام آخر تابع للسيطرة الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
الشروط التي يجب توفرها في الاتفاقية العسكرية العراقية-الأمريكية المقبلة
يبدو أنه لا محال من عقد اتفاقيات مع أمريكا، وربما دول أخرى تتواجد قواتها الآن في العراق، لتنظيم الوضع القانوني لهذه القوات، وتحديد فترة زمنية محددة لاستكمال انسحاب هذه القوات من العراق. وإن موضوع وجود قوات أجنبية على أراضى دولة ما هو موضوع حساس جداً، لكون هذه القوات مصدر تهديد دائم على أمن وسيادة وسلامة الدولة، كما كان الحال مع القوات البريطانية التي كانت تتواجد في العراق حسب اتفاقية ثنائية مع الحكومة العراقية في العهد الملكي، ولكن بالرغم من وجود هذه الاتفاقية قامت القوات البريطانية بإعادة احتلال العراق سنة 1941، وهذا الخطر سيبقى موجوداً في العراق مستقبلاً في ظل وجود أي قوات أجنبية في العراق حتى لو كان خلال اتفاقية دولية. وبسبب حساسية هذا النوع من الاتفاقيات والأخطار التي يمكن أن تنجم عنها على سيادة العراق وكرامة شعبه، يجب الاستفادة من تجارب دول أخرى مرت يوما ما بمرحلة مشابهة للمرحلة العراقية الحالية.
و من خلال تحليل التجربة اليابانية والكورية والألمانية نرى بأنه يجب توفر الشروط التالية كحد أدنى في أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أمريكا:
1-الهدف الرئيسي وراء عقد الاتفاقية يكون تحديد جدول زمني لخروج القوات الأجنبية من العراق، وليس بقاء هذه القوات حيث أنها تواجه كراهية واسعة من قبل الأكثرية الساحقة للشعب العراقي.
2-إبرام الاتفاقية يأتي بطلب من الطرف الأجنبي وليس من العراق، لأن ولاية القوات الأجنبية ستنتهي على كل حال نهاية عام 2005 حسب قرار مجلس الأمن رقم 1546، وإن العراق ليس بحاجة إلى هذه القوات بل بالعكس فهي تشكل عاملاً لعدم الاستقرار في العراق ورمزاً لإهانة العراقيين، وإذا رغبت هذه القوات بمغادرة العراق واستطاع الأمريكيون وغيرهم استكمال سحب قواتهم من العراق، قبل الفترة المحددة في قرار مجلس الأمن فالعراقيون سيساعدونهم على الخروج من العراق بأسرع وقت ممكن.
3-أي اتفاقية عسكرية عراقية يجب أن تطرح مسودتها على الشعب للاستفتاء عليها.
4-يجب أن يكون من الممكن إنهاء العمل بالاتفاقية من طرف واحد وبعد شهر واحد من إعلام الطرف الآخر بقرار الإنهاء.
5-القوات الأجنبية وإلى حين استكمال انسحابها تخضع لسيادة عراقية كاملة.
6-السلطات العراقية تمارس الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأجنبية خارج قواعدها وداخل قواعدها في حالة خرقها للقوانين العراقية.
7-لا يجوز لهذه القوات حمل السلاح خارج قواعدها إلا بإذن مسبق من السلطات العراقية.
8- يمنع تخزين أسلحة الدمار الشامل في العراق.
9-لا يجوز لهذه القوات استعمال الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار أو دول أخرى.
10-لا تمارس القوات الأجنبية اختصاصها على العراقيين ولا يجوز لهذه القوات اعتقال أي عراقي.
11-لا يجوز للقوات الأجنبية في العراق استعمال السلاح إلا في حالات الضرورة القصوى.
12-دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى العراق يخضع إلى مراقبة عراقية.
13-لا يجوز استعمال القواعد لتوجيه وسائل إعلامية يصل مداها إلى خارج قواعد هذه القوات.
14-السلطات العراقية تكون مسؤولة عن أمن هذه القوات خارج قواعدها.
15-يتم تحديد مواقع تواجد هذه القوات في أماكن غير مأهولة بالسكان كالمناطق الصحراوية نظراً لوجود حساسيات بين هذه القوات والشعب العراقي و لضمان حمايتهم من هجمات الجماعات المسلحة.
16-شرطة البيئة العراقية تمارس نشاطاتها داخل هذه القواعد لضمان سلامة استعمالها و عدم تشكيلها خطراً على صحة العراقيين.
17-يحق للسلطات العراقية اعتقال إفراد القوات الأجنبية في العراق وتقديمهم إلى المحاكمة في حال خرقهم للقوانين العراقية.
18-السلطات العراقية لا تتحمل تكاليف إدامة وصيانة هذه القواعد.
19-تسلم القوات الأجنبية كافة المسجونين لديها من غير أفراد قواتها إلى السلطات العراقية.
20-لا يجوز لأي عراقي أو غير عراقي ماعدا أفراد هذه القوات العمل داخل هذه القواعد إلا بإذن مسبق من السلطات العراقية.
21-على القوات الأجنبية أن تحترم القوانين والأعراف والتقاليد السائدة في العراق وتستفيد من الممتلكات العامة بمسؤولية.
22-لا تتمتع القوات الأجنبية في العراق بأي امتيازات مقابل المواطنين العراقيين كالأولوية في استعمال الطرق والاستفادة من الخدمات الأساسية.
23-يتم تزويد هذه القوات بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء مقابل أجور يتفق عليها الجانب العراقي مع الجانب الأجنبي.
24-لا يجوز لهذه القوات التدخل في الشؤون العراقية بأي شكل من الأشكال.
هذه هي شروط يجب توفرها في أي اتفاقية عسكرية مع أمريكا أو غيرها في العراق، وإلا فسيعود القرار للشعب، والشعب لا يرحم ، وتاريخ الشعوب من فيتنام إلى فلسطين وإلى كردستان خير شاهد على ذلك.
***
الملحق الرقم (12)
تقرير دولي حذر من تصاعد المواجهات العرقية في الموصل وكركوك
القدس العربي: 20/ 2/ 2004م: جنيف ـ من روبرت ايفانز: قال تقرير أعد تحت رعاية الأمم المتحدة أمس إن نحو مئة ألف عربي فروا من شمال العراق المختلط عرقيا. وحذر التقرير الذي أصدره المشروع العالمي للمشردين داخليا من أن العودة غير المنظمة لآلاف الأكراد إلى الموصل وكركوك الغنيتين بالنفط من شأنها أن تؤجج التوترات الملتهبة حيث يحتج العرب والتركمان على النفوذ السياسي المتزايد للأكراد. وقال التقرير إن العرب غادروا مناطق حول كركوك والموصل إما كنتيجة مباشرة لعودة نحو 30 الف كردي إلى الآن أو خوفا من هجمات انتقامية . ويعيش كثير من المشردين العرب الآن شمال بغداد في معسكرات للجيش ومبان عامة مهجورة دون رعاية صحية كافية أو كهرباء أو مياه نظيفة.
ويقول قادة أكراد إن كركوك مدينة كردية ويجب أن تكون جزءا من إقليم كردي في عراق اتحادي. وأضاف جوهانسن في بيان إن فرض حكم القانون في العراق وتطبيق نظام فعال لتسوية المنازعات العقارية يمثلان تحديين رئيسيين لابد من أن تتصدى لهما السلطات الحالية .
وقال التقرير إذا حدثت تحركات كبيرة لعودة الأكراد فمن المرجح أن تتفاقم توترات متأججة بالفعل بين الجماعات العرقية في المنطقة وتؤدي لمزيد من التشريد .
***
الملحق الرقم (13)
التقرير الكامل لبعثة الأمم المتحدة تقصي الحقائق في العراق:
تخوف من ترسّخ النزعة الطائفية وتأييد ضمني لعقد مؤتمر وطني
المستقبل - الاربعاء 25 شباط 2004 - العدد 1531 - بغداد ـ عصام العامري
فيما يأتي النص الكامل لتقرير الأخضر الإبراهيمي الذي رأس بعثة تقصي الحقائق إلى العراق بين السادس والثالث عشر من شباط العام 2004.
أولا ـ مقدمة :
1 ـ أوفد الأمين العام إلى العراق بعثة لتقصي الحقائق من 6 إلى 13 شباط 2004. وجاءت هذه المبادرة متابعة للاجتماع الذي عقد في نيويورك في 19 كانون الثاني 2004 مع مجلس الحكم العراقي وسلطة التحالف الموقتة، واستجابة لطلب الطرفين، فضلا عن طلب كثير من المنظمات والشخصيات العراقية، بينها آية الله علي السيستاني، وهو من رجال الدين الشيعة الكبار.
2 ـ كان على رأس بعثة تقصي الحقائق وكيل الأمين العام الأخضر الإبراهيمي، المستشار الخاص للأمين العام، وضمت سبعة أعضاء بينهم خبراء في الشؤون الانتخابية من إدارة الشؤون السياسية (انظر تكوين لجنة تقصي الحقائق التذييل الأول).
3 ـ اجتمعت البعثة خلال زيارتها للعراق، مع عدد كبير جدا من العراقيين، ومنهم زعماء سياسيون (سواء من الممثلين في مجلس الحكم أو من الموجودين حاليا خارج العملية السياسية) وزعماء دينيون وزعماء قبائل، ومنظمات غير حكومية ومجموعات نسائية ورابطات مهنية ومنظمات لحقوق الإنسان، وصحافيون، وأكاديميون.
كما اجتمعت البعثة مع مجلس الحكم والسفير بول بريمر رئيس سلطة التحالف الموقتة، والسفير سير جيريمي غرينستوك، ممثل المملكة المتحدة الخاص للعراق.
وفي عمّان، اجتمعت البعثة مع الممثل الخاص الموقت للأمين العام روس ماونتن وبعدد من أعضاء فريقه. كما حضر وفد من الأمم المتحدة يضم كلا من السفير الإبراهيمي وروس ماونتن وجمال بنعُمر اجتماع وزراء خارجية البلدان المجاورة للعراق (الكويت 14 ـ 15 شباط 2004)
4 ـ تود بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن تعرب عن تقديرها لما لقيت من ترحيب من العراقيين جميعا ولما أبدوه من استعداد للاجتماع بالفريق وللوقت الذي كرسوه لمناقشة الأفكار والخيارات المتعلقة بأفضل سبيل للتقدم في العراق. كما تود البعثة أن تعرب عن شكرها لمجلس الحكم ولسلطة التحالف الموقتة على حسن الضيافة وعلى ما قدماه من دعم للبعثة في ما يتعلق بالتنقل والإقامة والأمن.
الأسباب الأمنية:
5 ـ لم تمكّن القيود الأمنية البعثة من السفر خارج بغداد بالقدر الذي كانت ترغب فيه. والواقع أن الاتصال بالعراقيين وتنظيم الاجتماعات معهم، حتى في العاصمة، كان يمثل تحديا للأسباب الأمنية نفسها. ومع ذلك، تمكن الفريق من تبيان آراء قطاع واسع من العراقيين. كما تمكن الجانب التقني من البعثة من إجراء نقاشات مسهبة مع فرق من الخبراء والأكاديميين العراقيين وأعضاء الأحزاب السياسية العراقية ممن اضطلع ببحوث حول جدوى إجراء الانتخابات في ظل الأحوال الراهنة.
6 ـ على أساس هذه المناقشات الواسعة، تمكنت البعثة من التوصل إلى فهم للبيئة السياسية والتطورات السياسية الأخيرة المتعلقة بالنقاش الجاري حول انتقال الحكم، وتشكيل رأي حول المسائل المحددة التي طُلب من البعثة دراستها. وعلى مختلف جوانب الطيف السياسي والاجتماعي، كان هناك إجماع يكاد يكون تاما على وجوب عمل الأمم المتحدة كميسّر لهذه العملية، بحيث تقدم المساعدة التقنية عند الحاجة إليها وتساعد على تشكيل توافق آراء حول المسائل المختلفة المطروحة للنقاش.
ثانيا ¬ الحال الراهنة في العراق:
7 ـ دلّل الهجومان المدمران على قوات الشرطة والأمن العراقية، اللذان حصلا أثناء زيارتنا، على أن التمرد مستمر في تهديد أمن جميع العراقيين. ولا يُعرف الكثير عن الجهات خلف هذه الهجمات، لكنها على ما يبدو مصممة على تعطيل أي خطط لإعادة بناء عراق يسوده الاستقرار والسلام. ومع ذلك، بدأنا في ملاحظة أوائل نشاط سياسي حزبي من شأنه أن يؤدي إلى تفاعلات جديدة بين النخب السياسية والطوائف المختلفة. ومن الواضح تماما أن الوضع الأمني مرتبط بصورة لا تنفصل عن التطورات السياسية.
8 ـ هناك مؤشرات كثيرة تدل على تزايد تجزؤ الطبقة السياسية. فالنزعة الطائفية آخذة في الترسخ كما أن التعارض السياسي بين الطوائف المختلفة أصبح أكثر قطبية، وهذا كله في سياق عملية سياسية لا تزال مقتصرة على عدد ضئيل من العناصر الفاعلة التي تتباين صدقيتها. ويجري هذا التنافس على مستوى النخبة على خلفية من البطالة المتفشية على أوسع نطاق خصوصا بين الشباب الذكور. كذلك تحدث كثير من المشاركين في الاجتماعات عن تزايد الغضب وخيبة الأمل. ومع هذا كله، وبسبب حجم الأخطار التي تتهدد البلاد، يبقى العراق مكانا مفعما بالحياة مليئا بالأفكار والجدل السياسي. وقد تلقينا من العراقيين العديد من المقترحات والأفكار التي تراوح بين إعادة نظام الحكم الملكي كحل للأزمة، وعقد مؤتمر لزعماء القبائل بهدف تشكيل حكومة، وتنظيم مؤتمر وطني أو طاولة مستديرة وطنية لوضع اتفاق بين أهم العناصر الفاعلة، وتشكيل حكومة مؤقتة من الفنيين التكنوقراطيين تكون محدودة السلطات.
موقف السنة والشيعة :
9 ـ على أن هناك أيضا شعورا بالخطورة التاريخية للحالة الراهنة. وتوجد تصورات في الطائفة السنيّة وفي النخبة العلمانية بأنهما تشهدان تحولا حاسما في ميزان القوى سيجعلهما في موضع الخسارة في إطار الترتيبات السياسية الجديدة التي يجري العمل على وضعها. ويراود كثير من طائفة الشيعة شعور بالمسؤولية عن تفادي تكرار أحداث عام 1922 التي يعتبرونها بداية لتجريدهم من سلطتهم واضطهادهم. وهم مصممون على تصحيح هذا الوضع وتأمين تحرير طائفة الشيعة سياسيا. ويدرك آخرون من الطائفة الكردية أن الأكراد حققوا عددا من المكاسب خلال عقد الثمانينات وبعد حرب الخليج الأولى لكنهم يتخوفون من أن الترتيبات الجديدة ستكون على حساب ما يتمتعون به حاليا. وفي الوقت نفسه، تشعر فئات الأقليات أن من شأن نظام قائم على حكم الأكثرية أن يعرضها لوضع غير مؤات إطلاقا، فيما يساور القلق المجموعات النسائية من أن ما حققته من مكاسب في ظل النظام العلماني السابق يتعرض الآن للتهديد جراء نظام جديد تسيطر عليه أحزاب دينية الأساس. ومن المؤشرات على ذلك القرار الذي اتخذه مجلس الحكم العراقي في كانون الاول 2003 والقاضي إبطال قانون الأحوال المدنية وإخضاع قانون الأسرة لاختصاص الكيانات الدينية. ومع أن هذا القرار لم يتحول إلى قانون فإن النساء يعتبرنه نذير شؤم بما هو قادم.
10 ـ هذه التطورات كلها إنما تخلق في وقت واحد التوقعات والمخاوف والتوترات وانعدام الثقة. وهناك ما يدعو الى الأمل أن التفاعلات السياسية في العراق يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة لبناء توافق آراء حول نظام جديد لحكم شامل لجميع الفئات يلبي مطامح التحرر السياسي والتمكين، على أن يقدم في الوقت نفسه ضمانات هيمنة الأكثرية على العمليات السياسية وأن يحمي حقوق الأقليات وفئات الهويات الأخرى في إطار كيان وطني. ولكن إذا لم تتمكن العناصر الفاعلة، سواء العراقية أو غير العراقية، من التصدي العاجل للمسائل الأشد إلحاحا، بما في ذلك الوضع الأمني، فإن التوترات الكامنة يمكن أن تغذي الامكانات القائمة فعلا لإثارة النزاع المدني والعنف. ويتعين على الجميع أن يعملوا بدأب لمنع تصعيد العنف بين الطوائف المختلفة والإسهام في العملية البطيئة الشاقة لبناء الثقة ولخلق القوة الدافعة لتعاون متواصل.
ثالثا ـ اتفاق 15 تشرين الثاني وعملية انتقال الحكم :
11 ـ تقف الحال السياسية في العراق على مفترق طرق آخر. ففي 15 تشرين الثاني 2003 وقّعت سلطة التحالف الموقتة ومجلس الحكم على اتفاق حول العملية السياسية الرامية إلى تعجيل وتأثر نقل السيادة من سلطة التحالف المؤقتة إلى إدارة عراقية بحلول نهاية حزيران 2004 وقد شكلت التطورات السياسية التي نشأت عن هذا الاتفاق السياق الذي أوفدت فيه بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق.
12 ـ وحدد اتفاق 15 تشرين الثاني الشروط المؤدية إلى حلّ سلطة التحالف الموقتة إلى تولي السلطة من جانب جمعية انتقالية جديدة وحكومة موقتة. غير أن شخصيات عراقية رئيسية، بينها أعضاء في مجلس الحكم نفسه، وعددا من الفئات السياسية والدينية أعربوا عن معارضتهم لاتباع نموذج المجمعات المحلية المقترح أساسا لاختيار أعضاء الجمعية الانتقالية. وطالب كثيرون، ومنهم آية الله السيستاني بإجراء انتخابات عامة مباشرة وتحدثوا عن امكان تنظيم انتخابات تتمتع بقدر معقول من الصدقية قبل 30 حزيران 2004.
13 ـ مع أن شرعية وقانونية اتفاق 15 تشرين الثاني كانت موضع التشكيك لدى كثير من العراقيين، فإنه من الجدير بالذكر أن معظم العراقيين الذين استشارتهم البعثة أكدوا أن الاتفاق يلبي رغبات الشعب العراقي في عملية انتقالية سريعة تؤدي إلى إقامة حكومة موقتة واستعادة العراق سيادته وحلّ سلطة التحالف الموقتة. وأُعرب عن تحفظات قوية إزاء بعض الأحكام الواردة في الاتفاق. على أن النقاش استُقطب حول مسألة الانتخابات مما ولّد توترات حادّة لا بد من التصدي لها قبل التمكن من الدخول في مناقشة هادفة حول المسائل الموضوعية ذات الأهمية القصوى التي لا تزال عالقة.
عشرات الأسئلة :
14 ـ يدخل في عداد هذه القضايا أسئلة مثل: ما الذي يتعين أن يتضمنه القانون الأساسي الذي يجري العمل حاليا على صياغته؟ ما المؤسسات التي ينبغي إنشاؤها خلال الفترة البينية؟ ما الصيغة الاتحادية التي ينبغي اعتمادها ومتى ينبغي أن يتم ذلك؟ ما السلطات التي ينبغي أن تتمتع بها الحكومة الموقتة بعد 30 حزيران 2004؟ ما العلاقات التي ينبغي أن تقوم بين الجمعية الوطنية المنصوص عليها في الاتفاق وبين الجمعية الدستورية التي ستنتخب في اذار 2005؟ ما وضع قوات التحالف بعد 30 حزيران 2004؟ . وليست هذه إلا قلّة من عشرات الأسئلة التي لا يمكن تناولها بصورة سليمة إلا بعد بت مسألة الانتخابات.
الهيكل السياسي :
15 ـ مع ذلك، فإن الاتفاق يتضمن تفاصيل محددة تنص على أحكام رئيسة في القانون الأساسي وتلزم مشرعي المستقبل. وتحديدا، سيقوم مجلس الحكم بصياغة القانون الأساسي على أساس تشاور وثيق مع سلطة التحالف الموقتة. وبموجب اتفاق 15 تشرين الثاني، ينبغي أن يتضمن القانون الأساسي "نطاق وهيكل الإدارة الانتقالية العراقية المتمتعة بالسيادة"، كما أن ما يتفق عليه مجلس الحكم وسلطة التحالف الموقتة "لا يمكن أن يعدّل". كذلك، فإن القانون الأساسي سيحدد يهيئات الهيكل الوطني" و"العملية التي يتم بموجبها اختيار الأشخاص لعضوية تلك الهيئات" و"المعايير المحددة للمرشحين" وهي هيئات يمكن أن تتضمن أعضاء مجلس الحكم. وسيتم عمليا وضع مشروع دستور موقت كما سيتم إقراره من قبل مجلس الحكم مع سلطة التحالف الموقتة. وقد لاحظ بعض العراقيين أن مجلس الحكم يتمتع بسلطة تحديد هيكل الهيئات السياسة الوطنية وسيكون هناك تضارب مصالح واضح إذا كان أعضاء المجلس هم أنفسهم الذين يضعون معايير مشاركتهم في هذه المؤسسات التي ستنشأ في المستقبل.
16 ـ إضافة الى ذلك، يشير الاتفاق إلى دولة عراقية فيدرالية وتحديد السلطات التي تمارسها الكيانات المركزية والكيانات المحلية والفصل بين هذه السلطات، كما يتطرق إلى شرعة للحقوق تشير أيضا إلى الهيئة التشريعية وآلية للمراجعة القضائية وموعد لانتهاء الصلاحية، وكلها مسائل لم تُناقش ولم يُتفق عليها لا على مستوى الشعب العراقي ولا على مستوى ممثليه المنتخبين. وعلى الرغم من أن الاتفاق يقول ان الجدول الزمني سيحدد في القانون الأساسي، فإن الاتفاق نفسه يحدد مواعيد أساسية في العملية، بحيث يتم إقرار القانون الأساسي بحلول 28 شباط 2004، وإجراء انتخابات الجمعية الانتقالية بحلول 31 ايار 2004، والاعتراف بهذه الجمعية وحلّ سلطة التحالف المؤقتة بحلول 30 حزيران 2004، وإجراء انتخابات المؤتمر الدستوري بحلول 15 اذار 2005، وإجراء انتخابات الحكومة الوطنية بحلول موعد نهائي هو 31 كانون الاول 2005.
الترتيبات الأمنية الثنائية:
17 ـ كما يتضمن الاتفاق جزءا حول ترتيبات أمنية غير محددة تعطي "حرية تصرف كبيرة" لقوات التحالف لأغراض توفير الأمن. ومما له أهمية كبرى أن هذا الجزء من الاتفاق يلزم الحكومة الموقتة التي ستقام في المستقبل باتفاقات غير معروفة بعد بين سلطة التحالف المؤقتة ومجلس الحكم. وقد شدد معظم العراقيين الذين تم لقاؤهم أثناء البعثة على أنه لا يمكن إلا لحكومة انتقالية شرعية أو حكومة منتخبة أن توافق على أي ترتيبات أمنية ثنائية مع التحالف. وهم يعتبرون أن أي اتفاق خلاف ذلك إنما هو اتفاق غير مشروع ويوحي بأن عملية التوصل إلى اتفاقات أمنية لن تكون خاضعة لا للشفافية ولا للمساءلة.
18 ـ يخصص الاتفاق اهتماما كبيرا بإقامة جمعية وطنية انتقالية، وهي هيئة تشريعية، ستُنقل إليها سيادة العراق. أما بالنسبة للحكومة الموقتة، فإن أعضاء الجمعية الوطنية ينتخبون فرعا تنفيذيا كما يعينون الوزراء. ولا توجد أي تفاصيل حول عملية اختيار رئيس لهذه السلطة التنفيذية أو حول ولايتها، ولا يوجد انتخاب مباشر لأعضاء هذه الجمعية الوطنية الانتقالية. فهم سينتخبون من قبل "مجمع محلي للاختيار على مستوى المحافظات" بحيث تمثل كل محافظة على أساس نسبتها المئوية من سكان العراق. أما اختيار المرشحين للمجمع فسيجري تنظيمه والموافقة عليه من جانب لجان تنظيمية تضم أفرادا يعينهم مجلس الحكم والمجالس الإقليمية والمحلية.
19 ـ يعترض العراقيون المعارضون لهذه الخطة على أساس أن هذه المجالس الإقليمية والمحلية إنما أنشأها ويدعمها قادة التحالف العسكريون وعلى أساس أن أعضاء مجلس الحكم، مع أن من المفترض أن المجلس نفسه سيُحل، سيكون من حقهم أن يُنتخبوا لعضوية الجمعية على الرغم من أنهم هم الذين يحددون معايير الانتخاب. ويحذّر كثير من العراقيين الذين حاورتهم البعثة من أنه بحلول اذار 2005 ستكون هناك جمعيتان منعقدتان على أساس هذا الاتفاق: الأولى تشريعية وطنية "منتقاة" والثانية دستورية منتخبة، وستعمل الجمعيتان في وقت واحد وبصورة متوازية مما يخلق إمكان نزاع سياسي.
20 ـ الجدير بالذكر أن أصول المأزق السياسي الراهن إنما بدأت في حزيران 2003 في الخلاف على عملية صياغة دستور البلاد من جانب مؤتمر دستوري "تختار أعضاؤه" سلطة التحالف الموقتة، مما أدى إلى إصدار آية الله السيستاني فتوى تطالب بجمعية تأسيسية منتخبة لوضع دستور للبلاد.
رابعا ـ ملاحظات أساسية:
21 ـ كما ورد أعلاه، وصل الخلاف إلى طريق مسدود في ما يتعلق بمسألة إجراء انتخابات مباشرة أو انتهاج عملية نموذج المجمعات، وهي العملية التي يصفها الاتفاق. وفي نهاية المناقشة المطولة التي أجرتها البعثة على الصعيدين السياسي والتقني كان هناك توافق آراء آخذ في التشكل في العراق أن من الصعب للغاية بل ومن المحفوف بالمخاطر أن يُحاول تنظيم انتخابات عامة قبل 30 حزيران 2004، كما كان هناك توافق آراء مماثل مفاده أن نظام المجمعات المحلية بصيغته المطروحة حاليا ليس خيارا ممكنا. وقد قبلت سلطة التحالف الموقتة نفسها فكرة أنه من غير العملي أن يُحاول تطبيق هذا النظام الدخيل كليا بالنسبة للعراقيين. ويتعين العمل على وضع خيارات أخرى واتباعها ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا على يد العراقيين أنفسهم من خلال الحوار وبناء توافق الآراء.
22 ـ من نافل القول إن أحدا لا ينكر أهمية الانتخابات. فأولا، يعتبر حق الإنسان في المشاركة في حكم بلده حقا أساسيا من حقوق الإنسان. وهذا الحق معلن ومضمون بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو معترف به في كثير من المعاهدات والإعلانات الأخرى. وتسلم البلدان والشعوب في مختلف أنحاء العالم بأن الانتخابات الحرة النزيهة تعتبر معْلما مهما في عملية إشاعة الديموقراطية وأداة هامة لتجسيد إرادة الشعب التي هي أساس سلطة الحكم نفسها.
لماذا التشريعية الموقتة؟ :
23 ـ ثانيا، هناك الآن توافق في الآراء بين جميع العراقيين على أن الانتخابات خطوة مهمة على الطريق الطويل نحو إقامة حكم ديموقراطي على أساس سيادة القانون. فالانتخابات في حد ذاتها لا تشكل ديموقراطية. فهي ليست غاية ولكنها خطوة، وإن كانت خطوة مهمة وأساسية، على الطريق نحو عراق موحد يسوده السلام والاستقرار. وقد كُرست مناقشات كثيرة لمسألة إنشاء جمعية تشريعية موقتة. والحقيقة أن كثيرا من العراقيين قد تساءلوا عما إذا كان إنشاء جمعية تشريعية في حد ذاته ضروريا خلال فترة انتقال قصيرة. أليس من الأبسط والأكثر فاعلية تكوين توافق بشأن إنشاء حكومة إدارية موقتة ذات سلطات واضحة محدودة تهيئ البلد لانتخابات حرة نزيهة، وتدير شؤونه خلال الفترة الانتقالية والعملية التي يتم فيها إنشاء هذه الحكومة؟

انتخابات نهاية 2004:
24 ـ كما ذُكر في التقرير التقني التفصيلي الوارد في التذييل الثاني لهذا التقرير، تحتاج الانتخابات إلى فترة زمنية للتحضير مدتها نحو ثمانية أشهر على أقل تقدير بعد الانتهاء من وضع الإطار القانوني. وإذا ما بدأ العمل فورا وتم التوصل إلى التوافق السياسي اللازم بسرعة معقولة، فسيكون من الممكن إجراء انتخابات بحلول نهاية عام 2004. وفي ضوء ذلك، هل سيكون من الضروري انتخاب جمعية دستورية بعد ذلك بشهرين أو ثلاثة؟ إن أغلب العراقيين الذين قابلتهم البعثة يرون بحزم أن جمعية واحدة يمكن أن تعمل جيدا كجمعية تشريعية وجمعية دستورية. ولن يتأثر بذلك الإطار الزمني المحدد للانتهاء من وضع الدستور.
25 ـ أعرب كثيرون ممن شملهم الحوار عن الحاجة إلى طرح أفكار جديدة من أجل القيام بعملية انتقالية أشمل وأكثر شفافية لإنشاء حكومة وحدة وطنية موقتة. وفي هذا السياق، أكد الكثير من العراقيين أيضا على وجوب أن تستند هذه الحكومة إلى قاعدة عريضة لا إلى نظام الحصص، أي أن تكون حكومة تتألف بالدرجة الأولى، في الوضع الأمثل، من الفنيين (التكنوقراط) الأكفاء.
المجلس ادارة موقتة :
26 ـ هناك أفكار كثيرة أخرى مطروحة. وقد عرضت بعض الاقتراحات مفادها تمديد فترة بقاء مجلس الحكم الموجود حاليا لكي يعمل كإدارة موقتة بين 30 حزيران 2004 وموعد إجراء الانتخابات الوطنية، أو أن يتم توسيع عضويته (150 إلى 200 عضو) للعمل كهيئة تشريعية انتقالية تنتخب الحكومة الموقتة. وحض بعض العراقيين الأمم المتحدة على النظر بجدية في فكرة عقد مؤتمر وطني وهي فكرة جاءت داخل العراق من شخصيات عراقية محترمة. وهم يرون أنه من طريق دعوة مندوبين من أنحاء المجتمع العراقي يمكن للمؤتمر الوطني أن يوفّر وسائل أكثر شرعية لإقامة حكومة انتقالية. وهم يسلمون بأن ذلك لن يكون ديموقراطيا تماما ولكنهم يرون مع ذلك أنه سيكون شاملا للجميع وقائما على المشاركة. وسيتطلب الأمر وضع معايير ونظام داخلي بشأن من سيشترك في المؤتمر، لكن المؤتمر الوطني يدعو للاشتراك فيه في العادة الأطراف السياسية والاجتماعية من كل شاكلة ويعمل على أساس الشفافية الديموقراطية. وتنبثق عن المؤتمر مجموعة مبادئ (ليست دستورا) تنظم فترة الانتقال كما يتم التوصل منه إلى اتفاق بشأن حكومة وحدة وطنية موقتة.
27 ـ رأى آخرون أن المؤتمر الوطني يمكن أن يكون منتدى لتعديل مشروع القانون الأساسي والموافقة عليه. وذكر البعض أن من المتصور، رهنا بالنظام الداخلي لهذا المؤتمر وكيفية إدارة أعماله، أن يتحول إلى جمعية وطنية موقتة في وقت لاحق.
28 ـ رأى بعض العراقيين أنه يمكن للأمم المتحدة أن تيسر عملية بناء توافق يفضي إلى اتفاق على عقد مؤتمر وطني وعندئذٍ يمكنها عقد المؤتمر. وفضّل آخرون منتدى أصغر أو اجتماع طاولة مستديرة يتألف من المجموعات السياسية والمهنية والدينية الرئيسية وغيرها من مجموعات الهويات الأخرى التي تمثل التنوع الكامل للمجتمع العراقي وتكوين توافق بشأن إنشاء سلطة انتقالية لإدارة عملية الانتقال بعد 30 حزيران مع التركيز على نحو خاص على عمليتي الانتخابات ووضع الدستور. ووفقا لهذا الرأي، يمكن لاجتماع الطاولة المستديرة أن يتمخض عنه ترتيبات موقتة موثوق بها تؤكد على حماية حقوق الإنسان وعلى القيام بعملية لوضع الدستور قائمة على المشاركة.
29 ـ أكد كثير من العراقيين الحاجة العاجلة إلى تقديم مبادرات جديدة لإعادة بناء الثقة، وتشجيع المشاركة الشاملة واستكشاف خيارات جديدة. وأكد آخرون أن المخرج من هذا المأزق هو أن تعمل الأمم المتحدة في شراكة مع العراقيين وسلطة التحالف الموقتة وجيران العراق، من أجل مساعدة العراقيين على تكوين توافق بشأن إطار سياسي يتمخض عنه خارطة طريق لانتقال الحكم ويساعد على إقامة حكومة انتقالية ويحقق الغاية من ذلك كله.
***
الملحق الرقم (14)
«أمريكا ارتكبت عملية إبادة حضارة في تدميرها وسرقتها المخطوطات والآثار العراقية».
القدس العربي: نظمت مؤسسة الفرقان للحفاظ على التراث الإسلامي محاضرة في لندن حول مصير المخطوطات في العراق على اثر التدمير الذي تعرضت له المراكز الثقافية والتراثية والتعليمية في بغداد والمدن العراقية الأخرى نتيجة للغزو الأمريكي لها في ربيع عام 2003. وتحدث في المناسبة الاختصاصي البريطاني والعالمي في حفظ المخطوطات والآثار جيفري روبر الذي وصف تدمير متحف بغداد والمكتبات الرئيسية في العاصمة والمدن وسرقة وحرق الكتب التراثية الثمينة في معظم هذه المراكز بواسطة الجيش الأمريكي وأعوانه بـ«عملية إبادة الحضارة» معتبراً دافعها النية السيئة والجهل والحقد وفي كثير من الأحيان الربح المادي عن طريق السرقة.
وتطرق روبر إلى ابرز المراكز الثقافية والحضارية التي هوجمت ودمرت وأحرقت في العراق عارضا صورا لها بعد تدميرها، وقد أثارت هذه الصور ردود فعل عاطفية قوية لدي الحاضرين، وقدم اقتراحات حول ما يجب فعله لتجنب حدوث مثل هذه المجزرة الثقافية في مناسبات أخرى، كما ذكر بأن بعثات أوروبية ودولية وحتى أمريكية كانت قد نبهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى ضرورة عدم التعرض لبعض مراكز الآثار القيمة قبل حدوث الغزو الأمريكي، غير ان مسؤولي وزارة الدفاع (البنتاغون) تجاهلوا هذه التنبيهات ولم ينقلوها إلى القادة العسكريين الأمريكيين، وكان كل همهم الحفاظ على مباني وزارة النفط والوزارات الأمنية، على الرغم من ان بعضها كان قريبا جدا من متحف بغداد والمراكز الحضارية الأخرى، ولم يتحرك الجنود الأمريكيون لوقف عملية الإبادة الحضارية التي كانت تجري أمام أعينهم.
وحدد روبر التواريخ التي دمرت فيها المباني الحضارية في بغداد حيث دمر وسرق متحف بغداد ما بين 10 و 13 نيسان (ابريل) 2003 وتبعه تدمير مكتبة الأوقاف وحرقها وسرقة كتبها ومخطوطاتها في 14 نيسان (ابريل) ثم انتقلت عصابات الدمار وأعوانها إلى الأكاديمية العراقية للعلوم، ومن بعدها إلى جامعة الناصرية. وفي الفترة نفسها دمرت مراكز ثقافية عديدة في الموصل والبصرة.
وابتداء من أوائل أيار بدأت المؤسسات الثقافية الدولية كمنظمة الاونيسكو بمحاولة إرسال بعثاتها للتحقق مما دمر. و كانت السلطات الأمريكية ترفض إعطاء تأشيرات لأعضاء هذه البعثات لأنهم فرنسيون أو بحجة أخرى. وقال روبر انه من المؤسف ان إحدى هذه البعثات كانت تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية ولمكتبة الكونغرس وعلى الرغم من ذلك لم تأخذ وزارة الدفاع الأمريكية بمقترحاتها ولم تسهل أمورها. وقال روبر ان المشكلة أيضا عادت إلى ان هذه البعثات لم تنسق مع بعضها.
وشدد روبر على ان المسروقات والأضرار لم تكن فقط في حيز التحف الأثرية والفنية بل سرقت وأحرقت مخطوطات ثمينة لن يعود بالإمكان الاستفادة من قيمتها العملية والحضارية.
ولكن لحسن الحظ، حسب قوله، تم إنقاذ مخطوطات إسلامية ثمينة وعددها أربعون ألفا بفضل جهود المدير أسامة النقشبندي الذي نقلها إلى الدور التحتي في مركز صدام للمخطوطات بحيث لم يتم العثور عليها وتدميرها من قبل المخربين والسارقين.
أما في مكتبة الأوقاف فقد تمت سرقة او حرق خمسة آلاف مجلد تراثي بالعربية والفارسية والتركية، وخسرت الحضارة العربية والعالمية كتبا لا يمكن التعويض عن قيمتها للأصفهاني والدمشقي والحريري واحمد فارس الشدياق.
بالنسبة لبيت الحكمة فقد اظهر المحاضر روبر صورا أثبتت انه حرق وسرقت محتوياته، وهو كان الأقرب إلى وزارة الدفاع العراقية حيث انتشر الجنود الأمريكيون بكثافة ولم يفعلوا شيئا. وتمت خسارة كتب على شاكلة مقامات الحريري وبعض نتاجات ابن سينا. ومن غير المعروف حسب روبر، إذا سرقت أو أحرقت هذه الكتب الثمينة.
ومن المقترحات التي قدمها روبر لتفادي حدوث ما حدث في بغداد أولا ضرورة ان تفرض الأمم المتحدة على جميع دول العالم احترام المؤسسات والمباني التراثية والحضارية خلال الحروب، حسب ما أشارت إليه اتفاقيات أثينا والبندقية وجنيف الدولية، وتطبيق عقوبات ضدها إذا لم تفعل ذلك. ثانيا: الحاجة إلى بذل مجهود اكبر لتصوير المخطوطات وحفظها في أمكنة آمنة، وإنتاج نسخ عنها ووضعها في أماكن مختلفة وليس في مكان واحد فقط. ونوه روبر بالدور الذي تقوم به مؤسسة الفرقان بإدارة رئيسها ومؤسسها الشيخ احمد زكي يماني في مجال محاولة العثور على المخطوطات الإسلامية عموما وتصويرها وحفظها في جداول منسقة بأحدث التقنيات. وثالثا: أشار روبر إلى ضرورة متابعة عملية البحث عن المخطوطات التي سرقت في الغزو على العراق، ومتابعة أي إشارة قد توصل إلى السارقين، ورابعا: إنشاء توجه في الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي حول أهمية المخطوطات والآثار الفكرية وضرورة الحفاظ عليها إذ أنها بنفس أهمية التحف الأثرية ان لم تكن في بعض الأحيان أكثر أهمية.
وطرحت القدس العربي سؤالا حول إمكان التعاون بين منظمة اليونسكو التي تهتم بالتراث والحضارة العالميين والحفاظ عليهما وشرطة الانتربول الدولية للتمكن من استعادة بعض هذه المخطوطات الثمينة التي سرقت من العراق، فقال روبر بان مثل هذا التعاون قائم ومستمر وانه تم القبض على أكثر من شخص يحاول بيع تحف أثرية مسروقة من العراق في أوروبا، وفي عمان وتبين ان بين هؤلاء السارقين أشخاص أمريكيون. كما قال ان الشرطة البريطانية اتصلت به في إحدى المناسبات لاستخدام حرفيته في تحديد هوية مخطوطة إسلامية كان شخص يحاول بيعها في بريطانيا. وأكدت الدكتورة لمياء الكيلاني الخبيرة الدولية في الآثار والتي حضرت المحاضرة، أنها كانت في عداد وفد زار الولايات المتحدة وابلغ المسؤولين فيها (قبل الغزو الأمريكي للعراق) عن الآثار لنفيسة الموجودة في متحف بغداد والمراكز الحضارية العراقية الأخرى.
وأشار الوفد آنذاك ان أي مبادرة عسكرية يجب ان تعتبر أهمية الحفاظ على هذه المراكز من التدمير والسرقة كأولوية إنسانية وحضارية، غير ان العكس تماما حدث.
وعلق مشاركون آخرون في المحاضرة على هذا الموضوع بان الغزو الأمريكي للعراق غزو موجه ليس فقط ضد العراقيين وقادتهم بل ضد الحضارة العربية والإسلامية عموما أي انه أشبه بغزو للحضارة الصليبية المسيحية ضد الحضارة الإسلامية، فلا عجب إذن ان يتم تدمير المخطوطات الثمينة التي تصور عظمة الحضارة الإسلامية ـ العربية في الماضي وان يحاول الغزاة تدمير هذه الحضارة وعزلها من التاريخ. ووافق روبر على هذا الرأي حيث أشار إلى ان الصربيين فعلوا الشيء نفسه في المكتبات ومراكز الحضارة الإسلامية في البوسنة وكوسوفو، ولكنه أضاف ان الجهل أيضا لعب دوره في العراق، بالإضافة إلى الحقد الحضاري. وقال انه يجب بذل مجهود اكبر في مجال اطلاع الرأي العام الأوروبي والأمريكي على قيمة الحضارة العربية الإسلامية وما تم تدميره منها في العراق بواسطة الغزو الأمريكي ـ البريطاني للبلد. وشكر عراقيون حضروا المناسبة روبر على محاضرته القيمة وأشار بعضهم إلى ان الإدارة الأمريكية غيرت قوانين تمنع بيع الآثار العراقية وجعلها تسمح بذلك لان بعض أعضاء هذه الإدارة كانوا مشاركين في عمليات السرقة بشكل مباشر أو غير مباشر.
***
الملحق الرقم (15)
تقرير خاص: إسرائيل «تسرح و تمرح» في شمال العراق
علماً أن العراق في حالة حرب مع الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة فقد تغلغل نفوذه في العراق بحماية سلطات الاحتلال الأميركي. فبعد أن ظفرت الولايات المتحدة الأميركية بعقود إعمار العراق وأخذت في تقسيم ثرواته عليها وعلى من ساندها في حربها التي شنتها أخيراً لاحتلال العراق، كان من الطبيعي أن تلتفت الإدارة الأميركية الحالية إلى طفلها المدلل «إسرائيل» لتتقاسم معه (الكعكة العراقية) خصوصا وان من قام بتدبير موضوع احتلال العراق من أفراد الحكومة الحالية هم من الموالين لـ«إسرائيل» حيث كانت أحد دوافعهم الرئيسية لتلك الحرب تعزيز أمن الكيان الصهيوني وإنعاش اقتصاده المتدهور وذلك من خلال إشراكه بعملية إعمار العراق التي أشرفت عليها الولايات المتحدة.
فقد ذكر الناطق باسم البيت الأبيض «سكوت مكليلان» من أن لـ«إسرائيل» الحق في المنافسة على عقود إعمار العراق في الباطن BBC) العربية 12/12/2003) وهو الأمر الذي أكده في وقت سابق نائب وزير المالية الأميركي «جون تيلور» المسؤول عن السياسة الاقتصادية في إدارة الرئيس الأميركي الحالي وإحدى الشخصيات المؤثرة في البيت الأبيض عندما أدلى بتصريح في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية بتاريخ 22/6/2003 ذكر فيها بأنه «لا مانع من حصول شركات إسرائيلية على مناقصات لتطوير البنى الأساسية في العراق ولم تكتف الإدارة الأميركية الحالية بإعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للمساهمة بإعمار العراق، لكنها كانت البوابة المباشرة التي سهلت اختراق إسرائيل لبلاد الرافدين, فقد أصدرت القيادة الأميركية عن منطقة شمال العراق بيانا بأنها قد أعطت تراخيص تجارية لشركات إسرائيلية للعمل في مناطق مختلفة في شمال العراق منها من يعمل بشكل مباشر ومنها من يعمل بالباطن عن طريق شركات أجنبية (القبس الكويتية 2/12/2003). وقد وصلت ثلاثة وفود عن كبريات الشركات الإسرائيلية بشكل سري إلى مناطق شمال العراق في الأشهر الماضية وهي تعمل في المجال النفطي والسياحي وأمور البنية الرئيسية للتباحث مع قادة الأحزاب الكردية في المنطقة الشمالية حول سبل اعمار تلك المناطق, وتوالت بعد ذلك الوفود الإسرائيلية إلى منطقة كردستان بعد تأكدهم من ان القائمين على تلك المنطقة من أكراد وأمريكان يقدمون تسهيلات واسعة لهم حيث قامت شركة «نيتافيم» الزراعية الإسرائيلية بزيارة سرية للعراق أواخر العام الماضي لبحث إمكانية تطوير النشاط الزراعي وأنظمة الرأي في مختلف المناطق الشمالية وذلك بعد حصولهم على موافقة مباشرة من الحاكم المدني الأميركي في العراق للدخول لتلك المنطقة, وتجدر الإشارة إلى أن الحاكم المدني الأميركي للعراق «بول بريمر» قد لعب دورا رئيسيا في قضية دخول الشركات الإسرائيلية إلى العراق، فقد كان يصدر جوازات سفر عراقية تحمل أسماء مستعارة لتلك الوفود وذلك لتسهيل عملية دخولهم إلى العراق شرط أن يتقن جميع أعضاء الوفد الإسرائيلي اللغة الكردية واللهجة العراقية بشكل سليم حتى لا يثيروا مشاعر المواطنين العراقيين.
وقد أسفرت الرحلات المكوكية لكثير من الوفود الإسرائيلية التجارية لمنطقة شمال العراق عن إبرام عشرة عقود إسرائيلية (على الأقل) تعمل بالباطن مع شركة «بكتل الأميركية (والتي فازت بالعشرة عقود الرئيسية لإعمار العراق) فقد ذكرت صحيفة «الحياة» اللندنية بتاريخ 31/8/2003 من ان «عشر شركات إسرائيلية وقعت عقودا تجارية مع القوات الأميركية في العراق منها من يعمل بشكل مباشر مع شركة بكتل التي يرأسها وزير الخارجية الأميركي السابق جورج شولتز» وقد اعترف مدير معهد التصدير الإسرائيلي «شر غا باروش» من حصول الشركات الإسرائيلية على عقود بالباطن في العراق، حيث ذكر أن «الشركات الإسرائيلية تعمل بصورة غير مباشرة فيما يسمى بعملية أعمار العراق عن طريق شركات أجنبية» (تشرين السورية 15/12/2003) ومن بين الشركات الإسرائيلية التي تعمل في المناطق الشمالية العراقية شركة (اريديوم) التي وقعت عقدا بقيمة 5 ملايين دولار لبناء شبكة هواتف عمومية في الموصل، وشركة (تنور غاز) لتصنيع الأفران التي وقعت عقدا لتصنيع الأفران عن طريق شركة قبرصية لتوريدها إلى شمال العراق، وهناك شركة (اوسيم) للمنتجات الغذائية وشركة (تاسي اريع) لتكرير المياه في منطقة كردستان العراق (القبس الكويتية 2/12/2003) اما صحيفة «يديعوت احرونوت» (9/9/2003) فقد ذكرت ان شركة «ساكال» الإسرائيلية إحدى اكبر شركات استيراد الأجهزة والأدوات الإلكترونية قد بدأت ببيع منتجاتها الإلكترونية في العراق عن طريق وسطاء عرب! ونضيف إلى ما سبق انه جاء في التصريح السابق لمدير معهد التصدير الإسرائيلي من ان حجم الصادرات الإسرائيلية لشمال العراق من مشروعات التنمية والتسويق قد بلغت 50 مليون دولار في نهاية العام 2003 وانه من المتوقع ان تبلغ حجم الصادرات الإسرائيلية غير المباشرة للعراق مئة مليون دولار في العام 2004.
وبحكم علاقة الجوار بين تركيا والمنطقة الكردية في شمال العراق والصراع التاريخي بينهما، قامت أنقرة من خلال أجهزتها الاستخباراتية المنتشرة في المنطقة الشمالية برصد تحركات إسرائيلية في المنطقة الكردية وهو الأمر الذي تناقلته الصحف التركية وصحيفة «يديعوت احرونوت» في 11/10/2003 من ان «تركيا حذرت إسرائيل من العمل في شمال العراق بعد ورود أنباء حول نية إسرائيل تملك بعض الأراضي الغنية بالنفط في منطقة الموصل», ويبدو ان الحكومة التركية جادة في متابعة الأحداث على الساحة العراقية الشمالية فقد أعلنت بأنها ستتخذ تدابير احترازية ضد ازدياد النشاطات المصرفية وشراء العقارات في شمال العراق من خلال فرع لبنك «القروض الكردي» الذي افتتح أخيرا في السليمانية بواسطة بعض القيادات الكردية وان من يقف وراء إنشاء ذلك البنك وخلف النشاطات المصرفية والعقارية في شمال العراق هي إسرائيل (مجلة تركمان العراق الشهرية فبراير 2004).
باتت الشركات الإسرائيلية تعمل بشكل مكشوف في المناطق الشمالية وسط حالة الهرج والمرج التي تسود العراق اليوم نتيجة للسياسة الفاشلة لقوات الاحتلال هناك حيث ساعدت تلك الأجواء كلا من القوات الأميركية والشركات الإسرائيلية للدخول إلى العراق والمشاركة في أعماره وهناك أمثلة أخرى توضح حقيقة الوجود الإسرائيلي داخل العراق إلا ان المجال لا يسمح لسردها جميعا، وسنكتفي في آخر المطاف بالتصريح الذي سبق وان أدلى به المدعو صدر الدين القبانجي عضو ما يسمى بالمجلس الأعلى حول الاختراق الإسرائيلي لشبكة الإعلام العراقية (قناة العراقية الفضائية، إذاعة بغداد، وصحيفة الصباح)! فقد قال المذكور «إذا اضطررنا للدفاع عن ديننا ومنهجنا فإننا سنكشف أسرارا عن وجود عناصر إسرائيلية نعرفها بالاسم تقوم بإدارة شبكة الإعلام العراقي» (صحيفة البيان الإماراتية).
***
الملحق الرقم (16)
جرائم حرب أمريكا في الفلوجة ومواد القانون الدولي
المحامي حسن بيان
رغم التعتيم الإعلامي الذي خيم على عملية إعادة احتلال الفلوجة، وحصر بث المشاهد بما تجيزه الرقابة العسكرية، فأن ما تسرب من دائرة الحصار الإعلامي لهو فظيع جداً. من بين الوقائع التي وقف العالم عليها:
1- قتل مدنيين (رجال ونساء شيوخ وأطفال) لا علاقة لهم بالعمليات العسكرية.
2- تنكيل بجثث (القتلى – الضحايا) والإجهاز على الجرحى.
3- تدمير المرافق الحياتية والخدماتية (ماء – كهرباء – جسور – الخ).
4- تدمير مرافق الخدمات الصحية (مستشفيات – مستوصفات – مراكز إسعاف).
5- تدمير المنازل والأعيان المدنية من مدارس ومؤسسات عامة.
6- انتهاك حرمة أماكن العبادة وتدميرها وقتل من لاذ إليها درءاً من العمليات العسكرية.
7- الحؤول دون وصول المساعدات الطبية وفرق الدفاع المدني لانقاد الجرحى ودفن (الضحايا – القتلى).
8- الاستعمال المتعمد للسلاح المحرم دولياً والذي أدى إلى تدمير البيئة.
9- الهجمات العشوائية.
هذه الأفعال التي ارتكبتها قوات الاحتلال في الفلوجة، لم تكن النموذج اليتيم الذي يدلل على طبيعة السلوك الأميركي، لأن مشهد الفلوجة كان استحضاراً وأن بشكل أكثر عنفاً لما حصل في سامراء، وكشفاً عن عينات وقائع لم تسمح إدارة الحرب الأميركية إظهارها إبان الأيام الأولى للعدوان وخاصة ما حصل في مطار بغداد ومحيطه، كما أنها لن تكون الأخيرة، طالما أن المواجهة بين قوات الاحتلال والمقاومة في العراق مفتوحة على مداياتها وعليها تنطبق تسمية حرب المدن.
لقد أقدمت أميركا خلال عملياتها العسكرية إلى استعمال آلة عسكرية ذات قوة تدميرية هائلة اشتركت فيها كل صنوف الأسلحة البرية والجوية والصواريخ، ومما يؤكد بأن ما تعرضت له الفلوجة كان استهدافاً للبشر والحجر والشجر. وهذا ما يخالف أحكام الاتفاقيات الدولية وقوانين الحرب.
لقد أكدت الاتفاقيات الدولية على وجوب التقيد بأحكام الاتفاقيات التي ترعى وضع الأطراف المتحاربة واحترام قوانين الحرب وإلا فأن الطرف الذي ينتهك أحكام هذه الاتفاقيات تقع أفعاله تحت المساءلة القانونية.
وبالعودة إلى أحكام اتفاقية جنيف الأولى والثالثة والرابعة المتعلقة بأعمال اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتحسين حال الجرحى والمرض وبالبروتوكولات الملحقة يتبين أن أميركا قد انتهكت بشكل خاص أحكام الملحق البروتوكول الإضافي إلى اتفاقية جنيف في 12 آب سنة 1949 وقد تجلى هذا الانتهاك في أحد صوره بقتل المدنيين.
تنص المادة (51) الفقرة (2) من هذه المادة على أنه «لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوضعهم هذا محلاً للهجوم، وتحظر أعمال العنف أو التهديد به والرامية أساساً إلى بث الرعب والذعر بين السكان المدنيين».
كما أن الفقرة (4) من المادة المذكورة تنص على ما يلي:
«تحظر الهجمات العشوائية، وتعتبر هجمات عشوائية، تلك التي لا توجه إلى عمل عسكري محدد».
والفقرة (5) تنص على أنه تعتبر بمثابة هجمات عشوائية أيضاً الهجوم قصفاً بالقنابل أياً كانت الطرق والوسائل، الذي يعالج عدداً من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتمييز بعضها عن البعض الآخر والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى تضم تركزاً من المدنيين أو الأعيان المدنية على أنها هدف عسكري واحد. كما يعتبر هجمات عشوائية الهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في المدنيين أو إصابة منهم أو أضراراً بالأعيان المدنية.
كما يعتبر هجمات عشوائية الهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة منهم أو أضراراً بالأعيان المدنية أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والإضرار بفرطه في تجاوز من ينتظران يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.
أو أن يحدث خلطاً بين هذه الخسائر والإضرار بفرط في تجاوز ما ينتظران يثمر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.
كما تنص الفقرة (6) من المادة المذكورة على تحظير هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين. وعلى هذا الأساس فأن أميركا التي قتلت المدنيين ومارست الهجمات العسكرية العشوائية وكما هو ثابت بالمشاهد التي ظهرت وبثتها وسائل الإعلام وتقارير المراسلين تكون قد انتهكت أحكام المادة 51 من البروتوكول المذكور.
- انتهاك أحكام المواد 52 و53 و54 و55:
تنص المادة 52 فقرة (1) على أنه لا تكون الأعيان المدنية محلاً للهجوم أو لهجمات الردع. والأعيان المدنية هي كافة الأعيان التي ليست أهدافاً عسكرية.
وتنص المادة (53) فقرة (أ) يحظر ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب.
وتنص المادة (54) فقرة (1) يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. والفقرة (2) تحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيوية مهما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أم لحملهم على النزوح أم لأي باعث آخر.
وتنص المادة (55) فقرة (1) تراعى أثناء القتال حماية البيئة الطبيعية من الأضرار البالغة، واسعة الانتشار وطويلة الأمد وتتضمن هذه الحماية حظر استخدام أساليب أو وسائل القتال التي يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب مثل هذه الإضرار بالبيئة الطبيعية ومن ثم تضر بصحة أو بقاء السكان والفقرة (2) تؤشر على حظر هجمات الردع التي تشن ضد البيئة الطبيعية.
هذه النصوص على وضوحها لا تحتمل أي تأويل ولا يشوبها أي التباس، وأنه من خلال الرجوع إلى ما تعرضت له الفلوجة وما عرضته وسائل الإعلام الأميركية والمرافقة لقوات الاحتلال يتبين أن أميركا بإعادة احتلالها للفلوجة لم تراع أحكام هذه المواد فهي دمرت الأعيان المدنية كالجسور ومحطات توليد الطاقة وضخ المياه وسائر المرافق العامة، كما أنها ارتكبت أعمال عدائية ضد الأعيان الثقافية وأماكن العبادة بقصفها للمساجد واقتحامها وتخريب معالمها الثقافية كما أنها عمدت إلى تجويع المدنيين من خلال منعها وصول المساعدات الغذائية وقوافل التموين وفرض الحصار الشامل على المدينة، كما أنها عمدت أيضاً إلى الأضرار بالبيئة من خلال استعمال السلاح المحرم دولياً كقنابل النابالم التي تحرق البشر والحجر والشجر والسلاح ذي الإشعاعات المضرة.
أن أميركا بارتكابها مثل هذه الأعمال تكون قد تصرفت خارج إطار أحكام القانون الدولي وخاصة أحكام المواثيق التي ترعى وضع كالذي تعرضت له الفلوجة وغيرها من المدن العراقية.
هذا الانتهاك الأميركي لقوانين الحرب ولأحكام البروتوكول الإضافي إلى اتفاقية جنيف لم يقتصر على هذه الجوانب وحسب، بل طال أيضاً كل ما تعلق بالخدمات الطبية، إذ أن أول عمل قامت به قوات الاحتلال الأميركي هو سيطرتها على مستشفى الفلوجة العام، وأثناء العمليات العسكرية استهدفت كل المراكز الطبية وذات الصلة بتقديم الإسعافات الأولية، كما أنها وطيلة محاصرتها وقصفها للمدنية منعت وصول المساعدات الطبية ولم تمكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العراقي من القيام بأعمالهما وفقاً لما تنص عليه أحكام البروتوكول المذكور.
وأن أميركا بتعطيلها لدور المراكز الطبية سواء بالسيطرة عليها أو بتدميرها أو بالحؤول دون وصول المساعدات الطبية وتمكين الهيئات المعنية القيام بمهامها تكون قد انتهكت أحكام المادة 12 من البروتوكول التي تنص في الفقرة الأولى على ما يلي: يجب في كل وقت عدم انتهاك مراكز الوحدات الطبية وحمايتها وإلا تكون هدفاً لأي هجوم.
كما تنص المادة (15) فقرة (1) على ما يلي: احترام وحماية أفراد الخدمات الطبية المدنيين أمر واجب والفقرة (2) تنص: تسدى كل مساعدة طبية ممكنة عند الاقتضاء لأفراد الخدمات الطبية المدنيين العاملين في منطقة تعطلت فيها الخدمات الطبية المدنية بسبب القتال.
والفقرة: (3) تقدم دولة الاحتلال كل مساعدة ممكنة لأفراد الخدمات الطبية المدنيين في الأقاليم المحتلة لتمكينهم من القيام بمهامهم الإنسانية على الوجه الأكمل.
والمادة 16 تنص على ما يلي: فقرة (1) لا يجوز بأي حال من الأحوال توقيع العقاب على أي شخص لقيامه بنشاط ذي صفة طبية يتفق مع شرف المهنة الطبية بغض النظر عن شخص المستفيد من هذا النشاط.
إن الفقرة (3) تنص على أنه لا يجوز إرغام أي شخص يمارس نشاطاً ذا صفة طبية على الإدلاء بمعلومات عن الجرحى والمرضى الذين كانوا أو ما زالوا موقع رعايته لأي شخص سواءاً كان تابعاً للخصم أو للطرف الذي ينتمي هو إليه إذا بدا له أن مثل المعلومات قد تلحق ضرراً بهؤلاء الجرحى والمرضى أو بأسرهم.
والمادة (21) تنص على وجوب أن تتمتع المركبات الطبية بالاحترام والحماية التي تقررها الاتفاقيات وهذا الملحق "البروتوكول" للوحدات الطبية المتحركة.
وتنص المادة 34 (رفات الموتى): فقرة (1) يجب عدم انتهاك رفات الأشخاص الذين توفوا بسبب الاحتلال أو في أثناء الاعتقال الناجم عن الاحتلال أو الأعمال العدائية وكذلك رفات الأشخاص الذين توفوا في بلد ليسوا هم من رعاياه كما يجب الحفاظ على مدافن هؤلاء الأشخاص جميعاً ووسمها عملاً بأحكام المادة 130 من الاتفاقية الرابعة ما لم تلق رفاتهم ومدافنهم معاملة أفضل عملاً بأحكام الاتفاقيات وهذا الملحق «البروتوكول».
وبمراجعة المادة (3) من اتفاقية جنيف الأولى 12/8/1949. يؤكد النص على ما يلي: «يحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية وممارسة وبخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب والاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص المعاملة المهينة أو الحاطة بالكرامة. وإصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة».
بناء على ما تقدم وبناء على نصوص البروتوكول الملحق باتفاقية جنيف 12/8/1949، وفي ضوء ما قامت به أميركا على مرأى من العالم اجمع من قتل للمدنيين وتنكيل بالجثث والإجهاز على الجرحى وتدمير المرافق الخدمات والاعيان المدنية وانتهاك حرمة أماكن العبادة والحؤول دون تقديم الخدمات الطبية وتدمير البيئة والاعتداء على الكرامة الشخصية.
مما تقدم يتبين في ضوء الوقائع والأعمال التي ارتكبتها أميركا في الفلوجة أن ما قامت به إنما يقع تحت وصف جريمة الحرب الموصوفة، وهذه الجريمة يقع منفذوها حكماً تحت المساءلة القانونية فضلاً عن المساءلة السياسية لشنهم حرباً على بلد عضو في الأمم المتحدة دون مسوغ شرعي.
وأن ما يثبت ارتكاب أميركا لجريمة الحرب الموصوفة في الفلوجة، أنها أطلقت على عمليتها العسكرية اسم «الغضب الساطع» أي أنها وهي تنفذ عملياتها العسكرية تحت هذا الاسم، فإنما نفذته بباعث غضبها وحنقها، وبالتالي فهي تقر بأن أعمالها ستكون بعيدة عن أية ضوابط قانونية أو أخلاقية أو إنسانية وأنه لا يخفف من وطأة هذه المجزرة وكل الأفعال الإجرامية التي قامت بها قوات الاحتلال، إعلان إدارة الاحتلال أنها ستحقق في إقدام أحد العسكريين على الإجهاز على جريح في أحد المساجد.
نقول أن هذا الإعلان لن يخفف من وطأة عنف المجزرة تحميل المسؤولية لفرد واحد، لأن هذا الفعل أنما جاء في سياق عملية الغضب الساطع والتي أقرت خطوطها العامة وحددت تفاصيلها القيادة العسكرية الرأسية المرتبطة بهرمية القيادة السياسية وبالتالي فأن المسؤولية تقع على إدارة الاحتلال وعليها تقع التبعات القانونية واستطراداً السياسية.
وإذا كان البعض يحاول أن يلطف في الوصف، ويدرج ما قامت به قوات الاحتلال تحت وصف الاستعمال المفرط للقوة، فأن في هذا الوصف مجافاة للواقع وممالاءة للقوة المعتدية لأن ما تعرضت له الفلوجة لم يكن إفراطاً في استعمال القوة بل كان إبادة لمدينة بكاملها وعن سابق تصور وتصميم.
أن ما قامت به قوات الاحتلال الأميركي كان قتلاً متعمداً لأهالي الفلوجة لمن حمل السلاح منهم ومن لم يحمله، وكان تدميراً متعمداً لكل منازل المدنية ومرافقها سواء تلك التي كان يتواجد فيها مقاومون أم لم يتواجد، وكان تخريباً متعمداً للبيئة.
هذا الذي نقلته وسائل الإعلام من مشاهد القتل والتنكيل والتدمير، كان غيضاً من فيض، وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة. ومن يقف على المشاهد الحسية للمجزرة التي ارتكبتها أميركا بحق الفلوجة، يفهم طبيعة السلوك الأميركي السادي مع الأسرى والمعتقلين في معتقل أبو غريب وغيره من المعتقلات الأميركية في العراق، ويفهم جيداً لماذا لم توقع أميركا على ميثاق محكمة الجزاء الدولية.
أن أميركا لم توقع على ميثاق محكمة الجزاء الدولية، لأنها كانت تعرف أن جنودها سيرتكبون جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأن إصرارها أن يكون جنودها خارج المساءلة القانونية عن أعمال يقومون بها في سياق العمليات العسكرية، فلأن هؤلاء الجنود إنما يعملون وفق التوجهات العامة والتعبئة السياسية والعسكرية والخطط الموضوعة. وأن الجندي الذي أجهز على الجريح في أحد مستشفيات الفلوجة فإنما كان ينفذ أوامر السلطة.
وعلى هذا الأساس فأن ما شهدته الفلوجة من أعمال قتل جماعي وتدمير وتنكيل على أيدي قوات الاحتلال الأميركي تشكل مجمل وقائعها الأساس المادي لتوجيه الاتهام الذي سنده القانوني خرق الأحكام والمواثيق والاتفاقات الدولية التي تفرض على المتحاربين التقيد بها. وهذا الاتهام لا يطال المنفدين وحسب بل يطال أيضاً سلطة القرار وأطراف التحريض من داخل العراق وخارجه وحتى لا تتكرر مجزرة الفلوجة في مدن عراقية أخرى وعلى مرأى العالم الذي وقف متفرجاً على تدمير مدينة وقتل كل معالم الحياة فيها.
أنها واحدة من الجرائم الأميركية بحق الإنسانية فإلى متى يستمر السكوت وخاصة العربي عن حرب الإبادة المنظمة التي تشنها أميركا ضد أبناء العراق. أليست هذه رسالة واضحة إلى كل المعنيين بمواجهة المخطط الأميركي ذي الأهداف التدميرية الشاملة لكل مقومات الوطن والأمة. وأن المطلوب هو تحرك سريع ليس للانتصار للفلوجة والعراق وحسب بل لانتصار الأمة لنفسها لأنها هي المعنية أولاً وأخيراً بالهجمة الأميركية الصهيونية. وأن تتحرك القوة الحية في هذه الأمة متأخرة أفضل من أن لا يأتي تحركها أبداً.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق